وقفات هادئة حول فصل الحزبي عن الدعوي

By : الشيخ عصام تليمة
تابعت ما يدور من نقاش حول قضية فصل أو تمييز العمل الحزبي عن الدعوي، وما ثار حوله من جدل، بين رافض ومؤيد، والملاحظ أن هناك نوعا من الضبابية أو اللبس في المفاهيم لدى البعض، ما جعل الفكرة تزداد التباسا كلما طرحت، وأن كثيرا من التعليقات حوله تدل على عدم دراسته دراسة متأنية، أو قراءة بها إلمام بشتى جوانبه، ولي وقفات حول الموضوع أجملها فيما يلي:

أولا: نؤمن جميعا بأن الإسلام دين شامل كامل، ينتظم كل شؤون المسلم في دنياه وأخراه، وأنه ما من أمر، أو قول، أو فعل، يقوم به الإنسان المسلم إلا وللشرع فيه رأي، ومن مقتضيات الإيمان: أن يسير وفق هذا الرأي. وإذا كان الإسلام دينا شاملا، فهل بالضرورة أن يكون المسلم شاملا كذلك؟ وهل إيمان جماعة أو حركة إسلامية بشمول الإسلام، معناها أنه لا بد من أن يكون عمل الجماعة شاملا؟ أم أنه يمكنها أن تعمل عملا متخصصا في مجال من المجالات، وتنسق مع بقية الجهود المبذولة بحيث لا يسقط فرض من الفروض التي يجب على الأمة القيام بها، إلا ويوجد من يرفع الحرج عن الأمة بالقيام به؟ الصواب في الأمر أنه ليس بالضرورة إذا آمنت جماعة بشمولية الإسلام أن تكون شاملة، بل الأفضل التخصص والإتقان فيما تجيد أداءه هذه الجماعة، وتترك لغيرها من الجماعات والحركات ما تتقنه هي الأخرى، ليتكامل الجهد بين الجميع.

ثانيا: خلط البعض بين تمييز الحزبي عن الدعوي، وبين العلمانية التي تنادي بفصل الدين عن الدولة، فالفكرة هنا، هي تمييز أعمال، وإسناد مهام إلى من يتقنها، وليس فصلا بمعنى نفي السياسة عن الدين، أو عن الداعية، فالسياسة شقان، شق هو السياسة التي تهتم بشأن الوطن، من حيث معرفة ما يدور في الحياة من أمور السياسة، والمشاركة في ذلك، من حيث الرقابة على الدولة، والمشاركة في الانتخابات بالتصويت، والكتابة تأييدا أو رفضا، هذا أمر عام يخص كل مسلم، وهو واجب بحسب حالته التي يكون فيها، وفرق بين السياسة الحزبية من حيث التنافس على السلطة ذاتها، وهو حق لكل إنسان، لكن أداءه يحتاج إلى دربة وممارسة، وعلم وتفرغ وتخصص، وله أناسه الذين يصلحون له.

وبالمناسبة فإن كتب الفقهاء وأصول الفقه، قد ميزت ذلك بوضوح، فنرى كتبا تخصصت في تمييز أعمال الرسول صلى الله عليه وسلم، وهل ما صدر عنه صدر بصفته مفتيا، أم قاضيا، أم من باب السياسة، وهل هي تشريع أم لا؟ وهل هو تشريع دائم أم مؤقت؟ حتى رأينا إماما كالقرافي له كتاب بعنوان: (الإحكام في تمييز الفتاوى عن الأحكام وتصرفات القاضي والإمام)، وكتب في ذلك علماء كثر، حول هذا التمييز، وكان آخرهم الدكتور سعد الدين العثماني.

ثالثا: لا تزال الحركة الإسلامية وخاصة الإخوان، وقيادات فيها، تتكلم في الموضوع بطريقة فيها انقطاع عن أصول وجذور الجماعة الفكرية، فتجد قيادة إخوانية تقوم بالكتابة عن موضوع قتل بحثا في الجماعة، لكنه لا علم له به، فهذه القضية قد تبناها حسن البنا، وهو ما كتبته في هذا الموقع في مقال مفصل، في حوارات دارت بين حسن البنا وعلماء زمانه، بداية من محب الدين الخطيب، وانتهاء بفتحي رضوان، الذي عرض عليه البنا فكرة فصل العمل الحزبي عن الدعوي بتفاصيل ذكرتها في سلسلة مقالاتي: الإخوان والنقد. 

وهذا يذكرني بالمرحوم الأستاذ مصطفى مشهور مرشد الإخوان الخامس الذي قال سنة 1995م: إن على الأقباط دفع الجزية في مصر. بينما كان حسن البنا قد انتهى من قضية الجزية برأي متطور جدا سنة 1946م، بأن الجزية اختراع غير إسلامي، وأنه ضريبة بدل الدم، فمن دخل التجنيد الإجباري في مصر يعفى منها. أي أن بين الرأيين ما يقترب من خمسين سنة، وللأسف كان المرشد الخامس غير ملم بفكر المرشد الأول، فكان رأيه نشازا وخروجا عما تطورت فيه الجماعة، وهو نفس ما أراه في حوارات وآراء لقيادات حالية في الجماعة، والتي تصدر آراء جامدة لو أرخنا لها زمنيا لكانت في مرحلة ما قبل حسن البنا، وقد جاء الرجل وغيرها تماما، وطور فيها، بينما جاء من بعده ليعيدها جذعة إلى حيث كانت!!

رابعا: العجيب في الأمر أن من يرفضون فكرة تمييز أو فصل الحزبي عن الدعوي في جماعة الإخوان، هم أنفسهم من يلحون على المشايخ والعلماء في الجماعة، عندما يكون لهم موقف في خلاف الطرفين، ولم يكن موقف الكثير من العلماء معهم، فطالبوا بأن ينحي العلماء أنفسهم عن إدارة الجماعة، ليكونوا ملكا للجميع، ومصدر توجيه وعلم للصف الإخواني كله، وهي نفس الفكرة لكنها بشكل فيه تعصب بعيدا عن التأصيل لها، وأن دخول المشايخ الإدارة في الإخوان ومجالس الشورى خطأ كبير، فقد جعلوهم محسوبين على رأي معين، ومعارضين للإدارة وبعض القيادات، وما كان ينبغي لهم هذا الموقف!!

خامسا: إن المطلوب ليس فقط فصل الحزبي عن الدعوي، بل فصل الاجتماعي كذلك عن الحزبي، فلا يقبل بحال من الأحوال أن تكون الجمعيات الخيرية، أو العمل الخيري الاجتماعي، يقوم به أفراد هم أنفسهم من يقفوا أمام اللجان الانتخابية للترويج لمرشح معين، فيرى الناخب الفقير من امتدت يده بالصدقة، في يوم آخر تمتد إليه يده ببطاقة الانتخاب، تدعوه لاختيار المرشح فلان، فكل هذا خلط كبير، يضر بصورة العمل الخيري، ويخلطه بالحزبي ويوظفه توظيفا غير مقبول، يضر ولا ينفع. وهي مراجعات لا بد منها في الحركة الإسلامية، وجماعة الإخوان، حتى تستقيم حركتها، وترشد مساراتها.

اترك تعليق