محمد عمارة: نذرني أبي للعلم جنينًا وكان الوفاء واجبي منذ ولدت

By :

* تفرغت لمشروعي الفكري وكانت مكتبة جارنا الثرية مفتاحًا لتحديد أهدافي الثقافية.

* الاستقطاب يحكم حياتنا الفكرية وما زلنا نفتقر إلى عقل مسلم يرى الإسلام فى ضوء الفكر الآخر.

* تحرير المرأة الحقيقي يبدأ بنموذج السيدة خديجة (رضي الله عنها)، وأفكار التحرير العلمانية لا سوق لها عندنا.

* قانون فرنسا - بلد الحرية - حرم المرأة من الذمة المالية المستقلة فى القرن العشرين، والإسلام منحها لها منذ أكثر من 14 قرنًا.

* المساواة الإسلامية مساواة شقين متكاملين لا ندَّين متماثلين، والتوسع فى سد الذرائع سيقودنا إلى تحريم الحلال.

* "وافدة النساء" أول تأصيل للجمعيات النسائية الإسلامية، ومشاركة المرأة فى العمل العام تندرج تحت فريضة الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر.

* التحرر الحقيقي ليس من "الدين " ولكن "بالدين"، والذين رأوا درية شفيق لم يقتنعوا بأنها يمكن أن تمثل المرأة المصرية.

* نحتاج إلى فقه جديد يمحص ثروتنا الفقهية القديمة، ويضيف إليها فى كل المجالات لا فى قضية المرأة فقط.

* معايير التوريث فى الإسلام ليست الأنوثة والذكورة فقط، ولدينا ردود مفحمة على دعاة المساواة بين الجنسين فى الميراث.

* تخلفنا اقتصاديًا فصرنا مستهلكين لبضاعة الغرب، وتراجعنا فكريًا فأصبحنا مستهلكين للغته، وتغربت العربية.

* جعلت ابني وابنتي صديقين للكتاب، وأنعم الله عليّ بزوجة صالحة أعانتني على التفرغ لمشروعي الفكري وحملت عني أعباء كثيرة.

ـــــــــــــــ

منذ أكثر من عشر سنوات حاورت الفيلسوف الراحل زكي نجيب محمود، وكان يقطن فى الدور الثاني عشر في عمارة شاهقة، وخرجت من عنده بانطباع لا زلت أذكره وهو: أن اختيار المفكر لمسكنه لا دلالة له على مواقفه الفكرية، كان د. زكي نجيب محمود مهمومًا بالطبقة الوسطى، يحلل أدواءها الثقافية بحب، ولا يتأملها من برج عاجي رغم إقامته فى شقة شاهقة الارتفاع. 

 تغير انطباعى حين ذهبت وزميلتاي هناء محمد ونهاد الكيلاني لنجري حوارًا مع المفكر الإسلامي د.محمد عمارة، فهو يسكن فى شقة صغيرة، إسلامية السمت، بضاحية الزيتون. بسرعة وجدتني أربط بين الزيتون الشجرة القرآنية المعطاءة ود.محمد عمارة العقل الإسلامي الثري، بين بيته الصغير المرتب وفكره الرحب الأكثر تنظيمًا، بين حفاوته فى استقبالنا وعدم ضجره بأي فكر غير إسلامي، بل الرد عليه بمنهجية العالم وسلاسة الأديب. وعلى مدى ساعتين ونصف تدفق الحوار ود. محمد عمارة يجلس قبالتنا بعباءته ومسبحته وخلفه مكتبته يأخذ منها ويثريها.          

تعرفنا على د. عمارة الإنسان لنكتشف التمازج الجميل بين الزوج والمفكر، بين الأب والقارئ، بين ابن القرية الأزهري والعلامة الذي يستجلي عالمية الإسلام. قضايا كثيرة شملها الحوار، وقناعات أكثر ستتغير عند من سيقرؤونه، ومفاهيم أكثر وأكثر ستنضم إلى قائمة اهتماماتنا وتمدنا برصيد فكري يؤكد تفرد الإسلام وروعته.

ساعتان ونصف من الفكر نقدمها مشفوعة بأمل في حوارات قادمة، فما زال عند د. محمد عمارة الكثير.

مشروعي الفكري   

** من يقرأ للدكتور محمد عمارة يكتشف نسقًا وإطارًا عامًا يجمع مؤلفاته، نريد معرفة المزيد عن نشأتكم الفكرية والمشروع الثقافي الذي تسعون إلى تحقيقه.   

