الإسراء والمعراج دروس وعبر( 2 )

By : الشيخ فايز النوبي
في مقال سابق لنا، عن رحلة الإسراء والمعراج ،بمناسبة حلول ذكراها ،تناولنا الحديث :عن الرحلة المباركة، ومعناها، وطوفنا حول الآيات الكريمة التي نزلت بشأنها ،وأشارت إليها في سورتي (الإسراء والنجم )وذكرنا كذلك بعض الأحداث التي سبقتها، واستوجبتها، وفي مقالنا هذا نحاول: أن نستخلص بعض الدروس، والعبر من خلال أحداث الرحلة المباركة نستضئ بهداها، ونستلهم منها الخير ،والرشد ونرى فضل الله عزوجل، وأنعمه على رسوله الكريم صلى الله عليه وسلم ،وعلى أمته التي شرفت ببعثته، والإنتساب إليه.
فمن الدروس والعبر
1-توقيت الرحلة :كان في منتصف عمر الرسالة" أي مدة الدعوة التي عاشها رسول الله صلى الله عليه وسلم "وهي ثلاث وعشرون سنة ،وجاءت حادثة الإسراء في السنة الحاديةعشر، فهي محطة يستريح فيها صلى الله عليه وسلم بعد صبر وطول معاناة؛ ليستعد لعمل، وجهاد كبير.
2-العام الذي مات فيه عمه أبو طالب ،وزوجه خديجة رضي الله عنها سماه الرسول صلى الله عليه وسلم: عام الحزن ليس لمجرد فراق العم والزوجة فقط؛ وإنما أيضا لتجمد الدعوة خلال ذلك العام ،إذ كان الكفار يقفون على الطريق المؤدية إلى مكة يصدون الناس عن دعوته ،مما إضطره صلى الله عليه وسلم، إلى الخروج إلى الطائف ،وعرفنا كيف كان إستقبال الناس، وأذيتهم له وسخريتهم منه.
3-عندما لجأ صلى الله عليه وسلم إلى بستان شيبة، وعتبة إبني ربيعة، وبعثا إليه غلامهما النصراني" عداس" يحمل قطفا من عنب، وقدمه لرسول الله صلى الله عليه وسلم ،والذي أيقن أنه رسول رب العالمين خاصة بعدما سمعه يذكر الله عزوجل ويوحده ،ويحدثه عن نبي الله "يونس بن متى" ،والذي كان عداس من بلدته" نينوى" وعرفه النبي صلى الله عليه وسلم بنفسه فأكب الغلام على رأس النبي، ويده وجسده يقبله، وهذا في حد ذاته: إعتراف بنبوته صلى الله عليه وسلم،وإتباع له، وإيمان بدينه.
4 - في طريق عودته صلى الله عليه وسلم إلى مكة، من رحلة الطائف: صرف الله عزوجل إليه نفرا من الجن يستمعون القرآن الكريم. فتأثروا به ،وآمنوا ،ولم يكتفوا بإسلامهم، وإيمانهم فحسب. وإنما ذهبوا إلى قومهم أيضا؛ مبشرين ،ومنذرين، وداعين للإسلام ،وفي ذلك يقول الله عزوجل (وإذ صرفنا إليك نفرا من الجن يستمعون القرآن فلما حضروه قالوا أنصتوا فلما قضي ولوا إلى قومهم منذرين ،قالوا ياقومنا إنا سمعنا كتابا أنزل من بعد موسى مصدقا لما بين يديه يهدي إلى الحق وإلى طريق مستقيم، ياقومنا أجيبوا داعي الله، وآمنوا به يغفر لكم من ذنوبكم ،ويجركم من عذاب أليم) .
وإنما قالوا من بعد موسى؛ لأن عيسى جاء مصدقا لما جاء به موسى، ولم يأت بتشريع جديد قال :ولأحل لكم بعض الذي حرم عليكم.
5-محطات الرحلة :معظمها إن لم يكن كلها كانت: مساجد بدأ الإسراء بالمسجد الحرام، وإنتهاء بالمسجد الأقصى ،وبدأ المعراج من المسجد الأقصى ،وكانت إحدى المحطات الرئيسية السماء السابعة، حيث البيت المعمور ،وهو مسجد تطوف حوله الملائكة كل يوم. سبعون ألف ملك لايعودون إليه إلى يوم القيامة. وبعد أن وصل الرسول صلى الله عليه وسلم ،إلى مالم يصل إليه أحد قبله :فرض الله عزوجل عليه الصلاة، و التي أفضل أماكنها المساجد .ثم كانت العودة إلى المسجد الأقصى، ثم المسجد الحرام فعاد من حيث أتى.
