البيان الختامي للإجتماع الثالث لمجلس أمناء الإتحاد الدورة الثالثة(2010-2014)

By :

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على  نبيّنـا محمد، وعلى سائر إخوانه من النبيّين والمرسلين، وعلى آله وصحبه أجمعين ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين، وبعد.

فقد عقد مجلس أمناء الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين اجتماعه الثالث في دورته الثالثة في مدينة الدوحة 08-09 محرم 1433هـ / 03- 04 ديسمبر 2011

وشارك في هذا الاجتماع ثلاثون عضواً عالجوا فيه العديد من القضايا الإدارية والهيكلية وناقشوا عددا من قضايا ومشاكل العالم الإسلامي حيث افتتحوا اجتماعهم بالقرآن الكريم، ثم ألقى سماحة العلامة الشيخ يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد كلمة ضافية جامعة شاملة، ثم بدأوا بمناقشة جدول أعمالهم وبعد المناقشة والتحاور أصدروا عدداً من القرارات والتوصيات وختموا اجتماعهم بإصدار البيان الآتي:

أولا: ثورات الربيع العربي:
ينتهز الاتحاد هذه الفرصة ليقدم تهانيه للأمة الإسلامية بصورة عامة والدول التي نجحت فيها هذه الثورات بصورة خاصة على ما تحقق من نجاح هذه الثورات في القضاء على الظلم والاستبداد، ونحو بناء دولة العدل والمساواة والتنمية، كما يتقدم الاتحاد إلى أهالي الشهداء والجرحى بالدعاء بأن يتقبل الله شهداءهم وتضحياتهم وأن يَشفي الجرحى والمرضى، وأن يلهمهم الصبر والاحتساب كما يدعو الله أن يوفق أصحاب السلطة الجدد في رعايتهم والاهتمام بأوضاعهم، ومد يد العون لهم لما تستحقونه من الشكر والعرفان.

ورسالة الاتحاد إلى الشعوب التي وقفت في وجه الطواغيت والثوار الذين أيقظوا الأمة من سُباتها منهم من قَضَى نحبه ومنهم من ينتظر هي: اعلموا أن التغيير والنصر من عند الله وهو وحده المستحق بالحمد والثناء << إن ينصركم الله فلا غالب لكم وإن يخذلكم فمن ذا الذي ينصركم من بعده>> (الآية) أخلصوا نياتِكم ووحدوا صفوفَكم لخدمة دِينكم وأمتكم، ورسالتنا إلى الذين يتهيأون للمناصب القيادية في تلك البلدان أن تتقوا الله وأن لا يغرنكم بريق السلطة والمناصب الزائلة <<واذا قلتم فاعدلوا ولو كان ذا قربى وبعهد الله أوفوا>> (الآية)، اقبلوا حقيقة التعددية التي هي من سنن الله ونواميسه في هذا الكون ومنها المجتمعات الانسانية فلو شاء الله لجمعكم أمة واحدة: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعا) (الآية)، وقد أمرنا الله تعالى بالبر والقسط مع كل من لم يقاتلنا في الدين ولم يخرجنا من ديارنا، فما بالكم بأبناء الوطن الواحد من أهل الأديان والأطياف السياسية الأخرى الذين هم إخوان لكم في الإنسانية وشركاء لكم في الوطن لهم ما لكم وعليهم ما عليكم واعلموا أن السلطة والمناصب ابتلاء من الله لينظر كيف تعملون وأن الابتلاء بالخير والنعيم قد يكون أشد من الابتلاء بالنقص في الأموال والأنفس والثمرات، تأملوا سنن الله في الكون ومنها سنة التدرج في إصلاح ما فسد من أمور بلادكم عبر أحقاب طويلة من الظلم والاستبداد واثارة النعرات والعصبيات القومية والقبلية والطائفية، ومنها كذلك سنة الأولويات وعدم الاشتغال بالفروع دون الأصول وبالمهم دون الأهم ومن الأهم الوحدة الوطنية في كل قطر والتعاون بين الأقطار لتحقيق التنمية الاقتصادية والاجتماعية والاخلاقية والروحية وفقكم الله جميعا وسدد خطاكم وهداكم وإيانا سبل الرشاد.

