بين يدي سيرة المصطفى صلى الله عليه وسلم

By : د. محمد عمارة

كلما رأيت كتابا جديدا في سيرة المصطفى خاتم الأنبياء والمرسلين، صاحب الخلق العظيم؛ محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم، تواردت على خواطري العديد من الأفكار.. منها -على سبيل المثال-:

 

أن سير العظماء وتواريخ القادة وأخبار المصلحين والعلماء والمفكرين والفلاسفة عبر كل الحضارات وعلى مر التاريخ تُكتب -هذه السير- وتختم، ولا يعود فيها مجال للمزيد أو الجديد.

 

لكن سيرة رسول الله صلى الله عليه وسلم، قد كانت ولا تزال وستظل ميدانا مفتوحا للتأليف والإبداع الذي يكتشف في هذه السيرة العطرة المزيد والجديد.. حتى لكأنها نبع متجدد وكتاب مفتوح يكتشف فيه العقل المبدع ما لم يكتشفه الأسلاف.. وذلك بقدر ما يتحلى هذا العقل بالوعي والإخلاص والحب والولاء.

 

حدث ذلك على مرّ تاريخ الإسلام، في الإطار الإسلامي، ومن قِبل نفر من غير المسلمين. فرغم الكم الهائل من الكتب والمجلدات التي كتبت في هذه السيرة العطرة، كانت ولا تزال معطاءة للمزيد من الجديد.

 

إذن، فنحن أمام فرادة و تميز وامتياز، اختصت بها سيرة الرسول صلى الله عليه وسلم، وهي فرادة تحتاج إلى تفسير وتعليل.

 

كذلك، وجدنا ونجد في كل تواريخ العظماء والقادة والعباقرة والمصلحين تناقصَ أتباعهم ومريديهم وعشاقهم ومحبيهم مع توالي السنين والقرون، بمن في ذلك الرواد الذين تكونت من حول دعواتهم ومبادئهم وسيرهم ديانات وضعية. فأتباع "ماني" (215-276م) وأتباع "زرادشت" (583 583ق.م ق.م) يقتربون الآن من الزوال. وأتباع "بوذا" (566-486 ق.م) 566 - 486 ق.م هم الآن أقل بكثير جدّاً مما كانوا عليه في سالف الأزمان.

 

بل إن هذا القانون قد سرى حتى على أتباع الرسل الذين سبقوا رسولنا صلى الله عليه وسلم، على درب النبوات والرسالات. فأتباع موسى عليه السلام -من اليهود- لا يتجاوزون خمسة عشر مليونا، أبعدت العلمانية أغلبهم عن الروح الديني الذي جاء به كليم الله، ولم يبق لهم من اليهودية إلا العصبية والعنصرية التي لا علاقة لها بما جاء به موسى عليه السلام.

 

وكذلك الحال مع أتباع المسيح عيسى بن مريم عليه السلام. فالشرق الذي ظل قلب العالم المسيحي لعدة قرون، قد غدا منذ قرون طويلة قلب العالم الإسلامي. وأوربا التي غدت لقرون عديدة قلب العالم المسيحي، لا يؤمن فيها اليوم بوجود إله سوى أربعة عشر بالمائة من السكان، ولا يذهب إلى كنائسها التي خانت كثير منها نصرانيتها سوى عشر بالمائة من الأوروبيين.

 

أما الإسلام؛ وأحباب وأتباع رسول الله صلى الله عليه وسلم، الذين يحبونه حتى يحبهم الله ﴿قُلْ إنْ كُنْتُمْ تُحِبُّونَ الله فَاتَّبِعُونِي يُحبِبْكُمُ الله وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَالله غَفُورٌ رَحِيمٌ﴾(آل عمران:31)، والذين يطيعون الرسول كي تتحقق طاعتهم للّٰه سبحانه وتعالى ﴿مَنْ يُطِعِ الرَّسُولَ فَقَدْ أَطَاعَ الله﴾ (النساء:80)، فإنهم الاستثناء الوحيد -عبر التاريخ والديانات- من هذه الظاهرة التي مثلت قانوناً لا يتخلف إلا في عالم نبينا ورسولنا عليه الصلاة والسلام. فأتباعه وعشاقه ومريدوه الذين يتخذونه الأسوة الحسنة والمثال المتسامي هم وحدهم الذين يتزايدون ويتكاثرون، وتباهي بهم الدنيا، كما سيباهي بهم رسولنا يوم القيامة، إن شاء الله!.. وتلك هي الأخرى، ظاهرة فريدة، تحتاج إلى تفسير وتعليل.

