أخلاق المسلم في التجارة

By : الشيخ عبدالعزيز رجب

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه ومن والاه، وبعد.

التجارة في الإسلام لا تحكمها القوانين والقواعد الأصولية والفقهية والوضعية وفقط، وإنما تحكمها كذلك الضوابط والقيم الأخلاقية والتي ينبغي علينا التحلي بها في بيعنا وشرائنا وتعاملاتنا كلها، فالبيع والشراء نوع من التعاون، ولا بد أن يكون على البر والتقوى كما قال سبحانه: }وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ{ [المائدة:2]

وقد وضع الإسلام للتجارة ضوابط أخلاقية، وسلوكيات اجتماعية، وآداباً إنسانية ينبغي التمسك بها والحفاظ عليها، بها ينصلح حال البلاد والعباد، ومن هذه القيم الأخلاقية:

حسن النية، فالنية إذا كانت حسنة، يسر الله لك وبارك في بيعك، وإذا كانت سيئة، ضاعت تجارتك، ولو كنت أذكى الناس، فعن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ أَخَذَ أَمْوَالَ النَّاسِ يُرِيدُ أَدَاءَهَا أَدَّى الله عَنْهُ، وَمَنْ أَخَذَهَا يُرِيدُ إِتْلاَفَهَا أَتْلَفَهُ الله». أخرجه: البخاري وأحمد وهو صحيح.

ويقول أبو حامد الغزالي: "حسن النية والعقيدة في ابتداء التجارة، فلينوِ بها الاستعفافَ عن السؤال، وكفَّ الطمع عن الناس، استغناءً بالحلال عنهم، واستعانةً بما يكسبه على الدين، وقياماً بكفاية العيال، ليكون من جملة المجاهدين به" (إحياء علوم الدين: 2/84)

ومنها دعاء دخول السوق، كما جاء عن عمر بن الخطاب –رضي الله عنه-، عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ قَالَ حِينَ يَدْخُلُ السُّوقَ: لاَ إِلَهَ إِلاَّ اللهُ، وَحْدَهُ لاَ شَرِيكَ لَهُ، لَهُ الْمُلْكُ وَلَهُ الْحَمْدُ، يُحْيِي وَيُمِيتُ، وَهُوَ حَيٌّ لاَ يَمُوتُ، بِيَدِهِ الْخَيْرُ كُلُّهُ، وَهُوَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ، كَتَبَ اللهُ لَهُ أَلْفَ أَلْفِ حَسَنَةٍ، وَمَحَا عَنْهُ أَلْفَ أَلْفِ سَيِّئَةٍ، وَبَنَى لَهُ بَيْتًا فِي الْجَنَّةِ».أخرجه: ابن ماجة والحاكم والترمذي بسند صحيح.

ثم التحلي بالأخلاق الحميدة كلها في التجارة كالصدق، كما روي عن أبي سعيد الخدري –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «التَّاجِرُ الصَّدُوقُ الأَمِينُ مع النَّبيِّينَ والصِّدِّيقِينَ والشُّهداءِ». أخرجه: الحاكم والترمذي بسند حسن.

وعَن حكيم بن حزام –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «البَيِّعانِ بالخِيارِ مَا لَمْ يَتَفَرَّقا فَإِن صَدَقا وَبَيَّنا بُورِكَ لَهُما فِي بَيْعِهِما وإنْ كَتَما وَكَذَبا مُحِقَتْ بَرَكَةُ بيعهما". متفق عليه.

وعَن رِفَاعَة -رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارِ! إِنَّ التُّجَّارَ يُبْعَثُونَ يَوْمَ الْقِيَامَةِ فُجَّاراً إِلاَّ مَنِ اتَّقَى الله وَبَرَّ وَصَدَقَ». أخرجه: ابن حبان والترمذي، وقال حديث حسن صحيح.

والسماحة في البيع والشراء، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «رحم الله عبدًا سمحا إذا باع سمحا إذا اشترى سمحا إذا قضى سمحا إذا اقتضى». أخرجه: البخاري والبيهقي بسند صحيح

وإنظار المعسر كما قال الله تعالى: }وَإِنْ كَانَ ذُو عُسْرَةٍ فَنَظِرَةٌ إِلَى مَيْسَرَةٍ وَأَنْ تَصَدَّقُوا خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنتُمْ تَعْلَمُونَ{ [البقرة:280[

وقد روي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنْ نَفَّسَ عَنْ مُؤْمِنٍ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ الدُّنْيَا نَفَّسَ الله عَنْهُ كُرْبَةً مِنْ كُرَبِ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَمَنْ يَسَّرَ عَلَى مُعْسِرٍ يسَّرَ الله عَلَيْهِ فِي الدُّنْيَا وَالآخِرَةِ». أخرجه: مسلم والترمذي بسند صحيح

وعن حذيفة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «تَلَقَّتِ الْمَلاَئِكَةُ رُوحَ رَجُلٍ مِمَّنْ كَانَ قَبْلَكُمْ. فَقَالُوا: أعَمِلْتَ مِنَ الْخَيْرِ شَيْئًا؟ قَالَ: لاَ. قَالُوا: تَذَكَّرْ. قَالَ: كُنْتُ أُدَايِنُ النَّاسَ، فَآمُرُ فِتْيَانِي أَنْ يُنْظِرُوا الْمُعْسِرَ، وَيتَجَوَّزُوا عَنِ الْمُوسِرِ. قَالَ: قَالَ اللَّهُ عَزَّ وَجَلَّ: تَجَوَّزُوا عنه". متفق عليه.

