معاناة الأسر السورية في مصر.. صناعة إعلامية

By :

عاليه أم محمد امرأة سورية اشتدت عليها وعلى أبنائها الظلم والقتل والإبادة في وطنها سوريا فقررت أن تفر بنفسها وأولادها من وحشية نظام استأسد على شعبه عندما طالب بتنحيه وطالبه بحقه في اختيار من يمثله.
لكنه أبى إلا أن يجسم على قلوبهم وعلى أنفاسهم  بالقوة وبطلقات النار والرصاص والأسلحة المحرمة دوليا، فهدم بيوتهم ومساجدهم ومدارسهم ومستشفياتهم، وقضى على الأخضر واليابس ليحول دون اختيار الشعب لمن يحكمه.
لكن  الشعب أبى إلا أن يدخل في ثورة، فخرج المجاهدين بالمئات تضحية بأرواحهم وأنفسهم مقابل تقرير مصيرهم ومصير إخوانهم.

بشار ضاق بشعبه

وعلى صعيد آخر لم يستطع الضعاف من النساء والأطفال وبعض المصابين والجرحى من رجال وشباب الشعب السوري البقاء على أرض الوطن في ظل احتياجهم للدواء والعلاج فقرروا الهجرة إلى البلاد المجاورة.
ومن هؤلاء الذين قرروا الفرار بأسرهم عاليه أم محمد التي ضاق بها بشار وبغيرها من السوريين فقصف بيتها الذي يأوي أسرتها الكبيرة والصغيرة، وبعد أن تم بتر قدم ابن سلفها قررت عاليه الفرار بأسرتها الصغيرة وكان أمامها أن تختار الهروب إلى إحدى ثلاث دول؛ إما إسبانيا خاصة وأن أخو زوجها مقيم هناك منذ فترة، أو الأردن، أو لبنان، لكنها لم تختار أيا منهم وقررت أن تفر إلى مصر لعلمها بطيبة قلب أهلها وأنهم يعاملون ضيوفهم بود ورحمة ويقاسمونهم الغطاء والكساء، فقررت التوجه هربا إلى مصر.
هذا ما قالته أم محمد التي سكنت مدينة السادس من أكتوبر منذ سبتمبر الماضي واصطحبت معها زوجها الذي يُعالج وابنتها البتول بالصف الثالث الإعدادي والتي من المفترض أن تكون بالصف الثاني الثانوي لكنها انقطعت عن المدرسة لمدة عام ورسبت عام آخر بسبب الدمار الذي خلفته آلة البطش البشارية في جميع أنحاء البلاد.


وعن طريق البر وصلوا  لبيروت وخلال 40 دقيقة وصلوا إلى القاهرة بالطائرة، ثم توجهوا إلى مدينة 6 أكتوبر، وبنقود مصاغها التي باعتها فتح زوجها سوبر ماركت صغير في الحي الثاني وبدأت رحلة الكفاح بين أهلها في مصر متمنية العودة بعد الإطاحة بنظام بشار.


ليس هذا وضع عاليه فقط، بل هو وضع أسر سورية كثيرة نزحت إلى مصر هربا من مذابح ومجازر بشار.
وما دفعنا لإجراء هذه المقابلات مع الأسر السورية التي استقرت في مدينة 6 أكتوبر، ما يروجه الإعلام من أخبار وتقارير أساءت للمصريين والسوريين على حد السواء، لدرجة أن عددا من المصريين شعروا أن السوريين تعدوا على حقهم في وطنهم، ولسان حالهم يقول "البيت بيت أبونا والغرب بيطردونا"، والبعض الآخر يقول "علمناهم الشحاته سبقونا على البيبان"، وغيرها من العبارات الجارحة في حق كلاهما.
لكن الحقيقة ما كشفنا عنها خلال هذا التحقيق، وعبر السطور القليلة التالية، لتؤكد حقيقة واحدة أن الشعوب العربية تتقاسم مع بعضها المأكل والمشرب والكساء والدواء حتى تمر الأزمات،  فهم يد واحدة ضد الحكام الظالمين، وعلى قلب رجل واحد حتى نجاح الثورات. 


واستكملنا حوارنا مع عاليه أم محمد بالسؤال عما يتم الترويج له من أن مصر أصبحت سوق نخاسة للفتيات السوريات؟!  أكدت أنها لم تتعرض هي وأقاربها لأي من هذه الأكاذيب والإشاعات، مؤكدة أن بعض وسائل الإعلام المصرية والعالمية بالتعاون مع شبيحة النظام السوري تعمدوا تشويه صورة المصريين الذي احتضنوا السوريين في بيوتهم وعلى أرضهم، كنوع من الحرب المضادة أو الحرب النفسية.