- نذرني أبي (يرحمه الله) للعلم قبل أن أولد، واجتهدت أن أفي بالنذر فقد ولدت بالريف فى 8 ديسمبر عام 1931 الموافق 27 رجب عام 1350، تعلمت بالقرية وحفظت القرآن فى الكُتّاب، وقد نذر أبي - إن ولد له ذكر - أن يسميه محمدًا ويهبه للعلم ، ثم أدخلني المعهد الديني بمدينة دسوق عام 1945م، وحصلت منه على الابتدائية ثم الثانوية عام 1954 ، ثم تخرجت فى كلية دار العلوم.  

بدأ اهتمامي بالعمل الثقافي منذ فترة مبكرة وأنا طالب إذ تفتح وعيي على قضية فلسطين.

ومنذ تخرجي وأنا شبه متفرغ للعمل الفكري حتى دراساتي العليا (الماجستير والدكتوراه) لم تكن لنيل درجة علمية بل كانت جزءًا من التأليف، وليس بهدف العمل بالجامعة أو السفر للبلاد العربية فقد آثرت مشروعي الفكري على كل شيء.   

وهذا المشروع الذي بدأته وكنت حريصًا على الاستمرار فيه يهدف إلى إلقاء أضواء جديدة بمنهج جديد على الفكر التراثي والفكر الإسلامي وتحقيق نصوص من التراث القديم، والتراث الحديث بحيث نستطيع أن نكوّن عقلية علمية مرتبطة بأصولها الفكرية وتعيش العصر الذي نحن فيه؛ لأن القضية التى نعاني منها في ثقافتنا الإسلامية هي أن لدينا أناسًا متغربين لا يعرفون إلا الغرب، أو أناسًا تراثيين لا يعرفون إلا التراث القديم.    

هناك استقطاب فى الحياة الفكرية: قوم يتقنون الكتابة في الإسلاميات لكن لا يستطيعون محاورة الأفكار الأخرى وكسر شوكتها، وآخرون يتقنون الفكر الغربي ويجهلون قضايا الفكر الإسلامي، فكان مشروعي يستهدف تكوين عقلية إسلامية مرتبطة بالهوية الإسلامية والجذور الإسلامية، وفي الوقت نفسه قادرة على رؤية الإسلام في ضوء الفكر الآخر ورؤية الفكر الآخر فى ضوء الإسلام. وهذا يجعلنا نكتشف ميزات وتفرد الإسلام إذا قارناه بالآخر، وهذا المشروع حاولت تأصيله فى كتبي التي وصلت إلى أكثر من 130 كتابًا. وقد عملت بالهيئة العامة للكتاب في وظيفة في الظل أراجع بعض الكتب الإسلامية ذات الحساسية، وكنت أقوم بهذا العمل من المنزل ولا أذهب للمكتب ولا أمارس عملاً منظمًا بمواعيد، وهذا أتاح لي أن أمتلك كل وقتي، أيضًا كونت مكتبة لي، فالبيت كله مكتبة، ولي منزل آخر فيه غرفة كلها كتب، ومنزل ثالث بالريف فيه غرفة عبارة عن مكتبة أيضًا. وشاركت فى مؤتمرات كثيرة وحصلت على جوائز كثيرة من خارج مصر، وجائزة واحدة من مصر فى السبعينيات، وقد رضيت براتب بسيط جدًا على أمل نجاح مشروعي الفكري، وكنت آخذ إجازات دون راتب وأجلس 18 ساعة لأقرأ وأكتب، وكان أبي (رحمه الله) يساعدني فيبعث إلي بكل خيرات الريف، فلم أعان ضيقًا ماديًا. وعُرضت علي إغراءات كثيرة للعمل بالدول العربية والجامعة، ولكني رفضت لأنني حددت هدفي من أول لحظة وعزمت على ألا أحيد عنه.

البداية كتاب بقرش!

** كيف كانت جذور مشروعكم الفكري في بداياته الأولى؟

-وأنا في معهد دسوق الابتدائي كان أول مقال لي بعنوان "جهاد" عن المتطوعين الذين ذهبوا للحرب في فلسطين قبل الجيوش العربية فى أبريل عام 1948م، ونشر بجريدة "مصر الفتاة"، وعندما رأيت اسمي مكتوباً تحت المقال، وجدت أن هذا هو الوضع الطبيعي، وكنت أدعو الله ألا أكون موظفًا لأن هذا قيد يبعدني عن الفكر، واستجاب الله لي ورزقت بوظيفة مهمتي فيها القراءة، فإذا ذهبت للمكتب فأنا في عمل فكري، وإذا جلست أكملت عملي الفكري. وساعدني على تخيل مشروعي الفكري أنني أثناء دراستي الأزهرية قرأت فى الفكر الغربي عن طريق شراء مكتبة فيها حوالى 400 كتاب، منها كتب كثيرة مترجمة عن الفكر الغربي توفي صاحبها، كان الكتاب بقرش وكانت مكتبة مليئة بذخائر الفكر الإسلامي والغربي أتاحت لي هذه المكتبة القراءة منذ فترة مبكرة في الفكر الغربي، وخلق ذلك عندي توازنًا بين الفكر الإسلامي والغربي، إذ إنني أقرأ التراث الغربى والإسلامي في ضوء نظرتي للأفكار الغربية.    

