قراءة في الحالة الحوارية بين الوعي والسعي

By : د. فتحي أبو الورد

أستمتع بمتابعة تعليقات المشاركين ومحاوراتهم ومناقشاتهم لبعض ما يكتبه ويطرحه بعض الكتاب والساسة والمفكرين من موضوعات وقضايا وأفكار على مواقع الإنترنت وصفحات التواصل الاجتماعي، التي مثلت وسيلة سهلة ميسورة لمتابعة الأحداث، وتبادل الأفكار والخبرات، والتي هيأت لكثير من مستخدميها منبرا رائدا للتعبير عن الرأي، أظهر مواهب وقدرات محجوبة، وأبرز كفاءات كانت مستترة حجبها الإعلام الرسمي الذي كان محصورا في الإذاعة الرسمية والجريدة الرسمية والتلفاز الرسمي، والذي كان مقصورا في مجمله على طائفة بعينها من أهل الولاء والانصياع للأنظمة المستبدة، الذين يسبحون بحمد المستبد بكرة وعشيا، ويطوفون حول ذاته بالغدو والآصال.
أقف مع هذه المتابعات والمداخلات والتدوينات لأتبين اتجاهات الرأي العام تجاه القضايا المطروحة، وأحاول أن أستبين من خلالها عمق التعليقات أو سطحيتها، وقربها أو بعدها من القضية المعروضة، مما يعكس حالة الوعي لدى جمهور المشاركين، الذين تختلف توجهاتهم وأفكارهم وانتماءاتهم، وشهاداتهم التعليمية، وثقافاتهم العامة، وبيئاتهم الاجتماعية التي نشأوا فيها من حيث البدو والحضر، والريف والمدينة.
ومما يسعدني كثيرا أنني أجد – في الجملة - تنوعا، وابتكارا، وتجديدا، ونضجا، في ظل حرية تامة، يظهر ذلك في الطرح والمناقشة وطريقة تناول القضية، وأسلوب الاعتراض والتحاور، مما يثري الموضوع محل النقاش وينضجه، ويعكس الواقع بحيادية كبيرة، ويعبر عن اتجاهات الرأي بشفافية بالغة.
وأشد ما يسعدني أن الاتجاه السائد والغالب هو التعقل ضد التهور، والانحياز لقيم العدل
والحرية ضد الظلم والعبودية، والمعالي دون السفاسف، والفهم لا الانسياق وراء
كل ناعق، والتسليم المبصر لا الانقياد الأعمى، والحرص على الوحدة في مقابل الفرقة، والاهتمام بالمجتمع وآلامه بعيدا عن التمحور حول الذات.
هذا الوعي هو بداية حركة التحولات الكبرى في المجتمعات والأمم، وهذا التغيير الذي طرأ على الأجيال المعاصرة، المتمثل في طريقة تفكيره الإيجابية، والجدية في تناول القضايا المطروحة، وحمل هموم المجتمعات، ثم السعي والمبادرة بطرح رؤى وحلول لبعض المشكلات التي يعيشونها وفق ما يتصورون، والإيجابية الدافعة إلى تنفيذ الحلول بأنفسهم، أو من خلال من يستطيع أن ينفذها، أقول: هذا الوعي المقترن بالسعي هو بداية التغيير المنشود في مجتمعاتنا.
وهذا التغيير الملموس الحاصل بين الوعي والسعي، هو انعكاس للتغيير الحاصل داخل النفوس، والذي دعاها إلى توظيف الطاقة والجهد والقدرات لخدمة قضايا المجتمع، ومعايشة آلام الناس وأوجاعهم، والتفكير في هموم الأمة وقضاياها، بدلا من التقوقع داخل النفس، والدوران حول الذات.
ويعد هذا ترجمة صادقة واستجابة عملية لنداء السماء في قوله تعالى " إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم ".


اترك تعليق