نعم أتغيَّر!

By : د. سلمان العودة

حين أنطلق من منصتي الأولى نحو التأثير على الآخرين سأكون تلميذاً يختبر معلوماته التي تلقَّنها في البيت، والحلقة، والمدرسة، والمحضن الحركي أو التربوي، وهي تحوي الكثير من الأساسيات الجوهرية التي لا أبغي عنها حِوَلاً!

تحوي الجذور الراسخة؛ التي تربط الشجرة بتربتها وترسِّخ انتماءها؛ كأركان الإيمان والإسلام، ومبادئ الأخلاق، وأصول الأحكام.

وضمنها الإجماعات المعتبرة الثابتة؛ التي تحمي سياج الشريعة المحكمة، وتوفر على السالكين عناء إنتاج البحث من جديد في مسائل لا حاجة تدعو إلى النظر فيها.

ومن وراء هذا القدر الثابت تقع دائرة الفروع التي جرى الخُلف فيها والتنازع حولها عبر القرون، ابتداءً من الصدر الأول وعهود السلف ثم الأئمة وأتباعهم.

وفي كل مجتمع تتوفر مقررات خاصة يتداولها الناس، ويأخذونها غالباً مأخذ التسليم.

وهذه تشمل خيارات فقهية من المذهب السائد وهو المذهب الحنبلي.

وخيارات أخص من الكتب المتداولة، وخاصة زاد المستقنع وشروحه، وهذه وتلك يتم فهمها وتطبيقها ضمن نظام البيئة المحلية؛ التي لا تنفك عن المؤثِّر البشري، وتختلف بين مجتمع وآخر.

وثمَّ نمط ثالث من الخيارات الفقهية التي تقبَّلها الناس كجزء من الثقافة الشرعية؛ لأنها اختيارات الإمام ابن تيمية وابن القيم، وعادة ما يختم الباحث تطوافه بين الأقوال بترجيح رأي الشيخين.

وهنا لا يتم التدقيق إن كان القول موافقاً للجمهور أو غريباً، ففي كل الأحوال هو دليل على عظمة هؤلاء الأئمة وعمق اختيارهم، وعند التأمُّل يظهر رجحان أقوالهم من مجموع الأدلة ولو خالف المشهور والسائد التاريخي!

وإذا تعزَّز هذا القول بترجيح الشيوخ الأجلاء؛ كابن باز، وابن عثيمين.. لم يكد يجرؤ أحد على خلافه علانية.

ومن هذا الباب سادت أقوال قَصْر الصلاة للمسافر وإن طال سفره؛ خلافاً لقول الأئمة الأربعة، ومثله الفطر في رمضان، ومسألة وقوع الطلاق الثلاث واحدة إذا كان بلفظ واحد، أو في مجلس واحد، وعدم طلاق الحائض، وعدم جريان الربا في الذهب المصنوع كحلي؛ خلافاً لمشهور الأئمة الأربعة.

ومن الطريف أن ابن تيمية -رحمه الله- سئل عن هذه المسالة في فترة مبكرة من حياته، فأفتى بالتحريم ووجوب رد السلعة إن كانت قائمة، وحكاه اتفاقاً لأهل العلم، ثم رجع عن ذلك وقرر الجواز بنَفَسٍ طويل فيما يقارب مائة وخمسين صفحة في كتابه (تفسير آيات أشكلت)، ونقض قوله الأول، ووافقه ابن القيم في (إعلام الموقعين عن رب العالمين)،

وفي رسالته عن الأسماء الشرعية عدل عن أقواله السابقة التي قررها في شرح العمدة، وبعض فتاويه، وكتبه المتقدمة في مسائل يطول سردها، بما يصح معه أن نقول إن ابن تيمية انتقل من منهج اتباع المذهب إلى منهج اتباع ما يعضده الدليل النقلي والعقلي حسب اجتهاده، واقتضى هذا أن يتجاوز أقواله السابقة دون حرج، ولم تكن تلك الأقوال القديمة التي هجرها مما قاله من قِبَل نفسه بل هي آراء فقهية قال بها أئمة، وربما اعتذر لهم ابن تيمية.