المحطات كلها مساجد، وهذا لابد له من معنى، ومغزى معناه :أن يعلم المؤمن أن المساجد، والتي هي بيوت الله عزوجل هي: الأماكن التي ينطلق منها الخير، وإليها يعود وينتهي، وأنها المواطن التي تطمئن فيها القلوب ،وتستريح إليها النفوس . فمن السبعة الذين يظلهم الله عزوجل في ظل عرشه يوم لا ظل إلا ظله :رجل قلبه معلق بالمساجد لايفارقه حبها حتى لوخرج منها؛ لقضاء مصالحه الدنيوية، فهو سرعان مايعود إليها ؛ليصل قلبه بخالقه عزوجل.
6- بخصوص المسجد الأقصى فمعلوم تاريخيا أنه في زمن الإسراء، وتوقيته لم يكن يعامل كمسجد إذ كان الرومان يحتلون هذه المنطقة ،ولم يكن ثمة مسلمين في بلاد الشام وقتها. فلماذا سماه الله مسجدا في الآية الكريمة؟ والسر في ذلك، والله أعلم :أن بيت المقدس لما بناه "يعقوب "عليه السلام بناه ليكون مسجدا، وقد كان. وجدد" سليمان"عليه السلام بناءه لهذا الغرض، وكفل "زكريا" فيه "مريم "عليهما السلام ، وهو كذلك لم يزل مسجدا. ولما حرف أهل الكتاب الدين، وعبدوا مع الله غيره ؛لم يعد مسجدا بالمعنى الإسلامي؛ فسماه الله عزوجل مسجدا: بإعتبار ماكان عليه الحال في عهد الأنبياء، والرسل السابقين، ولكي يحرص المسلمون على إعادته لحاله مسجدا كما كان
ولذلك لم تمض ثلاثون عاما حتى فتح المسلمون بلاد الشام ،وتسلم الفاروق عمر رضي الله عنه مفاتيح بيت المقدس.
7-الاسلام دين الفطرة.
وارتباط الفطرة باللبن. فمن أحداث رحلة الإسراء: أن جبريل عليه السلام أتى النبي صلى الله عليه وسلم بإنائين على أصح الروايات. إناء فيه خمر ،وإناء فيه لبن فتناول اللبن، وشربه ،ولم يشرب الخمر .فقال له جبريل: هديت الفطرة، أما إنك لوشربت الخمر؛ لغوت أمتك.
وإرتباط الفطرة باللبن معناه: أن فطرة الإسلام بيضاء بياض اللبن، نقية صافية، لالبس فيها ولاغموض، ولاإلتواء ولاحرج، ولاتعقيد.
والإسلام ،وشريعته: كله خير ومصالح، ومنافع، واللبن كذلك كله فوائد ومنافع.
اللبن يمكن للإنسان: أن يستغني به عن كل غذاء.
والإسلام العظيم دين الله الحق وشريعته الغراء: يستغني به الناس؛ لو التزموا به عن كل نظام.
8-صلاة النبي صلى الله عليه وسلم بالأنبياء: تدل على وحدة الدين، وانتقال إيمان الأنبياء ،والمرسلين بالنبي صلى الله عليه وسلم، من علم اليقين، إلى عين اليقين وهذه :حجة أيضا على من يدعون إتباع موسى، وعيسى ،ولم يؤمنوا بمحمد فيقال لهم :لو كنتم صادقين في إتباعكم أنبيائكم لآمنتم بمحمد صلى الله عليه وسلم فإن أنبيائكم لم يكتفوا بالإيمان به، ودعوتكم إلى ذلك، بل اتبعوه ،وائتموا به في الصلاة خلفه. فوجب عليكم الإيمان به إن كنتم صادقين في دعواكم.
يقول عزوجل (وإذ أخذ الله ميثاق النبين لماآتيتكم من كتاب ،وحكمة ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم، لتؤمنن به، ولتنصرنه قال ءأقررتم، وأخذتم على ذلكم إصري، قالوا أقررنا ،قال فاشهدوا، وأنا معكم من الشاهدين).
9-علاقتنا الوثيقة بأبي الأنبياء "إبراهيم "عليه السلام.
فجميع الأنبياء الذين قابلهم النبي صلى الله عليه وسلم في السموات العلا، سلموا عليه ورحبوا به. إلا إبراهيم عليه السلام ،والذي زاد على السلام ،والترحيب به ،بأن دعا له ،ولأمته بخير ،وقال: يامحمد أقرئ أمتك مني السلام، وأخبرهم: أن الجنة طيبة التربة، عذبة الماء، وأنها قيعان ،وأن غراسها: سبحان الله، والحمدلله، ولاإله الاالله، والله أكبر.
فأرسل إلينا خليل الرحمن إبراهيم عليه السلام، بالتحية ،والهداية، والتشويق إلى الجنة، وهذا :دليل محبته لنا ،ورحمته وحنوه علينا، ورفقه، واهتمامه بنا. أليس هو الذي دعا ربه! فقال: ربنا واجعلنا مسلمين لك، ومن ذريتنا أمة مسلمة لك ،وأرنا مناسكنا ،وتب علينا إنك أنت التواب الرحيم.