ويود الاتحاد إرسال الرسائل التالية بخصوص الأقطار التي نجحت فيها الثورات والتي لا تزال في الطريق بإذن الله: 

في الشأن التونسي: يبارك الاتحاد للشعب التونسي نجاحه في التجربة الانتخابية النزيهة التي أدت إلى تشكيل المؤسسات التي قامت على الشورى والديمقراطية من رئاسة البرلمان والدولة، والحكومة، والتوافق الوطني كما نجح في امتحان الثورة، ويَحُثُّ حكامه الجدد بصورة عامة والحركةَ الإسلامية منهم خاصة على أن يسيروا في شعبهم مسيرة العدل والمساواة، وأن يرعوا حقوق الانسان حق الرعاية، وأن يعملوا جاهدين على تحقيق التنمية الشاملة التي تحقق للشعب الكرامة والعزة، وتنقله إلى موقع الإسهام في البناء الحضاري، مفسحين في ذلك المجال لكل القوى أن يكون لها إسهام في البناء دون إقصاء على أساس من الاختلاف الفكري والسياسي أو الجهوي لتتم الوحدة الوطنية التي هي أساس النجاح، ولتكون تلك الوحدة منطلقا للتعاون الفاعل مع كل الشعوب والدول العربية والإسلامية والرحمة بالمستضعفين في الأرض.

في الشأن المصري: يؤكد الاتحاد على ضرورة التحول السلمي والعاجل للسلطة إلى ممثلي الشعب المنتخبين بكامل صلاحياتها دون وصاية عليهم واحترام إرادة الشعب، كما يشيد بإقبال الشعب المصري على التصويت في الانتخابات الأخيرة كما يشيد بكل الجهود التي بذلت وتبذل لضمان شفافية هذه الانتخابات ونزاهتها ويأمل الاتحاد أن يستمر ذلك في كل المراحل القادمة للانتخابات.

وينتهز الاتحاد الفرصة ليقدم تهانيه للشعب المصري بنجاح انتخابه للمرحلة الأولى ويهنئ الثائرين على فوزهم ويدعو لهم بالتوفيق والسداد.

ويؤكد الاتحاد على ضرورة التعايش السلمي وحسن الجوار بين المسلمين بكافة توجهاتهم الإسلامية والسياسية وشركائهم في الوطن من الأقباط وتجنيب وإخماد أي محاولة لإشعال الفتن الطائفية أو العرقية بين أبناء الوطن الواحد.

كما يحث الاتحاد الإسلاميين خصوصا على التزام المنهج الوسطي والتركيز على كبرى القضايا المتعلقة بهموم المواطنين بدلا من الانشغال بالقضايا الجزئية والشكلية ويكرر الاتحاد مطالبته بوقف كل أعمال العنف ضد أي تظاهرة سلمية والتحقيق في أي تجاوز ومعاقبة المتجاوزين في إطار القانون.

في الشأن الليبي: يدعو الاتحاد الشعب الليبي للتحلي بالصبر وإعطاء الفرصة الكافية للحكومة الانتقالية حتى تقوم بمهامها إلى حين انعقاد المجلس الوطني كما يدعوهم إلى دعم كل المشاريع التي ترسخ المصالحة الوطنية وتقديم العفو والصفح والمسامحة وكل ما من شأنه أن يساهم في الاستقرار والسلم الاجتماعي والوفاق الوطني. 

كما أن الاتحاد يثمن دور الثوار في كافة الجبهات في جهادهم وتضحياتهم، وحسن أمانتهم، ويدعو الله أن يتقبل منهم جهدهم وجهادهم ويدعوهم إلى التعاون مع مؤسسات الدولة لإنجاح الانتقال السلمي من حالة الثورة إلى حالة الدولة مع التأكيد على كل ما صدر من فتاوى المجلس الأعلى للإفتاء من حرمة بيع السلاح والمتاجرة به بصفة غير رسمية، مع حث الثوار على تسليم ما بقي لديهم من السلاح إلى السلطات المختصة.

كما يوصي الاتحاد الحكومة الانتقالية بتحمل المسؤولية وأداء الأمانة وبسط العدل بين الناس واعتماد الشفافية والوضوح في إرساء مبادئ المشاركة الحقيقية  لكل فئات المجتمع.

في الشأن اليمني: يدعو الاتحاد إلى وقف قتل المدنيين من الرجال والنساء والأطفال كما يطالب بأحقية هؤلاء الثوار في مواصلة التظاهر والاعتصام السلمي دون أن يمس هذا من إمكانية مواصلة المعارضة اليمنية في تنفيذ وتنزيل بنود المبادرة الخليجية وبخاصة ما تعلق منها، وبتشكيل حكومة وحدة وطنية والإسراع بإصلاح المؤسسة الأمنية والعسكرية والعمل بكل جدية لرفع المعاناة على الشعب اليمني الذي يعاني الفقر والخصاصة والحرمان منذ أمد طويل.