كما أن غالب أقواله الجديدة كانت نتيجة اطلاع على كتب ومذاهب وآراء خارج مألوف المدرسة التي تربَّى فيها، إذ من الواضح أنه انتقل إلى قراءة فقه الصحابة والتابعين والسلف، ودرس مدونات واسعة؛ كمصنف عبد الرزاق، وابن أبي شيبة، وسنن سعيد بن منصور، واعتنى بـ(المحلى) لابن حزم، ونقده في مسائل، واقتبس منه كثيراً في مسائل عظيمة.

ومن الواضح أن الفترة العمرية التي وصل إليها ذات تأثير، كما أن الاتصال بالناس، وتلمس حاجاتهم ومشكلاتهم، ومعرفة أوضاعهم الاجتماعية، وظروفهم الشخصية.. طبعت شخصية ابن تيمية بطابع أقرب إلى الواقعية، وإدراك مبدأ المصلحة الشرعية، ومبدأ العدل على ضوء متغيرات الأحوال ومستجداتها.

كان ابن تيمية أكثر موضوعية من ابن حزم، ولذا يغلب عليه عرض الأقوال وأدلتها والتخيُّر منها، وطالما رجَّح قولاً لأبي حنيفة في المعاملات، أو لمالك في الطهارات، أو للشافعي.. مع حفظ مقامات الأئمة وبيان مأخذهم في الاستدلال.

ابن حزم فقيه أصيل، ومجتهد جليل، لكنه شديد الحمل على خصومه، وقلَّما يعتذر لهم، وهو شديد التمسك بقوله ولو كان غريباً أو شاذاً.

ولا يُعرف لابن حزم أقوال تخالف ما قرره في (المحلى) بشكل حاسم، كما حدث لابن تيمية، ولكن لا أحد يَعُدّ هذه منقبة لابن حزم.

ولا مناص من الإشارة إلى أن أئمة كباراً من المدرسة ذاتها، بل من تلاميذ ابن تيمية وخاصته، لم يواصلوا معه المسير إلى النهاية، واستوحشوا من آرائه، ولم تعجبهم جرأته على انتحال الأقوال وترجيحها وإشاعتها، ومن أشهرهم الإمام ابن رجب الحنبلي المُحدِّث الأصولي الفقيه؛ الذي ثبت عنه رجوعه عن الإفتاء بأقوال ابن تيمية، كما ذكر الحافظ ابن حجر في (إنباء الغمر بأبناء العمر)،

وبسبب ذلك جفاه بعض تلاميذ ابن تيمية ومحبيه، وقد رجع ابن رجب إلى اعتماد المذهب، وصنَّف رسالة مطبوعة في تحريم الخروج عن المذاهب الأربعة، ورسالة أخرى في وقوع الطلاق بالثلاث؛ خلافاً لرأي ابن تيمية.

كما نسب بعضهم للذهبي رسالة في (بيان زغل العلم) شنَّع فيها على ابن تيمية ولامه، ويُشكك بعض الباحثين في صحتها، وإذا صحَّت فهي -والله أعلم- حالة عابرة وجد فيها الذهبي على الشيخ بسبب موقف أو وشاية أو أمر عارض؛ لأن الذهبي أثنى على الشيخ بعد ذلك، ورثاه بعد موته.

عشت البارحة ساعات متنقلاً بين مواقع تنتمي للشيخ ابن تيمية، وأخرى تنتمي لخصومه، ودار رأسي من أوار معارك تتجدد بعد مئات السنين، ولغة يغلب عليها التعصُّب والإقصاء وسوء الظن، وأدركت جيداً معنى أن الأخلاق تبين عند الاختلاف.

