مع كلمة التوحيد

By : الشيخ عبد العزيز رجب

الحمد لله وحده، وصلاة وسلاما على من لا نبي وحده، وعلى آله وصحبه ومن تبعه.

مع أعظم كلمة في الوجود، ومن أجلها خلق الله العباد، ولأجلها أرسل الرسل في البلاد، وبها يتحدد المصير يوم التناد، إنها {لَا إِلَهَ إِلَّا اللَّهُ}، والتي تعني: أنه لا معبود بحق إلا الله، وأن الله تعالى هو الإله الذي تعبده القلوب محبة وإجلالا وتعظيما، وذلا وخضوعا وخوفَاَ وتوكلا عليه، ودعاءً له، وليس للقلوب سرور ولا سعادة إلا بتحقيق معنى لا إله إلا الله؛ قال تعالى:{وَقَضَى رَبُّكَ أَلاَّ تَعْبُدُواْ إِلاَّ إِيَّاهُ}[الإسراء:23]

يحصل المسلم بها على عدة مكاسب منها:

- يحرم صاحبها على النار: عن عتبان بن مالك –رضي الله عنه– أن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «إن الله قد حرم على النار من قال لا إله إلا الله يبتغي بذلك وجه الله». (متفق عليه)

- يدخل الإنسان الجنة: فعن معاذ بن جبل -رضي الله عنه- قال -صلى الله عليه وسلم-: «يا

معاذُ أتدري ما حقُّ اللَّهِ على عبادِهِ؟ قلتُ: اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قال: حقُّهُ عليهم أن يعبدوهُ ولا

يُشرِكوا بهِ شيئًا، أتدري ما حَقُّ العبادِ على اللَّهِ إذا فعلوا ذَلِكَ، قلتُ اللَّهُ ورسولُهُ أعلَمُ، قال:

حقُّهمْ ألا يعذِّبُهمْ».(متفق عليه).

وعن أبي الدرداء –رضي الله عنه– عن النبي–صلى الله عليه وسلم– قال: «من قال لا إله

إلا الله وحده لا شريك له دخل الجنة» .أخرجه: (الطبراني، وابن خزيمة وقال: غريب)

- يختم له بحسن الخاتمة، فعن أبي شيبة الخدري -رضي الله عنه– عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «من كان آخر كلامه لا إله إلا الله دخل الجنة». أخرجه: أحمد والحاكم وقال: صحيح الإسناد)

- أفضل شعب الإيمان وأعلاها: عن عن أبي سعيد –رضي الله عنه– عن النبي – صلى الله عليه وسلم– قال: «الإيمان بضع وسبعون شعبة فأفضلها قول لا إله إلا الله وأدناها إماطة الأذى عن الطريق والحياء شعبة من الإيمان». (مسلم وأحمد)

- يدرك أصحابها الشفاعة، فعن أبي هريرة -رضي الله عنه– عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا من قلبه». (أخرجه: البخاري وأحمد )

- أفضل ما قال النبيون: فعن أبي هريرة -رضي الله عنه– عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «وَأَفْضَلُ قولي وقول الأنبياء من قبلي لا إله إلا الله وحده لا شريك له له الملك وله الحمد يحيي ويميت بيده الخير وهو على كل شيء قدير». (أخرجه: البيهقي والترمذي وقال حسن)

- هي أثقل من السموات والأرض كما جاء عن أبي سعيد الخدري -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم– قال: «قال موسى يا ربِّ علِّمني شيئًا أذكُرُك به، قال: قل لا إلهَ إلَّا اللهُ، لو أنَّ السماواتِ السبعِ وعامرهُنَّ والأرضينَ السبعِ جُعِلْنَ في كفَّةٍ ولا إلهَ إلا اللهُ في كفَّةٍ لمالت بهنَّ لا إلهَ إلا اللهُ».(أخرجه: المنذري وابن حبان وقال صحيح)