خطف السوريات


وقابلنا فاطمة حورون فقالت: جئت إلى مصر منذ أسبوع واحد فقط، فارة من منطقة برزة البلد – داخل دمشق – واستقبلنا أخي الموجود في أكتوبر منذ 3 شهور، وهي الآن تبحث عن عمل لبناتها في أكتوبر ليعولوا الأسرة ولا يكونوا عالة على أحد حتى يفرج الله كربهم.


وفرت حورون من وطنها بعد عمليات الخطف الممنهج للبنات في سوريا واغتصابهن فقررت الهروب فرارا ببناتها الاثنتين، وتكلفت رحلتهم إلى مصر 90 ألف ليرة وهو المبلغ الذي حاول الزوج توفيره للأسرة بعد قصف مطعمه الذي يقتات منه قوت يومه ليؤمن لهمن حياة كريمة في مصر حتى ينتصر المجاهدين على بشار وأعوانه.


وبدموع أبت أن تسيل من عينيها واحتفظت بها مقلتيها، قررت آلاء حورون ابنة الـ 17 ربيعا أن تترك المدرسة وتبحث عن عمل في روضة أطفال لتكفل أسرتها، مؤكدة أن رحلة العذاب بدأت من داخل سوريا مع بداية انطلاق شرارة الثورة ومرورا بمحطات الفرار في الأردن ثم العقبة ووصولا إلى مسجد الحصري بمصر، وافتراش الأرض سريرا والسماء غطاء حتى أخذنا أهل مصر الخيّرين ووفروا لنا سكن مناسب وها نحن نقيم فيه منذ 3 شهور.


وتستنكر كل الإشاعات التي تقال عن السوريين من أنهم طماعين ويرهقوا المصريين بمطالبهم، كما تستنكر الأكاذيب التي تقال عن المصريين بأنهم يستغلون احتياج الأسر السورية المادي فيتزوجون بناتهن رخيصات دون مقابل.


أما جليلة فهي شابة سورية جاءت لمصر لتبحث عن شيء آخر، تبحث عن العلاج لزوجها الذي أصيب في قدمه جراء القصف، وعن علاج لابنها نتيجة إصابته بتزايد الكهرباء في مخه.


وتقول إنها جاءت إلى مدينة 6 أكتوبر وكان الأمر سهلا للغاية حيث دلها الناس الطيبين على  جمعية تكفل الأسر السورية وبسرعة توجهت إليها وعلى الفور وفر لها الأخ المسئول شقة في الحي الأول إيجارها 1200 جنيه شهريا، كما وفر لزوجي العلاج، ووفروا لابني علاجه خاصة عقار "التيجراتول"  بسبب تزايد الكهرباء في دماغه، وعلاج حالة الصرع التي يعاني منها منذ ولادته.


ومن الملاحظ أنك وما إن تطأ قدمك مدينة السادس من أكتوبر وتسأل عن أماكن تجمع الأسر السورية إلا ويصفون لك عددا من الجمعيات والمقرات منها مصر الخير ومنها مسجد الخلفاء الراشدين ومسجد أبو بكر الصديق في الحي الثاني ومساكن عثمان، لكن للأسف لا يعرف الإحصاء الدقيق لعدد السوريين أو الأسر السورية الموجودة في مصر خاصة وأنهم ينقسموا إلى قسمين: معدمين، وأثرياء، وكل منهم وجد ضالته في مصر.


ليسوا شحاذين .. أو لاجئين
وعلى الرغم من ذلك يوجد قسم آخر أساء للثورة السورية في مصر كما صرح محمد طريخم العبود المنسق العام لهيئة دعم الشعب السوري من وجود شريحة ممن يحملون جوازات سفر سورية في مصر، لكنهم ليسوا سوريين أو عربا أصلا، ونسميهم (النور) وهم مثل الغجر، وكان نظام الرئيس السابق حافظ الأسد قد جاء بهم من دول مختلفة ومنحهم الجنسية لأسباب سياسية، وهؤلاء يحترفون مهنة (الشحاته) أمام المساجد، وهم يسيئون للمواطن السوري بل إنهم يرفضون الحصول على المساعدات لأنهم يريدون الاستمرار في مهنتهم.


أما عبد الرحمن ربوع عضو تيار التغيير الوطني ومقيم في مصر منذ 20 عاما فيقول: إن مصر هي قلب الأمة العربية وإن مظاهرات نصرة الثورة السورية انطلقت من مصر قبل أن تنطلق من سوريا بساعتين، كما أن المصريين احتضنوا السوريين والأسر السورية منذ اللحظة الأولى وعاشوا بينهم أصحاب دار وليسوا لاجئين لهم مخيمات على الحدود، لذا فنحن لا نسمع عن أي معاناة للسوريين في مصر كما نسمع عنها في الأردن والعراق مع أن أعداد اللاجئين في مصر أضعاف مثيلاتها في أي دولة من دول الجوار الأخرى.


