الفصل بين الدعوى والسياسى

By : د. فتحي أبو الورد

أثار إعلان حركة النهضة التونسية فصل الدعوى عن السياسى حفيظة المراقببن والمتابعين للشأن الإسلامى بعامة ، ولشأن الحركات الإسلامية خاصة ، وذهبت التأويلات والتحليلات تجاه هذه الخطوة كل مذهب .

فمن الناس من اعتبر الخطوة خروجا على الثوابت الإسلامية للحركة ، ومنهم من عد ذلك انسلاخا من جلد الإسلاميين وتبرؤا منهم ، ومنهم من رأى أن هذا يعد أول المزالق فى منعطف الرضوخ للعلمانية المستبدة وسيعقبه كثير من التنازلات ، ومن الناس من سارت به الظنون إلى اتهام الحركة بسلوك طريق العلمانية الأولى ، ومنهم من رأى غير ذلك .
ولا أدرى لماذا هذه العجلة التى انتابت الكثيرين فى الحكم على ما حدث ؟ رغم أننا لا تتوفر لدينا المعطيات الأولية ، ولا التفاصيل الإجرائية عن كيفية هذا الفصل ، والتى توضح لنا المشهد، وتكيف لنا الواقعة ، وتصور لنا النازلة حتى نستطيع أن نبدى رأيا ، أو نظهر نقدا ، أو نؤمن على ما فعلوا استحسانا ، أو نزكى ما أقدموا عليه استصوابا .. ومن المعلوم أن الإعراب فرع المعنى ، وأن الحكم على الشىء فرع عن تصوره .

ولى عدة ملاحظات على هذه الخطوة :
الملاحظة الأولى تتعلق بالتسمية وهى فصل السياسى عن الدعوى ، وأرى أنه من الأنسب أن تكون فصل الحزبى عن الدعوى حتى لا يتطرق إلى الذهن معنى غير مراد بإطلاق تسمية فصل السياسى عن الدعوى ، وترسيخ لمعنى انفصال الدين عن الدولة ، وذاك هو عين العلمانية التى عادت الإسلام ، والتى أنكرناها على أهلها ، وعلى الحركة أن تؤكد على معنى الشمولية فى الإسلام بصورة عامة تنظيرا ، وأن الإسلام عقيدة وشريعة ، باعتبارها حركة ترتكز على الإسلام ، ومنه تنطلق ، حتى لا نرسخ لمفهوم العلمانية اعتقادا وسلوكا ، وحتى نتحاشى المساهمة فى علمنة الإسلام من حيث لا ندرى، أو أن ينشأ جيل يفهم الإسلام بمنظور العلمانية فى ضوء الانفصال بين الدعوى والسياسى.

كما أن اعتقاد كل عضو سيمارس العمل الدعوى أو السياسى من باب التخصص سيظل كما هو ثابت ، وهو أن السياسة جزء من الإسلام ، ولن تنفك عنه ، وأن الإسلام عقيدة وشريعة ، ودين ودولة ، وأن الحزبى سيمارس السياسة من خلال الحزب والبرلمان والحكومة وغيرها ، والدعوى سيمارس السياسة بشكل أو بآخر بصورة غير رسمية من خلال الحديث فى الشأن العام فى المنتديات والملتقيات ومواقع التواصل الاجتماعى، ومن خلال التصويت والمشاركة فى الانتخابات العامة والاستفتاءات وغيرها .

كل ما هنالك أن المصلحة الشرعية المقصودة اقتضت هذا الفصل التخصصى ، وأن الضرورة الواقعية ألجأتهم إلى سلوك هذه السبيل ، واتخاذ هذا الإجراء ، واختيار هذه الوسيلة ، والوسائل لها حكم المقاصد كما يقرر الأصوليون .

الملاحظة الثانية : أن هذه الخطوة تعد جانبا اجتهاديا من أصحابها يتغيا مصلحة الدعوة ، ويتوخى الحفاظ على كيان الحركة ، فى ضوء الظروف الراهنة ، والأوضاع القائمة ، كما هو واضح بعد زلازل الثورات المضادة ضد ما عرف بالربيع العربى ، ولا حرج فى الاجتهاد من أجل تحقيق مصالح الخلق ، ما دام يدور وفق مقاصد الحق ، والعبرة للمقاصد والمعانى لا للألفاظ والمبانى ، وأنهم مجتهدون فى طلب المصلحة الشرعية للدعوة والناس ، ومن اجتهد في طاعة الله ورسوله فهو دائر بين الأجر والأجرين ؛ فلا مجال لإساءة الظن ، ولا مدعاة للحكم بالتخطئة ، فى أمر تختلف فيه الأنظار ، كما أنه من السابق لأوانه الحكم على التجربة ، وتحديد رأى تجاهها ، فلم يظهر حتى الآن آليات ممارسة الدعوى الذى فصلوه عن السياسى ، وكيف سيمارس ؟ وهل سيكون الدعوى مجردا من التربوى ؟ إلى غير ذلك من الأسئلة .

الملاحظة الثالثة : هى أنه من المستقر لدى عموم المثقفين أن السياسة هى فن إدارة المجتمعات الإنسانية ، كما أنها فن الممكن ، وهى فى المنظور الإسلامى كما قال ابن عقيل الحنبلى : ما كان فعلا يكون معه الناس أقرب إلى الصلاح، وأبعد عن الفساد، وإن لم يضعه الرسول - صلى الله عليه وسلم -، ولا نزل به وحي.
وهى كذلك فن المستطاع والمتاح والممكن والمقدور عليه ، قال تعالى : " لا يكلف الله نفسها إلا وسعها " ، وقال تعالى : "فاتقوا الله ما استطعتم " ، ولذلك قرر الفقهاء أن التكليف على قدر الوسع .
قال ابن تيمية : إن مدار الشريعة على قوله تعالى :" فاتقوا الله ما استطعتم " ، وعلى قول النبي صلى الله عليه و سلم فى الصحيحين : " إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم ".
وفى ضوء فعل المكلف للمقدور عليه - سواء كان فردا أو جماعة - قال تعالى : " يا أيها الذين آمنوا عليكم أنفسكم لا يضركم من ضل إذا اهتديتم" . قال ابن تيمية : من أدى الواجب المقدور عليه فقد اهتدى . فلا نريد أن نرهقهم من أمرهم عسرا .

الملاحظة الرابعة : لا بد للمتصدرين للعمل الإسلامى من نوعين من الفقه : فقه في أحكام الحوادث الكلية، وفقه في نفس الواقع وأحوال الناس، وهذا ماقرره ابن القيم واجبا على كل فقيه ، ومن ثم تقرير ما يترجح سلوكه لمعالجة الواقع ، وتعيين الصالح من الوسائل لتحقيق الواجب الشرعى .
وحين اختار عمر للناس فى زمانه الإفراد بالحج، لمصلحة رآها وهى أن يعتمروا في غير أشهر الحج ؛ فلا يزال البيت الحرام مقصودا، ظن بعض الناس أنه نهى عن المتعة ( التمتع فى الحج )، وأنه أوجب الإفراد . ولكن الصحيح : أن هذا وأمثاله كان سياسة جزئية بحسب المصلحة، تختلف باختلاف الأزمنة، فظنها من ظنها شرائع عامة لازمة للأمة إلى يوم القيامة ، وكما هو معلوم أن الشرائع الكلية لا تتغير بتغير الأزمنة ، أما السياسات الجزئية التابعة للمصالح، فتتقيد بها زمانا ومكانا ، وهذا ما قرره المحقق العلامة ابن القيم .


اترك تعليق