- أثقل شيء في الميزان: عن عَبْدَ اللَّهِ بْنَ عَمْرِو بْنِ الْعَاصِ يَقُولُ قَالَ رَسُولُ اللَّهِ صلى الله عليه وسلم " إِنَّ اللَّهَ سَيُخَلِّصُ رَجُلاً مِنْ أُمَّتِي عَلَى رُءُوسِ الْخَلاَئِقِ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فَيَنْشُرُ عَلَيْهِ تِسْعَةً وَتِسْعِينَ سِجِلاًّ كُلُّ سِجِلٍّ مِثْلُ مَدِّ الْبَصَرِ ثُمَّ يَقُولُ أَتُنْكِرُ مِنْ هَذَا شَيْئًا أَظَلَمَكَ كَتَبَتِي الْحَافِظُونَ فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ . فَيَقُولُ أَفَلَكَ عُذْرٌ فَيَقُولُ لاَ يَا رَبِّ . فَيَقُولُ بَلَى إِنَّ لَكَ عِنْدَنَا حَسَنَةً فَإِنَّهُ لاَ ظُلْمَ عَلَيْكَ الْيَوْمَ فَتَخْرُجُ بِطَاقَةٌ فِيهَا أَشْهَدُ أَنْ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللَّهُ وَأَشْهَدُ أَنَّ مُحَمَّدًا عَبْدُهُ وَرَسُولُهُ فَيَقُولُ احْضُرْ وَزْنَكَ فَيَقُولُ يَا رَبِّ مَا هَذِهِ الْبِطَاقَةُ مَعَ هَذِهِ السِّجِلاَّتِ فَقَالَ إِنَّكَ لاَ تُظْلَمُ . قَالَ فَتُوضَعُ السِّجِلاَّتُ فِي كِفَّةٍ وَالْبِطَاقَةُ فِي كِفَّةٍ فَطَاشَتِ السِّجِلاَّتُ وَثَقُلَتِ الْبِطَاقَةُ فَلاَ يَثْقُلُ مَعَ اسْمِ اللَّهِ شَيْءٌ " .

- تنجي من الشدائد: كما دعا يونس -عليه السلام- في شدته، قال تعالى: وَذَا النُّونِ إِذ ذَّهَبَ مُغَاضِباً فَظَنَّ أَن لَّن نَّقْدِرَ عَلَيْهِ فَنَادَى فِي الظُّلُمَاتِ أَن لَّا إِلَهَ إِلَّا أَنتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنتُ مِنَ الظَّالِمِينَ [الأنبياء:87]

عن ابن عباس رضي الله عنهما قال: إن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو عند

الكرب: «لا إله إلا الله العظيم الحليم، لا إله إلا الله رب العرش الكريم، لا إله إلا الله رب

السماوات ورب العرش العظيم» (متفق عليه)

- تجدد الإيمان: فعن أبي هريرة –رضي الله عنه– عن النبي صلى الله عليه وسلم- قال: «جددوا إيمانكم قيل يا رسول الله كيف نجدد إيماننا قال أكثروا من قول لا إله إلا الله».(أخرجه: أحمد،والحاكم وهو:صحيح).

- تفرج الكرب: فعن ابن عباس -رضي الله عنهما- قال: إن نبي الله -صلى الله عليه وسلم- كان يدعو عند الكرب : « لا إله إلا الله العظيم الحليم ، لا إله إلا الله رب العرش الكريم ، لا إله إلا الله رب السماوات ورب العرش العظيم». (متفق عليه)

- يسعد بشفاعة النبي –صلى الله عليه وسلم-:عن أبي هريرة –رضي الله عنه– عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال:«أسعد الناس بشفاعتي يوم القيامة من قال لا إله إلا الله خالصا مخلصا من قلبه».(أخرجه: البخاري وأحمد)

شروط كلمة التوحيد:

واعلم أن فضل لا إله إلا الله لمن يعمل بها وليست لمن يلوك بها بها لسانه دون العمل بها، فلا إله إلا الله منهج عمل وخطة حياة، وليست مجرد حروف، وقد ذكر العلماء -رحمهم الله- شروطًا سبعة لـ«لا إله إلا الله».