 

وعبر تاريخ دعوات الإصلاح، ومشاريع النهوض، وفلسفات التقدم، والمبادئ التي تركت بصماتها في مسيرة التحرير والتغيير للأمم والشعوب، كان وهج هذه الدعوات والفلسفات والمبادئ يقلّ شيئاً فشيئاً، كلما تغير الواقع المعيش، وتبدلت العادات والتقاليد والأعراف.. بل لقد أصاب هذا التراجع حتى الكتب السماوية التي جاءت بها النبوات السابقة، عندما استُحفظ عليها الناس فلم يحفظوها، فنسوا حظّا مما ذكروا به، وبدلوا الكلم من بعد مواضعه، وكتبوا بأيديهم ما كذبوا، فقالوا هو من عند الله!..

 

وهنا -أيضا- نجد أن دعوة رسولنا صلى الله عليه وسلم، بدءً من الوحي المعصوم والمحفوظ حفظاً إلهيّاً إلى السنة المطهرة التي مثلت البيان النبوى للبلاغ القرآني.. نجد هذه الدعوة استثناء فريدا من هذا القانون الذي سرى على سائر الدعوات والفلسفات والمبادئ والنظريات والكتب.

 

فهذه الدعوة -في وحيها الإلهي- كتاب مفتوح لا تنقضي عجائبه، فيه نبأ الأولين وخبر الآخرين. والكليات والإشارات والجوامع التي تتكشف وتتجلى -بمرور الأزمان وارتقاء العقول وتقدم العلوم- آياتٍ ومعارفَ وسنناً كونية واجتماعية مبثوثةً فى الأنفس والآفاق، حتى لكأنها المعجزات المتواليات تترى من هذا الإعجاز الإلهي والنبوي الذي جاء به المصطفى عليه الصلاة والسلام.. تُديم التحدي للجاحدين، وتضاعف الطمأنينة لقلوب المؤمنين. وهذا التوهج المتزايد والمتعاظم -هو الآخر- ظاهرة فريدة تحتاج إلى تفسير وتعليل.

 

فما هو تفسير هذه الظاهرة الفريدة التي تميزت وامتازت بها سيرة الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم، ودعوته على سائر السير والدعوات؟

 

إن الإجابة المفصَّلة على هذا السؤال تحتاج -ولا شك- إلى مجال أوسع بكثير من هذا الحيز الحاكم الذي نحن فيه. لكننا نستطيع -في هذا المقام- أن نوجز إشارات إلى عدد من المعالم التي تمثل رؤوس أقلام للإجابة على هذا السؤال، وذلك من مثل:

 

أن سير العظماء والقادة والمصلحين تكتب وتختم وتكتمل فصولها وتتم وقائعها، لأنها سير بشر، يعيشون في نطاق عالم الشهادة لا يتعدونه، ذلك العالم الذي تدرك العقولُ الإنسانية كنه حقائقه، ومآلات دعوات الإصلاح البشرية والفلسفات العقلية التي أبدعها وطبقها هؤلاء القادة والعظماء؛ بينما سيرة رسولنا صلى الله عليه وسلم -وهو بشر حرص القرآن الكريم على التأكيد على بشريته -هي سيرة "بشر- يوحى إليه".