وقد استجاب الله عزوجل دعاء خليله أبي الأنبياء ،في أمة النبي صلى الله عليه وسلم. و ها نحن نبادله حبا بحب؛ فنحييه قبل التسليم في كل صلاة، فرضا كانت أو نافلة، ونصلي، ونسلم عليه في كل تشهد أخير ، كما نصلي ونسلم، على نبينا محمد صلوات ربي وتسليماته عليهم جميعا.
10-من دروس الإسراء والمعراج كذلك: تحقيق عدل الله عزوجل في إثابة المحسنين، وعقوبة المسيئين، وعلمنا كذلك من خلال مشاهدات النبي صلى الله عليه وسلم، كيف يضاعف الله عزوجل الأجر والمثوبة للمجاهدين في سبيله؛ لنصرة الحق، والدين فالحسنة تضاعف إلى سبعمائة ضعف. دليل ذلك: نمو الزرع، وطيب الثمار، وسرعة الحصاد، فقد رآهم صلى الله عليه وسلم يزرعون، ويحصدون في نفس الوقت. كلما زرعوا حصدوا، ومعنى هذا :أن ثمرات الجهاد، ونتائجه مضمونة، وسريعة.
ورأى صلى الله عليه وسلم كذلك آكل الربا ، يسبح في نهر الدم، كلما إقترب من الشاطئ؛ قذف بالحجارة فرجع ؛لأن آكل الربا يمتص دماء الناس فيستغل حاجتهم ،ويستبيح أموالهم.
11-من دروس الإسراء كذلك والتي نستلهمها من الآية الكريمة قوله تعالى( سبحان الذي أسرى بعبده) والرحلة كانت تشريفا، وتكريما وتسرية ،فكان مقتضى ذلك أن يقول عزوجل :أسرى بحبيبه، أو مصطفاه، إنما قال: بعبده؛ ليعلم الجميع: أن الإنسان مهما علا قدره، وسمت منزلته، فهو عبد لله وكي لايفعل المسلمون مافعله غيرهم، من الأمم السابقة حينما، عبدوا أنبيائهم ،لمجرد أن الله عزوجل حباهم ببعض التكريم. لذلك نجد كثيرا في القرآن الكريم : وصف الله تعالى لأنبيائه في مقام التكريم بالعبودية قال عن أيوب، وداود ،وسليمان عليهم السلام : نعم العبد إنه أواب.
وفي وصف نوح عليه السلام قال: ذرية من حملنا مع نوح إنه كان عبدا شكورا.
وفي وصف زكريا عليهالسلام قال :
ذكر رحمت ربك عبده زكريا.
وقال عيسى عليه السلام تحدثا بنعمة الله عليه : إني عبد الله .
وقد جاء وصف نبينا محمد صلى الله عليه وسلم، بالعبودية في أكثر من موضع منها قوله تعالى :فأوحى إلى عبده ماأوحى .
تبارك الذي نزل الفرقان على عبده.
12-ايضا من الدورس، والعبر المهمة: أن الرحلة كانت ليلا مع أن من أهدافها رؤية بعض الآيات، كما قال سبحانه: لنريه من آياتنا. والنهار :هو أنسب الأوقات للرؤية كما قال عزوجل: وجعلنا الليل ،والنهار آيتين فمحونا آية الليل وجعلنا آية النهار مبصرة .
لماذا إذا كانت الرحلة ليلا؟ والعجيب أيضا أنها كانت في وقت لايظهر فيه القمر! فقد كانت في ختام شهر رجب.
ويمكننا القول: بأن السر في ذلك، والله أعلم ؛حتى لاتكون هذه الرحلة العظيمة في ضوء شمس النهار، ولاقمر الليل، وهما وسيلتي الرؤيا عند الناس، وإنما لتتم بقدرة الله عزوجل، وبنوره الذي أشرقت له السموات والأرض ،والذي هو أعظم من الشمس والقمر ،ومن كل شئ.
وبقي أن نقول: إن رحلة الإسراء والمعراج "معجزة عظيمة" من إله قادر عظيم لرسول مجتبى مختار؛ تسرية عنه، وتخفيفا عليه بعد أن فقد من أهل الأرض المؤازر، والنصير فجاءت هذه الرحلة العلوية الإلهية عوضا من الله تعالى، عن كل مافقد ،واحتفاء به تمسح عنه كل عناء وتعب، وكانت مددا من ربه عزوجل، تقوى به إرادته ،ويشتد بها عزمه في منطلق الدعوة إلى الله غير مبال بما يلقى من عنت، وجحود فقد عاد صلى الله عليه وسلم ،من رحلة التكريم، متجدد العزم، قوي العزيمة على المضي قدما، في تأدية رسالة ربه، وقد إمتلأ قلبه بوعد ربه ،إنه هو السميع البصير. (واصبر لحكم ربك فإنك بأعيننا، وسبح بحمد ربك حين تقوم، ومن الليل فسبحه ،وإدبار النجوم).
الراجي عفو ربه

اترك تعليق