الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يهنئ ثوار ليبيا

By :

بيروت/ موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

بتحقيق النصر والفتح في شهر رمضان، ويوصيهم بأخلاق الرسول صلى الله عليه وسلم عند الفتح

الحمد لله رب العالمين، والعاقبة للمتقين، ولا عدوان إلا على الظالمين، ونصلي ونسلم على الرحمة المهداة سيدنا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين، وبعد

فإن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين ينتهز هذه الفرصة التاريخية التي أحرز فيها الثوار الليبيين الفتح والنصر على الطواغيت الظلمة، ذلك النصر الذي صاحب ذكرى فتح مكة في 20 رمضان، داعيا الله تعالى أن يحقق لهم مقاصد ثورتهم في تحقيق الحكم الرشيد، ويمكّن بهم شريعة الإسلام العظيمة السمحة الرحمة التي بعثها الله للعالمين.

والاتحاد إذ يهنئ الثوار بإحراز هذا النصر المبارك ليتوجه إليهم بالتوصيات الآتية:

أولاً: يدعو الاتحاد الثوار في ليبيا إلى الالتزام الكامل بأخلاقيات الحرب في الإسلام وقيمه السامية في التعامل مع المخالفين، ونبذ روح الانتقام، والتحلي بخُلُق الرسول الكريم صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة وتواضعه عند الدخول، وعدم السماح بروح الانتقام، وما يسمى بنشوة النصر. وكذلك الالتزام بتلك الأخلاق العالية لدى الخلفاء الراشدين في حالات الحرب، ووصاياهم، وبخاصة أخلاق سيدنا علي بن أبي طالب رضي الله عنه بعد انتصاره على مخالفيه من الخوارج وغيرهم.

ومن أهم هذه الوصايا ما يأتي:

1- استحضار التقوى والخشية من الله تعالى، واستذكار خلق الرسول صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة من العفو والتسامح والتراحم والتواضع، وقوله المشهور: "اذهبوا فأنتم الطلقاء" إلا مع مجرمي الحرب الذين يسلّمون إلى المحاكم ليحاكموا محاكمة عادلة.

2- التهيئة من الآن لكيفية الحكم وإدارة البلاد وتشكيل فرق الأمن لتحقيق الأمن والاستقرار فورا وعدم ترك الأمور للفوضى.

3- الحفاظ على الجيش والشرطة، وإصدار عفو عام عنهم من الآن يشمل الجميع ما عدا مجرمي الحرب، حتى لا يحدث ما حدث في العراق من الفوضى والاضطراب.

4- التركيز على الحفاظ على الأموال العامة والخاصة وذلك بإصدار أوامر صارمة تقضي بعدم جواز القيام بالإتلاف والإضرار حتى عند المواجهة إلا بمقدار الضرورة التي تقدر بقدرها، فلا يجوز تدمير مبنى، أو معسكر لمجرد أن فيه مقاومة، وإنما يجب عليهم الحفاظ على إبقائه سليما بقدر الإمكان.

5 – عدم جواز قتل من لم يحارب مثل النساء والأطفال وكبار السن والصبيان، ونحوهم ممن لم يشاركوا في القتال فقال تعالى: {وَقَاتِلُواْ فِي سَبِيلِ اللَّهِ الَّذِينَ يُقَاتِلُونَكُمْ وَلاَ تَعْتَدُواْ إِنَّ اللَّهَ لاَ يُحِبُّ الْمُعْتَدِينَ} [البقرة:190]. وروى أبو داود بسنده أن رسول الله قال: "لا تقتلوا فانياً ولا طفلاً صغيراً"، وروى أحمد بسنده عن ابن عباس قال: كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا بعث جيوشه قال: "اخرجوا بسم الله... ولا تقتلوا الولدان ولا أصحاب الصوامع"، وجاء في وصية أبي بكر ليزيد بن آبي سفيان: (إنك ستجد قوماً حبسوا أنفسهم لله تعالى فذرهم وما زعموا أنهم حبسوا أنفسهم له). وروى ابن ماجه بسنده عن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقتلوا ذرية ولا عسيفاً" أي أجيراً.

