الفطرة من البذرة إلى الشجرة

By : د. صلاح سلطان

الفطرة هي البصمة الربانية التي يُصبغ بها قلب الإنسان من الرحمن، وفيها المؤشر القوي على الحلال والحرام، والخير والشر، وفيها يقول الله تعالى: (فِطْرَتَ اللَّهِ الَّتِي فَطَرَ النَّاسَ عَلَيْهَا لا تَبْدِيلَ لِخَلْقِ اللَّهِ ذَلِكَ الدِّينُ الْقَيِّمُ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ) (الروم:30)،
فالفطرة لا تتبدل لصالح ولا طالح أو مؤمن أو كافر، وكل ما يجري عليها هو تغطية خفيفة أو كثيفة، مما يؤثر على حركة هذا المؤشر الرباني بين حركة سريعة في كل موقف هذا حلال وهذا حرام، أو حركة وئيدة توقف حركة هذا المؤشر من ضغط الذنوب التي تؤدي إلى طبقة (الران) التي قال الله عنها: (كَلا بَلْ رَانَ عَلَى قُلُوبِهِمْ مَا كَانُوا يَكْسِبُونَ) (المطففين:14)،
وجهود الدعوة والتزكية كلها تدور حول محور واحد هو تجلية هذا الصدأ وتنقية الفطرة من الشوائب والعوالق لكي يعود مؤشرها حيا قويا فتيا، فلا أحد يزرع الإيمان من جديد في قلب أي إنسان (أَأَنْتُمْ تَزْرَعُونَهُ أَمْ نَحْنُ الزَّارِعُونَ ) (الواقعة: 64)،
بل إن البذرة موجودة في تربة القلب تسقيها الدعوة إلى الله، ويغذيها العلم، ويزيح عنها الصخور مجاهدة النفس؛ كي تجد البذرة طريقها إلى أن تكون شجرة، فالزراعة من الله، والحرث والسقيا من الدعاة. فدورنا كدعاة هو مساعدة الخلق على تجلية الصدأ ليكون بنفسه صاحب معيار رباني في الاتجاه إلى الخير ورفض الشر.
أما الهوى فقد خُلق في الإنسان في حده الطبيعي لسعادته في الدنيا والآخرة، فهوى الإنسان أن يأكل ليعيش، وهوى الجنس ليتكاثر ويتناسل، وهوى الكلام ليقول الحق ويدعو إلى الهدى، وهوى الغضب ليحمي الحق والعرض والنفس والوطن، لكن الهوى بغير لجام دمار للإنسان وللمجتمع والأوطان، فإذا زاد الهوى نحو الطعام تحول إلى سمنة وتخمة وأكل حق الفقير (ما جاع فقير إلا بتخمة غني)، وهوى الجنس إذا انفلت كان سعارا وزنا وفجورا وأمراضا تفتك بالمجتمع، وهوى الكلام إذا تعدى صار غيبة ونميمة ووقيعة وسبابا وكذبا وبهتانا، وهوى الغضب إذا طغى تحول إلى شقاق وطلاق وخناق وحروب ودماء وأشلاء ودمار وإفساد.
ولاعلاج لهذا الهوى الجامح ليعود إلى حده الطبيعي وأصله الرباني ملتحما بالفطرة متبعا للوحي إلا بلجام قوي من المجاهدة للنفس، ولعل الصيام في الفرض والنافلة هو أقوى لجام لهذا الهوى ونقاء لهذه الفطرة، وتجلية الصدى حتى يشعر الإنسان بأنه ملائكي الروح والقيم والأخلاق وإن ظل بشرا يعيش على الأرض ويمشي في الأسواق.


اترك تعليق