 

ففي سيرته ودعوته وسنته وشمائله ارتبطت البشرية بالنبوة، والعادة بالإعجاز الخارق للعادة، والاجتهاد بالعصمة، والأرض بالسماء، والنسبي بالمطلق، والعلم الجزئي بالعلم المحيط، وعالم الشهادة بعالم الغيب، والزمني بالخلود، فغدتْ سيرةُ البشرِ الرسول -هنا- حاملة من المطلق الخالد ما يجعلها دائمة العطاء، ومستعصية على الختم والانتهاء وطي الصفحات وجفاف الأقلام.

 

كذلك، تميزت سيرة رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم، حتى على سير الخالين من الرسل والأنبياء، عليهم جميعاً صلوات الله وتسليماته، بأنها سيرة النبوة الخاتمة والرسالة الخالدة، فاستمر عطاؤها، ومن ثم ظل كتابها مفتوحا دائما وأبداً لاكتشاف السنن والقوانين والدروس والعبر والعظات؛ بينما كانت رسالات الخالين من الرسل، وكذلك معجزاتهم، خاصة بقوم بعينهم، وزمن بعينه، وحجة على من شهد تلك المعجزات المادية التي أدهشت العقول.

 

على حين كانت معجزة القرآن الكريم مستنفرة للعقل دائما وأبدًا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها.. وكانت السنة النبوية المطهرة بيانا نبويا لهذا الإعجاز القرآني الخالد، الأمر الذي جعلها -مع السيرة النبوية- كتابا مفتوحا على ألوان لا تحصر من الإعجاز العلمي والقيمي والإصلاحي، الصانع للإنسان السوي وللمجتمع السوي، عبر الزمان والمكان، إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها. إنها سيرة الرسول الخاتم، صاحب الشريعة الخالدة.. إمام أولي العزم من الرسل.. والمتفرد بالرسالة العالمية.. وبإقامة الدولة وصنع الحضارة، مع تبليغ الدعوة الدينية.

 

فدينه قد تفرد بتأسيس الدولة، وتوحيد الأمة، وتنظيم الاجتماع، والتحريض على بناء الحضارة. ودولته قد غدت الحارس للدين، الذي تسوس به اجتماعها المدني.. كما ضمن خلودُ هذا الدين لحضارته خلوداً تفردت به عن سائر الحضارات.

 

ولهذا الكمال والاكتمال الجامع -في الدعوة الإسلامية- بين الدين والدنيا والأرض والسماء والاجتهاد والعصمة، والدين والدولة، والدنيا والآخرة، والفرد والأمة، والتكاليف الفردية والاجتماعية، والعلوم الشرعية والمدنية، والعقل والنقل والتجربة والوجدان، والتصديق لما سبق من الكتب والرسالات مع الهيمنة والتصحيح والإكمال لهذا الذي سبق من الكتب والرسالات... لهذا الكمال والاكتمال في الدعوة الإسلامية، فلقد تميزت سيرة رسول هذه الدعوة، عليه الصلاة والسلام، التي هي سيرة "البشر - الرسول"، بأنها سيرة الإنسان الكامل، بكل ما في هذا الكمال والاكتمال الإنساني من أبعاد تجعل ختم الكتابة لسيرته هذه أمراً عصيّاً على التحقيق..

 

فهو الذي وجده ربه فقيرا فأغناه.. ومع ذلك كان انحيازه إلى بساطة عيش الفقراء وحياة المساكين طوعا وشوقا واختيارا.

 

وهو الذي تحمّل-صابرا ومصابرا- كل إيذاءات الشرك والنفاق، ومع ذلك بلغت به الرحمة والرأفة إلى الحد الذى جعله رؤوفاً رحيماً بالذين آذوه وآذوا صحابته، فأطلق لهم عنان الحرية فى لحظات انتصاره الأكبر.. ودعا لهم بالهداية في لحظات الذروة من الإيذاء.. رجاء أن يخرج الله من أصلاب الغلظة من يرق قلبه لنعمة الإيمان بالإسلام، فيهتدي بسراجه المنير.

