أوجعتني دموعك

By : الشيخ رمزي سعيد

إن فقدان الأب في الصغر من أصعب الأمور وأشقها على نفس الإنسان، فالأب هو المعيل والمربي والصديق والملجأ ومنبع الحنان كله، لهذا فقد أوجبت الإنسانية والأديان السماوية احترام الأيتام والعطف عليهم، ومراعاتهم إلى أن يكبروا ويصبحوا قادرين على الاعتماد على أنفسهم، فالصغير يكون بحاجة ماسة إلى العون والدعم النفسي قبل المادي كي يكمل حياته بشكل طبيعي، ومما يضع البلسم على جراح الأيتام في المجتمع المسلم، أن نبينا -عليه الصلاة والسلام- أراده ربه أن ينشأ يتيما غير أنه حاز الكمال في التربية برعاية ربه له، والذي خاطبه في معرض المن والتذكير بالنعمة "ألم يجدك يتيما فآوى"، فالأيادي الندية التي تنفق من عطاء الله -تعالى- كالمياه العذبة تنساب على الأرض العطشى لتعود الحياة إليها وتزهر وردا لتغدو طاقة وسعادة بعطاءات مباركة على بيوت اغتمت بدموع حارقة لفقدان الراعي والمعيل لتحول نفوس ساكنيها إلى طمأنينة.

بوركت تلك الأيادي البيضاء التي امتدت إليها وأنارت ظلمتها وزرعت فيها ابتسامة يشرق منها نهار يمتلئ بالأمل لجني ثمار فردوس ربنا الدائمة ومرافقة نبينا الكريم -صلى الله عليه وسلم- فيها، فالمسلم الحق كريم مهما كان فقيرا ومهما كان عطاؤه قليلا، يأمره الإسلام أن تنبجس في نفسه عاطفة الرحمة بمن هو أفقر منه ويحس ما يعانيه غيره من ألم وحرمان، ومن أجل ذلك جاءت النصوص تحض المسلمين على الإنفاق من طيب ما يملكون كل منهم حسب استطاعته، لتبقى نفوسهم ممتلئة بنداوة المشاركة الوجدانية لإخوانهم، ووعد الله هؤلاء المنفقين على عطائهم باستثمار صداقتهم وتنميتها حتى تصبح كالطود الشامخ. يقول رسول الله- صلى الله عليه وسلم-:(من تصدق بعدل تمرة من كسب طيب ولا يقبل الله إلا الطيب فإن الله يقبلها بيمينه ثم يربيها لصاحبها كما يربي أحدكم فلوه حتى تكون مثل الجبل) متفق عليه، ولكيلا تنغلق النفوس وتحتجب عن المشاركة الوجدانية في المجتمع ولكيلا تجف ينابيع الخير والرحمة والتعاطف فيها دعاها الرسول الكريم إلى الإنفاق اليسير وحذرها من السلبية والانغلاق والإمساك لأن في ذلك مهلكة وبوار وعذاب فقال:(اتقوا النار ولو بشق تمرة) رواه البخاري، فلقد وسع الإسلام دائرة الخير ليلجها كل مسلم ففتح له أبواب هذه المشاركة فجعل كل عمل نافع يقوم به صدقة له يثاب عليها كما يثاب الغني على إنفاقه فكل معروف صدقة، وبذلك ضمن مشاركة جميع الأفراد في بناء المجتمع وخدمته وتحسينه، وأدخل على قلوب أبنائه جميعا الراحة والسرور، والابتهاج بهذه المشاركة التي ترد للإنسان اعتباره وتحفظ كرامته وتحقق مثوبته فكفالة اليتيم من الأمور التي حث عليها الشرع الحنيف، وجعلها من الأدوية التي تعالج أمراض النفس البشرية وبها يتضح المجتمع في صورته الأخوية التي ارتضاها له الإسلام، وكفالة اليتيم ليست في كفالته ماديا فحسب بل الكفالة تعني القيام بشؤون اليتيم من التربية والتعليم والتوجيه والنصح، والقيام بما يحتاجه من حاجات المأكل والمشرب والملبس والعلاج، فعن سهل بن سعد -رضي الله عنه- قال: قال رسول الله -صلى الله عليه وسلم-:( أنا وكافل اليتيم في الجنة هكذا وأشار بالسبابة والوسطى وفرج بينهما) رواه البخاري، فكانت عناية الإسلام باليتامى غير مقتصرة على الحث على الكفالة والرعاية، بل كذلك في إشعارهم بالحنان والمحبة، وإدخال الأنس في قلوبهم الذي كانوا يألفونه من آبائهم، حتى لا يشعروا بفقد الأب الحاني لوجود من يعوضهم عن حنوه وعطفه وبره، هذه هي طرق البر التي يسلكها المنفق الجواد يبتغي بها مرضاة ربه ومثوبته ومنها كفالة اليتيم والإحسان إليه محتسبا ما ينفقه في هذا السبيل عند الله الذي أعد لكافل اليتيم مقاما عليا بمنحه شرف جوار الرسول الكريم في الجنة .


اترك تعليق