كما يدعو الاتحاد كل الجمعيات والمنظمات الخيرية إلى مساندة هذا الشعب وخاصة شريحة الجرحى الذين سقطوا نتيجة القتل العشوائي التي قامت بها قوات النظام.

في الشأن المغربي: يهنأ الاتحاد الشعب المغربي بنجاحه في التجربة الإصلاحية والانتخابات التي جرت بنزاهة وشفافية، ويتمنى للشعب المغربي وملكه وحكومته مزيداً من الازدهار والتقدم كما يطالب حزب العدالة والتنمية الفائز بهذه الانتخابات أن يحقق النموذج الحقيقي للعدل والمساواة، وتحقيق التنمية الشاملة.

في الشأن السوري: يحيي الاتحاد الشعب السوري البطل وثورته المستمرة ضد نظام الظلم والاستبداد سلمياً ويدعوه إلى المحافظة على هذا النهج السلمي للثورة.

كما يحيي الاتحاد الجامعة العربية باتخاذها عدداً من القرارات ضد النظام الحاكم في سوريا ويعتبرها خطوة إيجابية وشجاعة تحسب للجامعة العربية باعتبارها انحيازاً واضحاً منها إلى صف الشعوب المظلومة. 

كما يؤكد الاتحاد ما جاء في بيانه السابق في تأييد المجلس الوطني السوري، ويدعو الشعوب العربية والإسلامية وأحرار العالم بالوقوف مع الشعب السوري في ثورته السلمية، وينتهز الاتحاد الفرصة لتقديم الشكر لتركيا حكومة وشعباً.

كما يطالب الاتحاد الحكومة اللبنانية بالوقوف إلى جانب الشعب السوري.

في الشأن الفلسطيني: يتابع الاتحاد بقلق بالغ ما يحدث على أرض فلسطين المباركة كلها من المسجد الأقصى، والقدس الشريف، إلى الضفة وغزة، وبخاصة محاولات الصهاينة بكل الوسائل التي تستهدف المسجد الأقصى ويحذر الاتحاد الصهاينة أشد التحذير من الإقدام على هذه الخطوة الخطيرة (محاولة هدم الأقصى) التي تزيد المنطقة اشتعالا وناراً. فالأقصى هو أولى القبلتين ومسرى رسول الله صلى الله عليه وسلم كما أنها مقدسة لدى إخواننا المسيحيين أيضاً. 

وإن رصيدنا في هذا التحذير الشديد هو العمق الإسلامي والعربي المتجذر في وجدان المسلمين نحو مقدساتنا المباركة، بالإضافة إلى أن الثورات العربية قد مهدت الأجواء لوحدة الأمة الإسلامية إن شاء الله تعالى.

ويدعو الاتحاد قادة الأمة العربية والإسلامية إلى تحمل مسؤولياتهم ودعم المقاومة بكل الإمكانيات المتاحة، واعتبارها الخيار الوحيد لإنهاء الاحتلال وحماية المقدسات وسحب المبادرة العربية للسلام مع العدو الصهيوني ووقف كل معاهدات السلام وطرد السفراء الصهاينة في البلاد التي لا يزالون موجودين بها كما يشدد الاتحاد على القيادة المصرية أن تفتح معبر رفح بشكل متواصل للأفراد والبضائع وعدم إغلاقه تحت أي ذريعة. وبهذه المناسبة يحي الاتحاد السلطات المصرية على دورها الإيجابي في الجمع بين الإخوة في فتح وحماس ووضع حد لحالة الانقسام الفلسطيني.

في الشأن العراقي: يتابع الاتحاد بقلق بالغ تردي الأوضاع الأمنية والسياسية والاجتماعية والاقتصادية في دار السلام بلد الحضارة: العراق. بالإضافة إلى ما وقع فيه من مجازر بشرية شارك فيها المحتلون ومن عاونهم. واليوم يتابع الاتحاد ما يسمى بالانسحاب الأمريكي من العراق، وأمام هذه الأحداث والمجريات يدعو الاتحاد العراقيين بجميع مكوناتهم وأطيافهم السياسية إلى وحدة الصف العراقي والحفاظ على وحدة الوطن وعدم الانصياع وراء دعوات التقسيم والفرقة والنزاع.

كما يدعو الاتحاد العراقيين جميعاً لعدم السماح لدول الجوار بالتدخل والاحلال محل المحتل الأمريكي. وبهذه المناسبة يطالب الاتحاد الدول العربية والإسلامية لمساعدة الشعب العراقي للحفاظ على هويته وكيانه.