أحسست أن الهدوء ونشدان الحق والحياد هي مما يظن الكثيرون أنه ديدنهم، وأن خصومهم على الضد من ذلك، وهي قصة سهلة لمتعصب جاهل يرمي خصمه بالنقائص ، ويلتمس لنفسه المعاذير.

راقتني كلمة نقلها ابن رجب عن ابن تيمية أنه حين سجن في القلعة في آخر حياته ندم!

(ندمت على تضييع أوقاتي في غير معاني القرآن) ذيل طبقات الحنابلة (٢/٤٠٢).

هذه المرحلة الأخيرة في تجربته وحياته وهي خلاصة جهاد طويل، وأنا أتعمَّد أن أُسميها "تجربة"؛ لأنها كانت فعلاً بشرياً يستلهم الوحي، ويخلص في فهمه واتباعه، ويجدد أدواته وآراءه ومواقفه كلما عبر قسطاً من حياته؛ لأنه لم يعتقد لنفسه الكمال يوماً، ولا ظنَّ العصمة لرأيه، ولأنه لازال حيَّاً تتسع معارفه وتتراكم خبراته، ولأنه مخلص للحقيقة ينشدها ويتحراها ويقدمها على معتاده ومألوفه.

يُروى عن أرسطو أنه قال: "أستاذي أفلاطون عزيز عليَّ، ولكن الحق أعز"!

ويُروى عن الذهبي أنه قال: "شيخ الإسلام عزيز والحق أعز"!

ولعل هذا مما تلقَّاه الذهبي من مشكاة ابن تيمية؛ الذي كان لا يكفّ عن التعديل المستمر لنموذجه، حتى انتهى به المطاف إلى(الندم) على (ضياع) وقته في غير معاني القرآن.

تعديل طفيف يجريه ابن تيمية أو انتقال جزئي يُحدث فرقاً، وآخرون ينتقلون من طرف إلى طرف، أو يختفون في الزحام، ولا أحد يسأل عنهم!

أتغيَّر؛ لأني ابن هذا الطين وشجرته الأولى! أنمو لأن الطين تحتي وهو تربتي، وحين أغدو يوماً تحت التراب ويتوقف عني الماء سأقف عن التغيير وأكون مرتهناً بعملي.

أتغيَّر؛ لأن التجربة المنضجة لم تحدث دفعة واحدة، وما زالت تزيدني خبرة ومراساً، التجربة التي دفعت ثمنها من حياتي وزمني، وتلك الأخرى التي دفعت بعض ثمنها حين قرأت تجربة الآخرين.

أتغيَّر؛ لأن الأفق الذي أسعى إليه وأنشده لا يزال بعيداً عني الآن!

وكلما اقتربت منه أحسست أنه يهرب وينأى!

أتغيَّر وأنا ابن الأربعين عما كان عليه ابن العشرين .. وإلا فأين حصيلة السنين؟

وأين الفرق بين شرة الشباب وحكمة الشيوخ؟

أتغيَّر؛ لأنني تعلمت التسامح والعذر للآخرين، لكني لا أسامح نفسي في مراجعة آرائي وقناعاتي وعرضها على منطق الحق، وإجراء التعديلات عليها كلما لزم الأمر، فأنا هنا أمام حالة بشرية خاصة أساسها الإيمان بالله، ونتاجها خليط من المادة والروح والعقل ولقاء متمازج بين أساسٍ راسخ متين، ومحاولة ضعيفة مترددة معرضة للزلل.

أتغيَّر؛ لأنني لا أقدّس ذاتي ولا أجحد الأخطاء والمعايب والنقائص التي عليّ أن أطاردها حتى الموت، وفيها ما أعرفه جيداً وأستسلم له، وفيها ما يزين لي فأراه حسناً، ثم يمنحني ربي القدرة على كشفه وإقصائه!

أتغيَّر؛ ﻷنني غير مكتفٍ بما أنجزته.. وما زلت أطمع من ربي بالمزيد.

قد يمدحني محب بعمل، ويذمني مبغض به أو بغيره، وفي الحالين فهو لا يبلغ عندي مدح المادحين، ولا شنآن الكارهين..