وقد كتبت مبكرًا الشعر والقصة والمقال، ولكني تفرغت للكتابة الإسلامية المتخصصة. وكان الدافع وراء مشروعي الفكري رؤيتي للحياة الفكرية، كنت أخالط الناس فأجد من لا يعرفون عن الإسلام شيئًا، وأيضًا لا يعرفون عن الأفكار الغربية شيئًا. ولأنني امتلكت قدرًا من الرؤية والتوازن بين الفكر الإسلامي والآخر، عزمت على تقديم مشروع فكري أستهدف منه تكوين العقلية الإسلامية المتوازنة.

**هل غياب هذه العقلية يمكن أن يكون وراء اجتراء الفصيل العلمانى على الإسلام لندرة العقليات القادرة على الرد والدفاع عن العقيدة؟

- فى الواقع أن الشمول والتوازن هما سمتا العقلية الإسلامية، والإسلام لا يخشى الآخر ولا يصادر فكره ولا يصم أذنيه عن دعاوى الآخرين، بل يستنفرهم ليخرجوا ما عندهم، بينما الآخرون هم الذين يصادرون الفكر الإسلامي ويقولون: لا تسمعوا لهذا القرآن.   

إن المنهاج الصحيح فى التفكير يقوم على رؤية الإسلام في ضوء الفكر الآخر لذلك قال سلفنا : والضد يُظهر حُسْنَه الضد وبضدها تتميز الأشياء.   

والإنسان لا يدرك عظمة النور إلا إذا رأى الظلام، وكلما تمعّنا فيما لدى الآخرين اكتشفنا عظمة الإسلام أكثر.. وأكثر.

امرأة صدر الإسلام نموذجًا

** انسحبت حالة "الاستقطاب" التى تحدثتم عنها إلى قضية "المرأة"، فهناك من يؤكدون أن الإسلام كرَّم المرأة وحررها دون أن يردوا على شبهات فريق آخر يطالب بتحرير المرأة في إطار رؤية غربية علمانية، ويعتم على تفرُّد الإسلام فى معالجته لوضعية المرأة. في مشروعكم الفكري.. كيف ترون حل هذه المعادلة الصعبة؟

- هذا صحيح، ولذلك أرى أن وجود العقلية الإسلامية الشاملة ضروري لمواجهة التحديات الفكرية، إذ كيف أقدم نموذجًا إسلاميًا لتحرير المرأة دون أن أرى ما لدى الآخرين.

وفيما كتبت عن تحرير المرأة قلت: أود أن تكون صورة المرأة فى صدر الإسلام هي بداية حركة تحرير المرأة فى العالم الإسلامي، فعندما نقرأ عن السيدة خديجة (رضي الله عنها) والدور الذى قامت به في الدعوة الإسلامية ومساندة المسلمين حتى إن عام وفاتها يصبح عام الحزن، الحزن العام، لا الحزن الخاص لأنها كانت تقف كالطود فى مساندة الدعوة.   

وعندما نركز على نموذج أسماء بنت أبى بكر في المشروع المحوري لنجاح الدعوة الإسلامية التي تؤتمن على السر، وتساهم فى إنجاح المشروع، وغيرهما من النماذج أوقن أن التحرير الغربي لا يمكن أن يقدم مثلها. فما زال بعض الناس حاليًا يجادلون: هل المرأة لها ولاية سياسية أم لا، وينسون أن بيعة العقبة حضرها 73 رجل وامرأتان، واحدة منهما هى نسيبة بنت كعب الأنصارية قاتلت فى أُحُد عندما انهزم المسلمون أو فروا، وكان مع رسول الله (صلى الله عليه وسلم) عدد قليل يُعد على أصابع اليدين كانت منهم وأولادها وزوجها، وهي التي تلقت ضربة ابن قميئة الذي جاء يقول: أين محمد؟ وحاول قتل الرسول (عليه الصلاة والسلام) فحمت هي الرسول، وأخذت الضربة في كتفها، وكان عليه الصلاة والسلام يقول : أنظر يميني وشمالي فلا أجد من يقاتل مثل أم عمارة: نسيبة بنت كعب، وكان يقول لها: من يطيق ما تطيقين؟

إن الإسلام حرر النساء قبل 14 قرنًا ونسخ مجتمعًا كانت المرأة تُوأد فيه وتُوْرث وتعامل على أنها من سَقَط المتاع، بينما الغرب لم يتحدث عن تحرير المرأة إلا فى القرن العشرين، إذن أنا عندما أقارن النموذجين أكتشف عظمة الإسلام، وأدرك مكمن التحرير الحقيقي للمرأة الذي جعل لها ذمة مالية مستقلة وليس معنى ذمة مالية مستقلة أنها تملك فقط، بل تعمل بهذه الأموال وتتاجر وتزرع وتمتلك أسهمًا فى الشركات.