 

في الشأن البنغلادشي: يؤكد الاتحاد ما جاء في بيانه السابق من المطالبة بإطلاق سراح المعتقلين، وإطلاق الحريات العامة ويندد بالإجراءات التعسفية ضد المعتقلين.

 

في الشأن الصومالي: يؤكد الاتحاد بياناته السابقة التي دعا فيها إلى تحقيق المصالحة الشاملة ونبذ العنف والعناية بالشعب الصومالي وإغاثته وتنميته.

في الاصلاح العام:
إن الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين يرى أن من مهماته الجليلة تصحيح الانحرافات الفكرية والسلوكية في العالم الإسلامي، وبذل الجهود الممكنة بكل الوسائل المتاحة في نشر الوسطية والاعتدال والوعي الرشيد والفهم السليم للشريعة، والالتزام بمحكماتها وقواطعها، وجمع المسلمين عليها حكاماً ومحكومين، رجالا ونساء، والتذكير بطاعة الله ورسوله في الشأن الفردي والجماعي والشعبي والحكومي، ودعوة المسلمين كافة إلى الالتزام بالعبادات التي هي مصدر سعادة وفوز، وبالأخلاق الكريمة التي تحفظ وحدة المجتمعات، وتمنح الروح الإيجابية، وتجعلها في مقام الأسوة والقدوة الكفيلة باستنهاض روح الأمة حضارياً وبمقاومة الضعف والهزيمة الداخلية للوصول إلى التغيير المطلوب في الأنفس والسلوك: (إن الله لا يغير ما بقوم حتى يغيروا ما بأنفسهم).

في الدعوة إلى المصالحة الشاملة: 
يدعو الاتحاد مجدداً إلى إحياء المصالحة الشاملة بين فعاليات الأمة كافة، الحكومية والشعبية، العلماء والدعاة، الهيئات والمنظمات والحركات والشعوب والقوميات، على أساس من كفالة الحقوق، وتعزيز مناخ الحريات، وتوسيع قاعدة المشاركة، والتزام النهج السلمي قولاً وعملاً، وإرساء قواعد العدالة، وتنفيذ أحكام القضاء المستقل تنفيذاً فورياً، وتأكيد سيادة القانون واستقلال القضاء، وإلغاء قوانين الطوارئ، والإفراج الفوري عن جميع المعتقلين ظلماً، وتيسير عودة المواطنين المهجرين، وتأكيد دور العلماء في إصلاح الأمة والدعوة إلى الله والالتزام بثوابت الأمة الدينية والوطنية، والدفاع عنها تعزيزاً لدورها، وقطعاً للطريق على المتربصين بها الدوائر.
ويرّحب الاتحاد بالجهود الدائبة التي تبذل في بعض الأقطار العربية والإسلامية لتحقيق المصالحة بين جميع الفئات العاملة لخدمة الفكرة الإسلامية ولا سيما أولئك الذين انتهجوا سبيل العنف والتغيير بالقوة عدداً من السنين، ثمّ فاؤوا إلى كلمة الحقّ، وعادو إلى نهج الوسطية الإسلامية الذي يتبناه الاتحاد ويدعو إليه. ويؤكد الاتحاد في هذا السياق ضرورة الإسراع في الإفراج عن سائر المعتقلين السياسيين، في جميع دول العالم الإسلامي، واستيعاب الجميع في الحياة العملية، وفي النشاط الدعوي السلمي، استثماراً لطاقتهم، واستفادة من تجربتهم في الحيلولة بين الشباب المسلم وبين الوقوع في براثن دعاة الغلو والعنف والتكفير.

وأخيراً يعلن الاتحاد عن مواصلة عزمه على ترشيد الأمة وتصحيح مفاهيمها ودفعها إلى النهضة الحضارية المنشودة وذلك باتخاذ جملة من القرارات المتعلقة بالاستمرار في تنظيم المؤتمرات العلمية والدورات التدريبية وطباعة المنشورات الفكرية والثقافية التي من شأنها أن تؤصل كافة القضايا المطروحة على الساحة الإسلامية وأن تنزلها على الواقع المعاصر وفقاً للأصول المعتبرة وفق خطته الاستراتيجية.
وفي الختام ينتهز الاتحاد الفرصة لتقديم أجزل الشكر وأخلص الدعاء لقطر شعباً وأميراً وحكومة، وبخاصة للأمير المفدى على رعايته الكريمة وعلى مواقفه ومواقف حكومته المشرفة في كافة المجالات السياسية والإنسانية.

 

الأحد 9 محرم  1433هـ
الموافق 04 ديسمبر 2011


اترك تعليق