6- عدم جواز قتل الأسرى، حيث لا يجوز للثائر أن يقوم بقتل أي أسير من المتحاربين حتى ولو كان مجرم حرب، وإنما يسلمه لقيادته حتى يحاكم محاكمة عادلة، إياكم ثم إياكم الاستهانة بالقتل والتساهل فيه، فلا يزال المسلم في فسحة في دينه إلا أن يرتكب قتل نفس بدون حق.

7- ضرورة الحفاظ على الأموال حيث لا يجوز أخذ أي مال سواء كان عاما، أم خاصا، فهذا  من الغش والغلول وأكل أموال الناس بالباطل، وإن أموال المحارب المقتلوب المسلم لا تعتبر غنيمة وإنما ترد على ورثته، أما الأموال العامة للدولة أو مؤسساتها فيجب الحفاظ عليها أيضا، وأما الأسلحة والذخائر الحربية التي غنمها الثائر فيجب عليه تسليمها فورا إلى مؤسسات الثورة (المجلس الانتقالي ومؤسساته).

فلا يجوز للثائر المسلم أن يأخذ في هذه الحرب شيئا من الأموال العامة أو الخاصة، ولا تُطبق على الحالة الليبية قواعد الحرب بين المسلمين والكفار، وإنما تطبق المبادئ العامة والقواعد والأحكام الخاصة بقتال البغاة التي أصلها الخليفة علي بن أبي طالب والمجتهدون من بعده. 

ثانياً: يوصي الاتحاد بإلحاح أن يقوم المجلس الانتقالي باستكمال مشروعات القوانين والأنظمة والقرارات والخطط والبرامج الخاصة بإدارة الحكم وتحقيق الأمن والاستقرار لتكون جاهزة للتطبيق الشامل على المناطق المحررة، بل تطبق من الآن على المناطق المحررة، حتى لا تنتشر الفوضى، وتستغل من قبل الأعداء.

ثالثاً: يوصي الاتحاد المجلس الانتقالي والمسؤولين والثوار والشعب الليبي أن يحافظوا على مقاصد ثورتهم في إقامة الحكم الرشيد القائم على هوية هذه الأمة (الإسلام) الذي يتيح الحرية للجميع، ويحقق الديمقراطية الحقيقية في جانبها العملي من الفصل بين السلطات، وحرية الشعب في اختيار ممثليه بكل شفافية على أساس العدل والشورى والمساواة، فالإسلام في حقيقته رحمة وشفاء وهداية للجميع، وخير للأمة جمعاء، فلا يجوز أن تجعل التطبيقات الخاطئة حجة على الإسلام، فالله  الله الله في حماية دينكم وعقيدتكم التي جمعتكم، وليعلم الجميع أن كل ما أصاب هذه الأمة خلال القرون الأخيرة كان بسبب البعد عن الإسلام الحقيقي القائم على الرحمة والتسامح وعن منهجه الوسطي المعتدل، وعن قيمه الحيوية والحضارية، فأملنا كبير في تحيق ذلك الأنموذج القائم على خيري الدنيا والآخرة.

والاتحاد العالمي لعلماء المسلمين بعلمائه وخبرائه جاهز لما يكلف به لخدمة الشعب الليبي، {وَقُلِ اعْمَلُواْ فَسَيَرَى اللَّهُ عَمَلَكُمْ وَرَسُولُهُ وَالْمُؤْمِنُونَ وَسَتُرَدُّونَ إِلَى عَالِمِ الْغَيْبِ وَالشَّهَادَةِ فَيُنَبِّئُكُم بِمَا كُنتُمْ تَعْمَلُونَ} [التوبة:105]

وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين.

الدوحة:23 رمضان 1432هـ     
الموافق:23/08/2011م

أ.د علي القره داغي                                            أ.د يوسف القرضاوي  

الأمين العام                                                        رئيس الاتحاد 


اترك تعليق