في عام 1903 وجدت في فتاوى الشيخ محمد عبده امرأة مصرية تمتلك أسهمًا فى شركة قناة السويس، والشركة كانت فرنسية في هذا التاريخ، والمرأة كانت تريد أن تبيع أسهمها، ولكن الشركة قالت: إنه وفق القانون الفرنسي لا يجوز للمرأة أن تتصرف في مالها إلا بإذن زوجها، وأرسلت السيدة للشيخ محمد عبده مفتي الديار المصرية آنذاك، فقال: إن المرأة لها أن تبيع وتشتري حسب شريعة الإسلام وقانونه.   

الإسلام له رؤيته الخاصة فى تحرير المرأة وقد كتبت فى كتاب "هل الإسلام هو الحل؟" فصلاً فى نظر الإسلام للمرأة، وقلت: إن المرأة ليست رجلاً، وإن الرجل ليس امرأة، وهناك فطرة التمايز بين الذكورة والأنوثة، وهذا سر سعادة الإنسان، فالمساواة في الإسلام هي مساواة الشقين المتكاملين لا الندين المتماثلين.   

لقد شقيت المرأة الغربية بنموذج التحرير الذي يتحدثون عنه، أما المسلمة فتنعم بالمساواة فى الخلق والتكليف والكرامة والجزاء والمشاركة فى العمل العام، فهذه المشاركة تأتي في إطار الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر والمؤمنون بعضهم أولياء بعض أي متناصرون، وهذا هو أساس النموذج الإسلامي لتحرير المرأة.

ضوابط لا قيود

**هذا رائع ولكن لماذا لم تقدم الحركة الإسلامية فى الوقت الحالى نماذج نسائية هى فى ذاتها ردود حية على مزاعم دعاة التحرير الغربى، ولماذا لازال "سد الذرائع" لافتة كبيرة موضوعة على باب موصد هو باب مشاركة المرأة فى العمل العام عند بعض الإسلاميين؟

- مما يوسف له أن تصور بعض الإسلاميين لقضية المرأة متخلف، وما يزال اهتمام الحركة الإسلامية بالرجال أكثر من النساء، نعم هناك نماذج ولكن ليست بالعدد المطلوب، فبعض الإسلاميين يتحرجون إلى الآن من أن تكون هناك تنظيمات نسائية أو حركات نسائية من باب "سد الذرائع"، وهذا خوف مشروع، ولكن لو توسعنا فيه سنحرّم المباح، ويحضرني رأي الشيخ محمد عبده في موضوع "سد الذرائع"، فهو يقول: إن الإنسان يمكن أن "يشرق" وهو يشرب الماء، فهل يعني ذلك أن نحرم الماء؟ وهل نقطع اللسان لأنه أداة الكذب؟ يجب أن نضبط الأشياء بضوابط الإسلام ولا نكبل حركتنا، فالحقوق لا تمنح طواعية، ومن قراءتي للسنة النبوية وصلت إلى أن المرأة لم تجلس مكتوفة اليدين في انتظار تحرير الإسلام لها، لقد سعت إلى ذلك، وواقعة "وافدة النساء" يستدل منها على أنه كانت هناك جمعية نسائية اجتمعت عضواتها، وتناقشن وقررن إرسال مندوبة عنهن إلى الرسول عليه الصلاة والسلام يطالبن بحقوقهن.

الإسلام لم يسقط مطر التحرير على النساء من السماء بل استنفرهن ليتحركن ويسعين إلى حقوقهن، فلا خوف إذن من منح المرأة كل ما كفله الإسلام لها من حقوق والخطأ وارد، ولن يمكننا تطبيق الإسلام كله بشكل مثالي وإلا توقفت الحياة.    فكلما سعينا إلى تطبيق الإسلام اكتشفنا فيه ما هو أكثر تفردًا وتميزًا فتستمر الحركة والسعي، ويظل لدينا ما يستحق الاكتشاف.