أتغيَّر؛ لأنني أجد التغيير استجابة للفطرة حيث الكون كله يتغير

السماء تُغيِّر سحابها

والنهر يُغيِّر ماءه

والأرض تُغيِّر جلدها

والشجرة تجدد ورقها

والشمس كل يوم لها أفق

أتغيَّر؛ لأن التغير عندي هو الفرق بين الصورة الفوتوغرافية الجامدة التي تحكي تاريخاً فحسب، وبين صورة الفيديو المتحركة المتجددة الحية!

أقرأ مشهداً قديماً تمّ التقاطه قبل ثلاثين سنة فأجد تجاعيد الأيام والسنين على ذلك الوجه الغض، وأشاهد مقطعاً تمّ التقاطه الآن فأرى المواكبة والحيوية والحركة والانتماء للحظة تختفي تحتها آثار الزمن!

أتغيَّر؛ لأنني أسهم في تغيير الآخرين والتأثير عليهم، وهم يُغيِّرونني ويؤثرون فيَّ، أتعلَّم منهم وأُعلِّمهم، لم أعتقد يوماً أن مهمتي ذات اتجاه واحد، ولا أن رسالتي تعليم ينزل من أعلى لمن هم أدنى، نحن سواسية.. لا أحد أقل من أن يفيد ولا أحد أكبر من أن يستفيد.

سأتوقف عن التغيير عندما أصل إلى الكمال! وهيهات..

اللهم إلا كمال واهم متكبر مغرور بعلم أو بدين أو بدنيا يرى ألا مزيد على ما لديه، ويغفل حينها عن طلب المزيد (لِيَزْدَادُوا إِيمَاناً مَعَ إِيمَانِهِمْ )(الفتح: من الآية4)، (وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْماً)(طـه: من الآية114).

أتغيَّر؛ لأنني أُمثِّل نفسي فحسب، لا أُمثِّل المنهج ولا الشريعة ولا الأتباع، والتزامي بمرجعية عليا يلزمني باستعداد أفضل للتغيير وتحقيق السمو..

أتغيَّر؛ لأنني لا أتعصَّب ولا أُقلد نفسي، فأنا لم أبدأ كاملاً وسأظل ناقصاً، وربما جزمت بصوابية موقف ثم كبرت وأدركت خطئي واستجمعت شجاعتي للتصحيح.

أتغيَّر؛ لأنني عبد للأحد العظيم الذي قدَّر التغير وأقسمَ بالشفق.. والليل وما وسق.. والقمر إذا اتسق.. لتركبن طبقاً عن طبق، أي: حالاً بعد حال! واختص ذاته العليَّة بالكمال الذي لا يطرأ عليه نقص ولا يعتريه تغيير.

(يَسْأَلُهُ مَنْ فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ) (الرحمن:29).

أتغيَّر؛ لأنني تابع لذلك النبي الذي يحلف على يمين ثم يرى غيرها خيراً منها فيُكفِّر عن يمينه ويأتي الذي هو خير!

أتغير لأني أجد القِبلة تغيَّرت من القدس لمكة، والدار تغيَّرت، والعلاقة تغيَّرت، والأحكام (عَسَى اللَّهُ أَنْ يَجْعَلَ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَ الَّذِينَ عَادَيْتُمْ مِنْهُمْ مَوَدَّةً)(الممتحنة: من الآية7)، (مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا)(البقرة: من الآية106).

- مكة غير المدينة

عصر النبوة غير عصر الخلفاء الراشدين، شافعي مصر غير شافعي العراق، والأمر في الشريعة قبل النهي، والترغيب قبل الترهيب والرحمة قبل الشدة، والوعد قبل الوعيد.

أتغيَّر؛ لأن التغيُّر هو البشرية التي تقرر لأفرادها الحدوث والضعف والتنقل (اللَّهُ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ ضَعْفٍ ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ ضَعْفٍ قُوَّةً ثُمَّ جَعَلَ مِنْ بَعْدِ قُوَّةٍ ضَعْفاً وَشَيْبَةً)(الروم: من الآية54).