وقال ابن رجب: "أما من قال: لا إله إلا الله بلسانه، ثم أطاع الشيطان وهواه في معصية الله ومخالفته، فقد كذب فعله قوله، ونقص من كمال توحيده بقدر معصية الله في طاعة الشيطان والهوى، قال تعالى:{وَلاَ تَتَّبِعِ الْهَوَى فَيُضِلَّكَ عَن سَبِيلِ اللهِ} [ص:26] (كلمة الإخلاص- ابن رجب:28).

وقد قال وهب بن منبه لمن سأله: (أليس «لا إله إلا الله» مفتاح الجنة؟ قال: بلى. ولكن ما من مفتاح إلا وله أسنان، فإن جئت بمفتاح له أسنان فتح لك، وإلا لم يفتح لك) رواه البخاري (1/415).

وأسنان هذا المفتاح هي شروط «لا إله إلا الله» وهي:

1- العلم بمعناها المراد منها نفيًا وإثباتًا، المنافي للجهل بذلك، قال تعالى:{فَاعْلَمْ أَنَّهُ لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ} [محمد:19].

وعن عثمان -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «من مات وهو يعلم أنه لا إله إلا الله دخل الجنة».(أخرجه :مسلم وأحمد وابن حبان).

2- اليقين المنافي للشك: أي يكون قائلها مستيقنًا بمدلولات هذه الكلمة، يقينًا جازمًا، فإن الإيمان لا يغني فيه إلا علم اليقين لا علم الظن. معارج القبول (2/419).

قال تعالى:{إِنَّمَا الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ آمَنُوا بِاللهِ وَرَسُولِهِ ثُمَّ لَمْ يَرْتَابُوا وَجَاهَدُوا بِأَمْوَالِهِمْ وَأَنْفُسِهِمْ فِي سَبِيلِ اللهِ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ} [الحجرات:15].

وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-: «أشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله، لا يلقى بهما عبد غير شاك فيهما إلا دخل الجنة».(أخرجه: مسلم ،و أحمد).

3-القبول لما اقتضته هذه الكلمة بقلبه ولسانه: فعن ابن عمرو -رضي الله عنهما–عن النبي –صلى الله عليه وسلم– قال: «لا يؤمن أحدكم حتى يكون هواه تبعا لما جئت به».أخرجه: ابن حجر والنووي وقالوا: صحيح)

4-الانقياد لما دلت عليه، المنافي لترك ذلك. قال تعالى:{فَلاَ وَرَبِّكَ لاَ يُؤْمِنُونَ حَتَّى يُحَكِّمُوكَ فِيمَا شَجَرَ بَيْنَهُمْ ثُمَّ لاَ يَجِدُوا فِي أَنْفُسِهِمْ حَرَجًا مِّمَّا قَضَيْتَ وَيُسَلِّمُوا تَسْلِيمًا} [النساء:65].

5-الصدق المنافي للكذب: وهو أن يقولها صدقًا من قلبه، يواطئ قلبه لسانه، قال تعالى:{الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2) وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ}[العنكبوت/3:1].

6-الإخلاص: وهو تصفية بصالح النية عن جميع شوائب الشرك؛ قال تعالى:{وَمَا أُمِرُوا إِلاَّ لِيَعْبُدُوا اللهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ} [البينة:5]. وقال الفضيل بن عياض(5) -رحمه الله-: "إن العمل إذا كان خالصًا ولم يكن صوابًا لم يقبل، وإذا كان صوابًا ولم يكن خالصًا لم يُقبل، حتى يكون خالصًا صوابًا، والخالص أن يكون لله، والصواب أن يكون على السنة".(مجموع الفتاوى (3/124)).

7-المحبة لهذه الكلمة، ولما اقتضته ودلت عليه، ولأهلها العاملين بها الملتزمين لشروطها، وبغض ما ناقض ذلك: قال تعالى:{وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللهِ أَنْدَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللهِ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا للهِ} [البقرة:165].

فاعملوا بهذه الشروط وطبقوها لتفوزوا بسعادة الدارين

جعلنا الله وإياكم من أهلها في الدنيا والآخرة.


اترك تعليق