** ولكن كيف نحصن المسلمات من أن يكنَّ مبررًا لسد الذرائع حين يمارسن العمل العام بشكل مفتوح، وبلا ضوابط إسلامية لا تحيد به عن هدفه؟

- الدين هو الحاكم والضابط الحقيقي، وهذا منهاج رسول الله (صلى الله عليه وسلم) فى تعامله مع قضية المرأة، فهو لم يحرم الاختلاط وإنما حرم الخلوة، وعندما كان بعض الرجال يدخلون بيوت النساء وأزواجهن في الغزو قال صلى الله عليه وسلم: "من يخل بامرأة مغيبة بعد يومي هذا أنكل به"، وكانت النساء يخرجن للصلاة حتى الفجر والعشاء في مسجد رسول الله (صلى الله عليه وسلم)، وعندما حدثت عمر بن الخطاب (رضي الله عنه) نفسه بمنع زوجته "عاتكة" - وكانت شديدة الجمال - من الصلاة فى المسجد، وكان منزله ملاصقًا له قالت له: أتنهاني؟ فقال: لا أنهاك لأن الرسول صلى الله عليه وسلم قال: لا تمنعوا إماءَ الله مساجدَ الله، فها هو الخليفة يرغب في شيء ولكن الدين يحكمه ويضبط رغبته.

خلط مرفوض

هذا هو التحصين المطلوب: أن يكون الدين مرجعيتنا لا الأهواء الشخصية، فالمرأة حينما تمارس حق العمل العام لا بد أولاً أن تكون منضبطة بشروط الإسلام، وأن يكون هو حاكمها، فالغزوات كانت محتشدة بالنساء، وكن يخرجن أحيانًا - بغير إذن - حماسًا فغضب رسول الله صلى الله عليه وسلم من ذلك فى غزوة خيبر، وسألهن: خرجتن مع من؟ فقلن : خرجنا لنقدم الطعام ونداوي الجرحى، وكن أيضًا يناولن السهام، وأحسب أن الخلق والتكوين الداخلي هو التحصين الكافي للرجل والمرأة معًا، وحين يتحول القرآن إلى خلق ومنهاج سلوك، وفي كل الأحوال ليس هناك مجتمع بلا خطايا، فمجتمع النبوة أقيمت فيه الحدود ولم يكن مجتمعًا معصومًا.   

وقد اندهش مستشرق كان يحضر درسًا للإمام محمد عبده بالجامع الأزهر في أوائل القرن العشرين حين رأى امرأة تدخل المسجد، وقال للإمام: المرأة عندنا شيطان بلا روح، فكيف تدخل دار العبادة؟ وحتى الآن ما زالت المرأة المسيحية محرومة من لقب "قسيسة"، كما أن بيننا من يصرون على أن صوت المرأة عورة، بينما قرأنا فى السنة عن خطيبة النساء التي كانت تقف على المنابر وتعظ النساء، وعن الصحابية التي راجعت عمر بن الخطاب فى مسألة المهور بصوتها، فقال: كل الناس أفقه من عمر، ولم يقل لها - على شدته -: صوتك عورة! مشكلتنا أننا نخلط بين العادات والتقاليد والإسلام، يتحرج الرجل من مناداة زوجته باسمها ظانًا أن ذلك من الإسلام، بينما كان الرسول صلى الله عليه وسلم يقف على الجبل، وينادي: يا فاطمة بنت محمد، يا صفية بنت حُيي! لقد تخلفنا عن أكثر من 14 قرنًا مضت، هي عمر التحرير الحقيقي للمرأة.

**بعض الجمعيات النسائية العلمانية تدعو إلى إعادة كتابة التاريخ الثقافي للمجتمع العربي بهدف إزالة التهميش عن دور المرأة فيه، هل نستعير هذه الدعوة لنعيد صياغة تاريخ الحركة النسائية الإسلامية؟

- ليتنا نفعل ذلك، فقد قصرت الحركة الإسلامية في تسجيل تاريخ تحرير المرأة فأخلت الساحة للعلمانيين، فلا نحن قدمنا النموذج الإسلامي، ولا نحن رصدنا سلبيات الواقع ونقدناها، نحن إذن المسؤولون عن ترك الميدان للآخرين، ولكن دعوات هؤلاء لن تروج وتفلح فى بلادنا، فالناس لا تسمع ولا تستجيب إلا للإسلام، ولكن موقفه من تحرير المرأة ما زال صفحة مغيبة في كثير من العقول والحركات الإسلامية، وإذا غاب النموذج الإسلامي في تحرير المرأة خلت الساحة للفكر الآخر المرفوض إسلاميًا، بينما إذا حدث العكس انزاح النموذج العلماني تلقائيًا، فإنزال نموذج العدل الاجتماعي الإسلامي على الواقع - مثلاً - كفيل بإزاحة الشيوعية والرأسمالية لأنهما ببساطة لن تجدا مناخًا تعملان فيه.   

