الأسباب الخفية لمعركة الفلوجة

By : د. أحمد فودة

للمعركة العسكرية التي تجري حاليًا على أرض مدينة الفلوجة في العراق، أسباب وأبعاد مختلفة، بعضها معلن والبعض الآخر خفي.

أما الأسباب المعلنة فتتعلق بمواجهة تمدد تنظيم داعش وطرده من المدينة ذات الأغلبية السنية، في إطار حرب أكبر يقودها تحالف دولي بقيادة الولايات المتحدة وبمشاركة جيوش إقليمية، مثل جيش النظام العراقي وجيش النظام السوري، لمواجهة التنظيم الذي تمدد على أراضي الدولتين.

أما الأسباب الخفية لتلك الحرب، فتتنوع ما بين أسباب تتعلق بالصراع السياسي بين الميلشيات الشيعية الحاكمة في بغداد. وأسباب طائفية تتعلق بالصراع بين السنة والشيعة هناك، فضلا عن معتقدات طائفية شيعية تخص عودة الإمام الإثنا عشر، وأسباب أخرى تخص الولايات المتحدة التي تريد الانتقام من المدينة التي أذلت القوات الأمريكية في العام 2004 بعد مرور عام على احتلال تلك القوات للعراق.

وفيما يتعلق بالصراع السياسي بين الميلشيات الشيعية الحاكمة في بغداد، فإن التطورات التي شهدتها العاصمة العراقية في الأسابيع الأخيرة كانت تشي بأن الصراع السياسي الدائر بين الزعيم الشيعي "مقتدى الصدر" من جهة وبين حزب الدعوة الذي ينتمي إليه رئيس الوزراء حيدر العبادي، من جهة أخرى قد يتحول لصراع مسلح. خاصة بعد قيام أنصار التيار الصدري، باقتحام المنطقة الخضراء التي تضم أهم المؤسسات السيادية في البلاد، كمجلس الوزراء والبرلمان، فضلًا عن سفارتي الولايات المتحدة وبريطانيا.

وكان هدف التيار الصدري فرض أمر واقع جديد يجعله قادرًا على فرض رأيه فيما يتعلق بتشكيل الحكومة العراقية والسيطرة عليها، أي أن يتحول إلى صانع ملوك جديد في العراق.

وتوقع كثير من المراقبين تطور هذا الصراع السياسي إلى صراع مسلح بين ميلشيا حزب الدعوة وميلشيا "سرايا السلام" التابعة للتيار الصدري، لذا جاءت الحرب على الفلوجة لمنع حدوث هذا النزاع المسلح الذي قد يتطور ليشمل باقي الميلشيات الشيعية، خاصة منظمة "بدر"، إحدى ميلشيات الحشد الشعبي التي وقعت بينها وبين ميلشيا التيار الصدري توترات كبيرة على خلفية أخبار بتصديها لأنصار التيار خلال اقتحامهم للمنطقة الخضراء في بغداد.

أما الأسباب الطائفية فتتعلق بالصراع المستمر بين الشيعة والسنة في العراق والذي شهد فصولًا دموية خلال السنوات الماضية، حيث عمل الشيعة على إحداث تغييرات ديموغرافية تمنع السنة من أن يكون لهم دور مؤثر في التطورات السياسية التي تشهدها البلاد.

وفضلًا عن ذلك، هناك المعتقدات الشيعية التي ترى ضرورة إخلاء المناطق ذات القدسية الشيعية من السنة، تمهيدًا لخروج الإمام الإثنا عشر أو المهدي المنتظر الشيعي. ومن ذلك ما حدث في مدينة سامراء في محافظة صلاح الدين، حيث سعت ميلشيات الحشد الشعبي لجعلها منطقة شيعية خالصة، لأنها مرقد الإمامين العسكريين و"سرداب المهدي المنتظر".

أما فيما يتعلق بأسباب مشاركة الولايات المتحدة المباشر في هذه الحرب، فيعود ذلك إلى رغبة الانتقام من المدينة التي مرغت أنف الاحتلال الأمريكي عام 2004، وأنها أول المدن التي أطلقت الرصاص ضد المحتل، الذي لم يستطع دخولها إلا بعد ضربها بالفوسفور الأبيض، والذي حول جثث الأطفال والنساء والرجال إلى هياكل عظمية محترقة.

إن من يقف في الحرب ضد الفلوجة هذه المرة، ليس فقط قوات الاحتلال الأمريكي، وإنما أيضا، الجيش العراقي الطائفي والميلشيات الشيعية. فهل تنتصر الفلوجة كما انتصرت في الحرب الأولى عام 2004 رغم دخول الأمريكيين لها، أم تنجح الميلشيات الشيعية وخلفها إيران وواشنطن في القضاء على تلك المدينة الباسلة؟


اترك تعليق