أتغيَّر؛ لأن الاجتهاد من أهم الثوابت وهو مصدر المتغيرات في التراث الفقهي العريق وفي مستجدات الأقضية لدى الفقهاء العظام.

إذا كان ما حولك يتغير وأنت جامد جمود (أبو الهول) فسوف تفيق يوماً وأنت وحيد مفرد.

أتغيَّر؛ لأنني بحاجة إلى هداية متجددة في كل وقت حسب التحوّلات والأمور الطارئة، ولذا أظل مبتهلاً في قيامي بين يديه طالباً الهداية إلى صراطه المستقيم.

أتغيَّر؛ فالتغيير هو التعلُّم الذي يساعد على مواكبة الجديد والتكيُّف مع المفيد، واقتباس النافع وتجاوز الضار.

أتغيَّر؛ لأن التغيير هو الانتقال من التبعيَّة والتقليد إلى الاستقلال والاجتهاد، ولو في مسائل أو مواقف جزئية، فلقد اعتدت أن أتفحَّص آرائي الشخصية وأراجعها غير قلق من خصوم.. أو أتباع.. فسيظل هؤلاء وهؤلاء مرافقين لي كظلي، وسأظل احتفظ منهم بعدد كافٍ.. قد يفوق احتياجي!

أتغيَّر؛ لأنني أرغب أن أراقب نفسي أكثر من أن أراقب الآخرين، وأتعرَّف على عيوبي قبل أن ألحظ عيوبهم، وأحاسب نفسي قبل أن أحاسبهم.

تجارب الحياة بخيرها وشرها وحلوها ومرها..

نقلتني من الضيق إلى السّعة، ومن الانكفاء إلى الحياة.

نقلتني لرؤية الوجوه الناصعة، حيث وجدت أن الكفوف الممدودة لها حق المصافحة.

الدين الرباني هو الأصل الثابت، وممارستي وآرائي هي الفرع الظاهر في السماء.. تُحرِّكه الريح يميناً وشمالاً ولكنها لا تقطع صلته بذلك الأصل الأصيل والركن الركين، فالرأي البشري متجدد، والذي كان يقول: « يَا مُقَلِّبَ الْقُلُوبِ ثَبِّتْ قَلْبِى عَلَى دِينِكَ »، كان يدعو « اهْدِنِى لِمَا اخْتُلِفَ فِيهِ مِنَ الْحَقِّ بِإِذْنِكَ ».

كلما لحقني عثار الطريق سارعت إلى التدارك والاستغفار؛ مستعيناً بالله مردداً (حَسْبِيَ اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ)، (لاَ حَوْلَ وَلاَ قُوَّةَ إِلاَّ بِاللَّهِ).

أعتز بأن أعظم ثوابتي ومقدساتي إيماني العظيم الراسخ بالله اللطيف الخبير الحفيظ، وأنني أستمد من ذكره قوتي، ومن شكره طاقتي، ومن تسبيحه عزائي، وأنني ألقى همومي بين يديه وأناجيه وقد استقر في أعماق قلبي الإحساس بأنه يسمعني ويراني، ويعلم سري وجهري وقصدي وخطئي وعمدي، وأن أعظم الزلفى إليه أن أتعاهد موضع نظره.. فلا أسمح لخاطرة سوء أو غش أو حقد أن تستقر في قلبي، وأن أتعاهد لساني المعبر عن مكنون ضميري فلا أسمح له أن يطيح بمسلم، أو يهدم بناءً بناه الرب تعالى، أو يشمت أو يقول ما لا يرضي..

أتغيَّر؛ وأنا أعلم أن الله يحول بين المرء وبين قلبه، وأن إليه المآب والمصير، وعليه التكلان وإليه المشتكى، وهو المستعان، ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.


اترك تعليق