نحن ندرك أن هناك تهميشًا لدور المرأة فى حركة التحرير الإسلامي، ونريد أن نزيل هذا التهميش ونوصل للنساء أنهن لن يتحررن إلا بالدين، بينما الحركات الأخرى تدعوهن للتحرر من "الدين"، أو للتحلل، العقلاء يدركون ذلك ودون دعاوى التحرير الغربي . والأمة - إن شاء الله - حجاب، فهؤلاء مجموعة أغلبها لا دين له، ولا سوق لأفكارهم إلا بتقصيرنا نحن، وأذكر أنني كنت صبيًا حين حضرت محاضرة فى معهد طنطا عام 1951 لدرية شفيق - زعيمة حزب بنت النيل - فوجدتها تدخن السجائر وملابسها غير محتشمة، وتضع ساقًا على ساق، فلم يقتنع أحد أن هذه تمثل المرأة المصرية أو بنت النيل. إن المرأة المسلمة يجب أن تقتنع بأن تحررها الحقيقي يبدأ من نموذج السيدة خديجة (رضي الله عنها).

نحتاج إلى فقه جديد

** هل يمكن أن نستخلص من هذه الرؤية أننا بحاجة إلى فقه جديد في صياغة وضعية المرأة في الإطار الإسلامي أم أننا بحاجة إلى إعادة قراءة فقهنا القديم في هذا الشأن؟   

- نعم نحن بحاجة إلى فقه جديد، فقهنا القديم ثروة فكرية لا مثيل لها في العالم، ولكن ليس معنى هذا أن كله صالح، ففيه أفكار بنت عصرها، وليست هي الإسلام، فالإمام ابن القيم مثلاً - وأنا من أشد المعجبين به - له ولابن تيمية كلام جميل في موضوع شهادة المرأة على غير ما يظن معظم من يكتبون عن الإسلام. ولكن لابن القيم عبارة استنكرتها يقول فيها: "إن المرأة تحت أسر الرجل، مثل العبد تحت أسر سيده "!! هذا كلام العصر المملوكي، وليس هذا كلام الإسلام. هناك أفكار في الفقه بنت عصرها، وآراء لفقهاء عصر قديم وهي ليست من الإسلام.   

إن القرآن عندما يتحدث عن رابطة الأسرة يذكر عبارات تحتاج لوقفات وتأمل، بل أحيانًا أقول: تحتاج لشعراء العلاقة بالمرأة، فمثلاً "سكن" للرجل، كلمة سكن: سكينة، لا أظن أن هناك كلمة أرقى منها لتصوير العلاقة بين الرجل والمرأة، (هنّ لباس لكم وأنتم لباس لهن )، كأن عنصرين كيماويين تفاعلا وأصبحا عنصرًا واحدًا ! و "المودة .. الرحمة" من ألفاظ القرآن للتعبير عن عقد الزواج، "الميثاق الغليظ" الذي فسره الإمام محمد عبده فقال: "هذا الرباط الفطري بين الرجل والمرأة يؤكده أن البنت تنشأ فى بيت أهلها، وهم الذين ربوها وعلموها، ولا تعرف سواهم، وبمجرد أن يأتي رجل ليخطبها ويتزوجها تقبل عليه، ربما أكثر مما تقبل على أهلها، وتفضي إليه بما لا تفضي به إلى أهلها وهذه حكمة إلهية. هذا تعبير القرآن عن العلاقة الزوجية ، ولكن جاء عصر تكلم فيه بعض الفقهاء فقالوا : إن عقد الزواج تمليك لبضع المرأة ! هذا كلام لا يليق ولابد أن يسقط ؛ إذ نحن بحاجة إلى فقه جديد نبنيه على الفقه القديم، ونحترم الماضى وننتقى منه ونضيف إليه. نحتاج لفقه جديد فى العلاقات الدولية ، فنحن في عالم وظروف جديدة، لا أعني أن نلغي ما كتب عن دار الإسلام ودار الحرب، فهذه مصطلحات كانت لها ظروفها، ولكن نضيف إليها ونجدد فيها.   

قد كانت نظرات الفقهاء القدماء فى موضوع المرأة بعضها مرتبط بنظرات وظروف العصر، وبوضع المرأة فى هذا التاريخ، وما نحتاجه الآن أن نقدم فقهًا لتحرير المرأة ، متعلقًا بالمرأة ككيان ومشكلات لا بالشعائر والعبادات فقط. وهذا هو السبيل إلى تقديم ما نسميه بالإسلام كنموذج حضاري وبديل حضاري، وكرؤية في العلاقات الدولية والقضية الاجتماعية في حقوق الإنسان، وهذا ما نسميه بالمشروع الفكري الذي يحتوي كل القضايا وليست قضية المرأة فقط.