كما يشير إلى أن عدد من نزحوا من سوريا إلى مصر بلغ نصف مليون سوري، لكن رغم ذلك نجد نسبة قليلة فقط ممن تم تسجيل أسمائهم بالمفوضية لا يتعدي الالآف.


في حين تقول المفوضية العليا لشئون اللاجئين إن عدد اللاجئين السوريين وصل إلى 6800 لاجئ سوري في دول شمال إفريقيا أغلبهم في مصر، بينما تشير الحكومة المصرية إلى أن عددهم وصل إلى 150 ألف سوري يقيمون داخل البلاد في أماكن متفرقة منها أكتوبر ومصر الجديدة ومدينة الرحاب والمعادي وعين شمس.


وأمام أحد مقرات الجمعيات التي تدعم الأسر السورية جاء أبو الوليد بعد أن ضاق به العيش في الإسكندرية التي حل بها ضيفا بعد هروبه وزوجته من دمشق، باحثاً عن جمعية تكفل له السكن لحين الالتحاق بعمل يغنيه، فدلته سيدة مسنة كانت تنتظر هي الأخرى لتأخذ كفالتها الشهرية من نفس الجمعية.


مساكن عثمان
وقال أبو الوليد: توجد في مصر أسر سورية تعيش حياة مترفة وأخرى جاءت ومعها بعض الأموال لكنها لن تتحمل العيش دون عمل لفترة طويلة، لاعتقادهم أن الثورة السورية ستنتهي في أقرب وقت، لكن خابت آمالهم مع استمرار الأزمة، لذا لجأ بعض السوريين للعمل في المصانع وبعض المحال التجارية وبعض الشركات، كما عمل آخرون لدى مستثمرين سوريين بمصر.


وتعتبر مساكن عثمان في 6 أكتوبر أكبر تجمع للسوريين وقابلنا أحد السوريين الذي رفض ذكر اسمه، بعد أن حكى مأساته قائلاً: حملات الاعتقال في سوريا ضد السنة تسير بطريقة ممنهجة كما تدار رحى المعركة الحقيقة بين العلويين والشيعة من ناحية وبين السنة من ناحية آخرى.


وقال: لقد هربت من سوريا بعد أن تم اعتقالي على يد شبيحة النظام إلى ليبيا، لكن لم نشعر بالأمان هناك، فقررنا المجيء إلى مصر منذ شهرين، ونسكن أنا و6 من أفراد عائلتى في غرفة واحدة، وأخرج يوميا للبحث عن عمل أكفل به أسرتي. 


أما أبو مصعب فقد تحايل على ظروفه الصعبة بعد أن حل بمصر، فمن ناحية لدية 3 بنات منهم اثنتين معاقتين وتحتاج أحدهما إلى علبة لبن بمائة جنيه أسبوعيا، كما يحتاج إلى إيجار الشقة التي يسكن فيها هو وزوجته وبناته بالإضافة إلى الطعام والشراب يوميا، فقرر أن يفتح محلا لبيع الحلويات، لكنه للأسف لا يكفى حتى سداد الإيجار، لكن مع ذلك لم نلحظ في عينيه أي بادرة لليأس، ثم قال: النصر قريب والعودة وشيكة إن شاء الله.


كفالة وتآخي 
ومن جانبها قالت نادية أم خلاد مديرة جمعية ائتلاف الخير بــ 6 أكتوبر إنه بسبب تعدد الجهات التي كانت تكفل الأسر السورية قررنا أن يتم توحيد كل هذه الجهود تحت إطار واحد أسميناه "ائتلاف جمعيات الأسر السورية" وتم إشهاره في الشئون الاجتماعية، ومن خلاله يتم التعامل مع أكبر 4 ملفات شائكة بالنسبة للأسر السورية وهي: ملف الإسكان والإعاشة، ملف التعليم، ملف الصحة، وملف التوظيف، ومن خلال هذه الملفات نحتضن الأسر السورية، ونتعاون لإعلاء قيمة التآخي بيننا وبينهم كما آخى الرسول عليه السلام بين المهاجرين والأنصار.


وعن الإشاعات التي يتم ترويجها لتشويه صورة المصريين والسوريين على  حد سواء أنكرت أم خلاد حدوث مثل هذه الأعمال علما بأنها تتعامل مع الأسر السورية منذ أكثر من عام.


اترك تعليق