السباحة في نهر الرحمات

By : الشيخ رمزي سعيد

إن المسلم يبادر بالتوبة ويعجل بالإنابة فإنك لا تدري إذا جن ليل هل تعيش إلى الفجر، وقد رغب الله -سبحانه وتعالى- عباده في التوبة، وفتح لهم بابها ونهاهم عن اليأس من رحمته والقنوط من مغفرته، فإن الله -عز وجل- يبسط يده بالليل ليتوب مسيء النهار ويبسط يده بالنهار ليتوب مسيء الليل حتى تطلع الشمس من مغربها، ففي هذه الأيام المباركة المقبلة يستعد المسلمون بقلوبهم وأبدانهم لاستقبال ضيف كريم يأتي في العام مرة، إنه شهر رمضان خير شهور السنة وأفضل أيام الله، الحسنة بعشر أمثالها وتضاعف إلى سبعمائة ضعف، فليكن التنافس في أعمال الخير والبر، فهل أدرك هؤلاء الذين يسر الله لهم العيش لحضور رمضان هذا وهم في أتم الصحة والعافية قيمة هذه الفريضة الربانية، وعرفوا مالهم وما عليهم فتخلصوا من الحقوق ورد المظالم إلى أهلها وتطهير القلوب واستعدادهم للتخلص من الذنوب والآثام، فعزموا على السباحة في هذا النهر العذب الجاري نهر الرحمات والبركات والسعي إلى رب السموات والتضرع إليه بقبول التوبة وإخلاص العمل لله تعالى، والسير في روضة الرحمن الرحيم والتي لا يذبل زهرها ولا ينفد رحيقها، فإن الله يغفر الذنوب ويقبل التائبين ويقيل عثرات المذنبين مما يعود على الإنسان بالخير في الدنيا والآخرة وهي محبة الله للتائب وطهارة النفس وتنقيتها من الآثام والخطايا وعدم الوقوع في المعاصي والندم على ما كان منها.

فإن الذنوب والمعاصي تحجب المرء عن نور الله من علم وهدى ومعرفة فيكون عنصرا سيئا في المجتمع، فلا يفيد المجتمع وتكثر الفواحش والرذائل التي تفتك بالمجتمع المسلم، ولكن لابد أن يسعى كل مسلم لإصلاح نفسه وإبعادها عن خطر المعصية، فيستفيد من نور الله من علم وهدى ويفيد مجتمعه الذي يعيش فيه، لذلك لابد أن تعلم أنه لم يفتح لك باب إذا أغلق الله باب رحمته وتوبته في وجهك، وتوقع حينها كل أمر يحدث لك، أما آن الأوان لك أيها المسلم أن تتوب وتؤوب وتفتح صفحة جديدة ناصعة البياض مشرقة بفعل الطاعات والقربات لرب الأرض والسموات، وتتعلق بأستار المساجد وتقف على أعتابها متضرعا إلى الله تائبا مستغفرا، فعلى قدر نقاء السريرة وسعة النفع تكتب الأضعاف، وليس ظاهر الإنسان ولا ظاهر الحياة الدنيا هو الذي يمنحه من الله رضوانه، فإن الله -تبارك وتعالى- يقبل على عباده المخبتين المخلصين ويقبل منهم ما يتقربون به إليه، أما ما عدا ذلك من زخارف الدنيا وتكلفات البشر فلا قيمة له ولا اكتراث به. لذلك يعلمنا الهدي النبوي "إن الله لا ينظر إلى أجسامكم ولا إلى صوركم ولكن ينظر إلى قلوبكم"، فمن ربط حياته بهذه الحقائق فقد استراح في معاشه وتأهب لمعاده فلا يضيره ما فقد ولا يحزنه ما قدم، فبادروا واستقبلوا الخيرات أيها الإخوان ولا تتواكلوا وسارعوا ولا تتأخروا، فإن كان حب الدنيا يعيقكم فلابد من الرجوع إلى الله، فيا خيبة من ضيع منه الليالي والأيام، ويا حسرة من انسلخ عنه الهدى بقبائح الآثام ويا خسارة من كانت تجارته في الذنوب، ويا ندامة من لم يتب إلى علام الغيوب، فلابد أن يعلم مهما كانت ذنوبه عظيمة فإن الله يغفرها جميعا ما لم يشرك به وليعلم أيضا أن الحسنات يذهبن السيئات، فلابد وأن يتسلح بسلاح التوبة، ويملأ نفسه ثقة ورجاء بعفو الله، فإن المتأمل في صفات الله وأسمائه وآلائه ونعمائه يحصل له في قلبه معرفة حقيقية بالله العظيم الرحيم الرؤوف الغفور سبحانه وتعالى، وإن مما تكاد النفوس تطير به فرحا وتمتلئ به أنسا، هو معرفة قدرة الله -سبحانه وتعالى- الرحمن الرحيم مع عبده الضعيف المذنب يدعوه ويرجوه إلى أن يتوب إلى علام الغيوب، فيا له من فضل عظيم من رب كريم وخالق رحيم أكرمنا بعفوه وغشانا بحلمه وهدانا ووفقنا لأسباب التوبة والأوبة والرجوع إلى التواب الرحيم -سبحانه وتعالى- فهيا معا نركب ركب المستغفرين إلى ديار التائبين قبل فوات الأوان، فمن أشرقت له بدايته أشرقت نهايته، ومن صدق مع الله في توبته صدق الله معه ووفقه لحسن الخاتمة فيا سعادة من أتقن السباحة في نهر الرحمات، لذا ينبغي مراعاة حرمة هذه الأشهر لما خصها الله به من المنزلة والحذر من الوقوع في المعاصي والآثام تقديرا لما لها من حرمة، ولأن المعاصي تعظم بسبب شرف الزمان الذي حرمه الله -تعالى- فينعم بما أعده الله لعباده التائبين من جنة عرضها السموات والأرض، فيها مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر.


اترك تعليق