قضية مغلوطة

**الميراث وتر يضرب عليه دعاة التحرير الغربي ووصل الأمر ببعضهم إلى دعوة متبجحة إلى إلغاء القرآن، ووضع نصوص جديدة "تنصف" النساء - على حد قولهم - وتساوي بينهن وبين الرجال في الميراث . ما تعليقكم؟

- هذه قضية مغلوطة وقد بحثت هذا الأمر ووجدت أن معايير التفاوت في الميراث لا علاقة لها بالذكورة والأنوثة، وهذا يُفحم كل من يتكلم على أن الإسلام ظلم المرأة وهضم حقوقها حين أعطاها نصف الميراث، ويأتي نصر أبو زيد فيقول: إذا كان الإسلام قد أعطاها النصف من 14 قرنًا، فالمفروض أن تأخذ الآن مثل الرجل بل وأكثر، فالأمور متطورة، والذي وجدته أن الإسلام لا يعير أية أهمية لعامل الذكورة والأنوثة في موضوع الميراث، وهناك ثلاثة عوامل تحدد الأنصبة والتفاوت في الميراث هي: أولاً درجة القرابة، ثانياً: موقع الجيل الوارث، وهذه حكمة إلهية توقفت أمامها فوجدت أنه كلما كان الوارث صغير السن كان ميراثه أكثر والعكس صحيح، فمثلاً بنت المتوفى ترث أكثر من أمه، وهذه أنثى وهذه أنثى، ابن المتوفى يرث أكثر من أبيه وهذا ذكر وهذا ذكر. ولكن الإسلام يراعي مستقبل الجيل الوارث. أما المعيار الثالث: فهو العبء المالي، وهذا الذي نجد فيه التمييز للذكر مثل حظ الأنثيين. كثيرون من لا يلتفتون إلى أن الله قال: (يوصيكم الله في أولادكم) ولم يقل: في الوارثين؛ لأن الولد والبنت جيل واحد، ودرجة القرابة واحدة، ولكن العبء المالي هو المختلف، هو يعول واحدة وهي يعولها واحد. فعندما نكتشف الإسلام نرد على كل الدعاوى الأخرى من موقف قوة، وبشكل منطقي مفحم.

عقل غير مبدع

** لصياغة العقلية الإسلامية الوسطية المتوازنة التي يدعو إليها مشروع د. محمد عمارة الفكري هناك أولويات أو جدول أعمال لما ينقص هذه العقلية.. ما أول بنود هذا الجدول في تصوركم؟   

ألاحظ أن هناك إهمالاً لميدان الفنون والآداب، وهذا هو الذي جعل الإبداع في هذه الميادين وقفًا على التيارات الفكرية غير الإسلامية، فنحن كما نفتقر إلى قيادات نسائية فى العمل السياسي والاجتماعي والدعوي، فأيضًا -في ميادين الفنون والآداب- عندنا موقف (إسلامي) يهمل هذا الجانب، وأنا أرى أن هذا الموقف ضارٌّ اليوم أكثر منه بالأمس في ظل العولمة والبث المباشر، إذ أصبحت مواد الثقافة والأدب والفن المتحلل من القيم تأتينا صباح مساء، وتدخل علينا بيوتنا وغرف نومنا وإن لم يكن لدينا بديل إسلامي ستظل الساحة خالية أمام الفن الآخر المتحلل. هذه نقطة أساسية في جدول أعمال العقل المسلم وهي كيف يكون هناك اهتمام إسلامي بالفنون والآداب والإبداع، وكان رسول الله (صلى الله عليه وسلم) ينصب منبرًا في المسجد لحسان بن ثابت ويقول له: "اهجوهم وروح القدس يؤيدك" فكما يستخدم السيف يستخدم اللسان والشعر في معركة وميدان من ميادين الجهاد، فأين نحن من هذا الميدان ؟ لقد تُرِكَ الشعر لشعراء الحداثة وما بعد الحداثة، ولهذا الخبل الغربي، والعدمية والتفكيكية وغيرها، أنا أتصور أن هناك تقصيرًا جذريًا يميت الملكات عند الناس !. هناك استعداد فكري وملكات في الفكر والأدب لكن التربية هي التي تربي أو تقتل هذه الملكات.   