 

ومع أنه قد حمل هموم إقامة الدين، وتأسيس الدولة، وصلاح الدنيا، وعبء تغيير العالم.. فلقد تكاملت فيه كل صفات الإنسان الكامل؛ فكان بشوشا يمزح ولا يقول إلا حقا، ويسامر أصحابه، ويداعب زواره، ويخدم أهله، ويقدم اليسر على العسر، يحب أن تؤتى رخص الدين كما يحب أن تؤتى عزائمه، ويحرص على طلب الجمال فى محيطه، ليستمتع به ويعلم الناس الاستمتاع بنعمته، حتى ليجعلُ من صلاة الاستسقاء مناسبة يدعو الله فيها: "اللّٰهم أنـزل علينا في أرضنا زينتها"، ومن دعاء السفر مناسبة يستعيذ فيها باللّٰه من كآبة المنظر، ومن مسجد النبوة مسرحا للفنون ومتعة الترفيه الحلال.. ومن الأعياد والأعراس مناسبات للزينة والفرحة واللهو الحلال الذي يجدد الملكات والطاقات عند الإنسان.

 

حتى ليروى أنه "لم يكن ريح أطيب من ريحه، وكأن عرقه اللؤلؤة!.."

 

وهو -مع ذلك- الذى يقف بين يدي مولاه -في الصلاة- حتى تتورم قدماه.. ويجعل من الرفق بالإنسان والحيوان والطبيعة مناسك يتقرب بها الإنسان إلى الله .

 

وهو الذي يغضب لما يغضب الله.. وإذا اضطر إلى الجهاد القتالي-دفاعا عن الدين والوطن- كان، إذا حمي الوطيس واحمرت الحدق، أقرب المقاتلين إلى الأعداء، حتى ليحتمي به الفرسان فى ساحة القتال.

 

فهو الإنسان الكامل، والرسول الخاتم، والبشر الذي يوحى إليه، والمجتهد المعصوم الذي اتصلت -في سيرته- الأرض بالسماء، وامتزج فيها النسبي بالإطلاق والخلود.. فهو صلى الله عليه وسلم، روح في جسد، ككل البشر، يأكل الطعام ويمشى في الأسواق.. لكن روحه بعبارة الإمام محمد عبده (1265-1323هـ /1849-1905م) "ممدودة من الجلال الإلهي بما لا يمكن معه لنفس إنسانية أن تسطو عليه سطوة روحانية. وهو بمنـزلة العقل من الإنسان. إنه إمام أولى العزم من الرسل الذين ميزهم الله بالفطرة السليمة، وبلغ بأرواحهم من الكمال ما يليقون معه للاستشراق بأنوار علمه، والأمانة على مكنون سره، مما لو انكشف لغيرهم لفاضت له نفسه، أو ذهبت بعقله جلالته وعظمته، فيشرفون على الغيب بإذنه، ويعلمون ما سيكون من شأن الناس فيه، ويكونون في مراتبهم العلوية على نسبة من العالمَين، نهاية الشاهد وبداية الغائب، فهم في الدنيا كأنهم ليسوا من أهلها، وهم وفد الآخرة في لباس من ليس من سكانها".

 

نعم، لهذا التميز والامتياز الذي جعل من الرسول صلى الله عليه وسلم "نهاية عالم الشهادة وبداية عالم الغيب.. وعقل الإنسانية والبشرية"، ولتميز رسالته بالإتمام والإكمال للدين والأخلاق، وبالعالمية، وبالخلود، وبالدولة والاجتماع والحضارة مع الدين..

 

لكل ذلك تميزت سيرته صلى الله عليه وسلم، عن كل سير القادة والمصلحين والعظماء والانبياء والمرسلين.. بل وشاء الله أن تكون سيرته وتاريخ دعوته هو التاريخ الوحيد المعروف والموثق دون سير الأنبياء وتواريخ الرسالات التي لم يبق من سيرها إلا ما جاء في القرآن الكريم. فكانت سيرته صلى الله عليه وسلم، الخبر الصادق حتى في سير الخالين من الرسل، عليهم جميعا أزكى الصلوات والتسليمات...

 

وآخر دعوانا ان الحمد للّٰه رب العالمين.. وأزكى صلوات الله وتسليماته على المبعوث رحمة للعالمين.


اترك تعليق