وإقالة النادم على بيعته، كما روي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «منْ أقالَ نَادِمًا بَيعَتهُ، أَقَاله اللَّهُ عثرته يومَ القيامة". أخرجه: أبو داود والبيهقي بسند صحيح.

ومنها الوفاء بالوعد، كما قال تعالى: }يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ{ [المائدة:1]

وقد ذم بعض المنافقين الذين لم يفوا بوعودهم كما في قوله تعالى:} وَمِنْهُمْ مَنْ عَاهَدَ اللَّهَ لَئِنْ ءَاتَانَا مِنْ فَضْلِهِ لَنَصَّدَّقَنَّ وَلَنَكُونَنَّ مِنَ الصَّالِحِينَ *فَلَمَّا ءَاتَاهُمْ مِنْ فَضْلِهِ بَخِلُوا بِهِ وَتَوَلَّوْا وَهُمْ مُعْرِضُونَ* فَأَعْقَبَهُمْ نِفَاقًا فِي قُلُوبِهِمْ إِلَى يَوْمِ يَلْقَوْنَهُ بِمَا أَخْلَفُوا اللَّهَ مَا وَعَدُوهُ وَبِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ{ [ التوبة75:77].

ومن الأخلاق والآداب الإسلامية في التجارة، البعد عن كل الأخلاق الذميمة التي نهى عنها الإسلام الحنيف،

فيبتعد عن الحرام وخاصة الربا، فعن جابر بن عبد الله -رضي الله عنهما- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «لعن الله آكل الربا ومؤكله وشاهديه وكاتبه هم فيه سواء». أخرجه: مسلم والترمذي بسند حسن صحيح.

ويبتعد عن الغش في البيع بكل صوره، كما قال تعالى:} وَأَقِيمُوا الْوَزْنَ بِالْقِسْطِ وَلَا تُخْسِرُوا الْمِيزَانَ{ [الرحمن:9]، وقال:} وَيْلٌ لِلْمُطَفِّفِينَ الَّذِينَ إِذَا اكْتَالُوا عَلَى النَّاسِ يَسْتَوْفُونَ وَإِذَا كَالُوهُمْ أَوْ وَزَنُوهُمْ يُخْسِرُونَ أَلَا يَظُنُّ أُولَئِكَ أَنَّهُمْ مَبْعُوثُونَ لِيَوْمٍ عَظِيمٍ يَوْمَ يَقُومُ النَّاسُ لِرَبِّ الْعَالَمِينَ{ [المطففين 1-6].

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَن غشَّنا فليس منَّا». أخرجه: مسلم، وابن ماجه، والبخاري في الأدب المفرد بسند صحيح.

ومن صور الغش: بيع المواد الفاسدة والمنتهية الصلاحية، والتلاعب في الأوزان، وتسويق بضاعة رديئة على أنها بضاعة جيدة، وبيع المواد الضارة بالصحة، ووصف مكونات المواد المصنعة بأوصاف غير حقيقية...

ومن الغش أيضا شراء الأشياء المسروقة، فقد روي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- أن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ اشْتَرَى سَرِقَةً وَهُوَ يَعْلَمُ أَنَّهَا سَرِقَةٌ فَقَدْ شَرِكَ فِي عَارِهَا وَإِثْمِهَا». أخرجه: الحاكم والبيهقي، وسنده مختلف فيه.

ويبتعد عن كثرة الحلف، كما قال تعالى }إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا{[آل عمران: 77]

وعن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «الْحَلِفُ مُنَفِّقَةٌ لِلسِّلْعَةِ، مُمْحِقَةٌ لِلْبَرَكَةِ». متفق عليه.

ويبتعد عن احتكار السلع، كما روي عن أبي هريرة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ احْتَكَرَ حُكْرَةً يُرِيدُ أَنْ يُغْلِيَ بِهَا على المسلمين فهو خاطئ، وَقَدْ بَرِئَتْ مِنْهُ ذِمَّةُ الله وَرَسُولِهِ». أخرجه: أحمد والحاكم

وعن عمر –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «مَنِ احْتَكَرَ عَلَى المُسْلِمِينَ طَعَامَهُمْ ضَرَبَهُ الله بالجذام والإفلاس». أخرجه: أحمد وابن ماجه حسن.

ثم تعظيم شعائر الله، وخاصة الصلاة وقت البيع، فاترك تجارتك وعملك، واهرع إلى الصلاة، لأن هذا الوقت ملك لله، كما أن المال مال الله، قال تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ}(الجمعة: 9).

وأخيرا: تطهير التجارة بالصدقة مما حدث فيها من لغو ونحوه، كما روي عن قيس بن أبي غرزة –رضي الله عنه- عن النبي -صلى الله عليه وسلم- قال: «يَا مَعْشَرَ التُّجَّارَ! إِنَّ الشَّيْطَانَ وَالإِثْمَ يَحْضُرَانِ الْبَيْعَ فَشُوبُوا بَيْعَكُمْ بِالصَّدَقَةِ».أخرجه: الطبراني والترمذي، وقال حسن صحيح.

والحمد لله رب العالمين


اترك تعليق