** إذا كنا نجتهد في صياغة المشروع الحضاري الإسلامي فإن قضية اللغة يجب أن تكون ركيزة محورية في هذا المشروع، وأنتم من أشد المتحمسين للعربية، فهل تشخّصون أزمتها؟

- تخلف اللغة العربية له علاقة بقضية العولمة، والارتباط واضح بقدر غرابته، فنحن حين تخلفنا اقتصادياً تحوَّلنا إلى مستهلكين لسلع الآخرين، وحين تراجعنا ثقافيًا وفكريًا صرنا مستهلكين أيضًا للغة الآخرين وتغربت لغتنا. وعندما أدخل محال التسوق أجد كل السلع أجنبية، وقسيمة الشراء مكتوبة بلغة غير عربية، وأسماء المحال كلها غربية، وكأنها تحولت إلى مكاتب استيراد فكري وثقافي شأنها شأن مكاتب الاستيراد السلعي. وصار حلم الأسر العربية المسلمة أن يتعلم أبناؤها فى جامعات أجنبية، ويدرسوا الكمبيوتر واللغة حتى يحصلوا على عمل مناسب، وبدلاً من أن نستهجن تعلم المواد العلمية بلغة أجنبية صرنا ندرس العلوم الاجتماعية والإنسانية بغير العربية، وأصبح منتهى أمل شبابنا أن يعملوا بالسياحة، فالحلم صار اقتصاديًا، مما جعل للغة الأجنبية الأولوية على اللغة القومية.   

هناك صحوات تجب الإشادة بها، وجمعيات تقاتل دفاعًا عن العربية، وعلماء يجاهدون لتعريب العلوم، ولكن الاستمرارية وعدم اليأس مطلوبان ، فنحن للأسف الأمة الوحيدة التي تتعلم بغير لغتها، ومن المحزن أن يحيي الكيان الصهيوني لغته الميتة ليدرس بها كل العلوم ويظل هذا واقع لغة القرآن. ويتوقف الحوار مع د. محمد عمارة، ولا تنتهي التحديات، ويظل كثير من علامات الاستفهام في انتظار حوارات أخرى مع د. محمد عمارة وغيره من مثقفينا الذين يقفون على ثغراتنا وينذرون أنفسهم لاستجلاء التفرد الإسلامي في جميع المجالات، ولتصحيح المعوج، والحفاظ على استمرارية الصحيح .

د. عمارة زوجًا وأبًا

    بدعابة ذات مغزى يقول د. محمد عمارة: إن ابنه د. خالد، وابنته الباحثة نهاد وُلدا "في المكتبة".

ويردف: كان لي منهج في تربية خالد ونهاد يعتمد على خلق ألفة بينهما وبين الكتاب، فكانت لعبتهما الأثيرة " الشخبطة" بالقلم على الورق. وكانت هداياي لهما في كل المناسبات كتبًا، يقرؤون إهداءاتها فيرتبطون أكثر بالقراءة التي نشؤوا يحبونها، وهذا أدى إلى انضباط البيت وهدوئه، فقد كانا يذهبان إلى المدرسة ويتركاني أقرأ، ويعودان ليجداني أكتب، إنهما عاشقان للكتب، ولكنهما اختارا طريقًا علميًا، فخالد مدرّس طب العظام بجامعة عين شمس، وزوجته أيضًا طبيبة، ونهاد تخرجت في كلية العلوم قسم كيمياء حيوية، وتعد الماجستير حالياً في النباتات الطبية، ولدي حفيدان "أحمد وعمر".   

وبلهجة تفيض امتنانًا يقول د. محمد عمارة: من أكبر نعم الله على الإنسان أن يمنحه أسرة مستقرة وزوجة صالحة، وقد حملت زوجتي عني عبئًا كبيرًا ليس فقط في تربية الأولاد، بل في إيثارها لي على نفسها لأتفرغ لمشروعي الفكري، فقد ضحت بدراستها العليا، وتحملت معي صعوبات البداية الكثيرة، وكنا ما زلنا متفقين على أن نجاح أسرتنا وأية أسرة يتوقف على بذل جهد كبير لبناء أسرة مسلمة، فالمال يأتي ويذهب، وقد كان دخلي ضعيفًا جدًا، ولم يدفعني هذا إلى السفر أو قبول وظائف تعطلني عن هدفي، وأعانتني زوجتي الفاضلة، وتفرغت لمشروعي الفكري، وجاء المال - بفضل الله - بعد ذلك وعلى مهل ودون عجلة، وما زالت زوجتي - خريجة الزراعة - تعمل في مركز بحوث الصحراء دون أن تشعرني في أية لحظة بأنها مقصرة في حقي وحقوق بيتها وابننا.

مصدر/إسلام ويب


اترك تعليق