عبد الوهاب الأفندي: كل "الهُويّات" الإسلاميّة والعربيّة الحاليّة.. مصطنعة

By :

الرياض/موقع اتحاد علماء المسلمين 

 

أبرز نشوء الشرق الأوسط الحديث وظهور دوله السياسية بشكلها الحالي عدة قضايا إلى السطح؛ من أهمها العلاقة بين الإسلام والوطنية حيث أصبح التوفيق بين الإسلام والوطنية قضية دينية وأيديولوجية وسياسية ما زالت مطروحة للنقاش، وبينما لا يزال البعض يرى أن الإسلام والوطنية غير متوافقين، يؤكد آخرون أن الوطنية لم تعد فقط حقيقة واقعة وعملية، بل إنه قد تمت (أسلمتها) بطرائق متعددة كما في مصر وإيران والسعودية وأفغانستان وماليزيا وإندونيسيا، ومع استمرار المسلمين في القرن الحادي والعشرين في مناقشة الشكل الأمثل لتطبيق الإسلام على مستوى الدولة والمجتمع؛ فإن من المهم أن يفهم التطور التاريخي للتفاعل بين الإسلام والوطنية في الشرق الأوسط وخاصة في العالم العربي.

في هذا الحوار مع المفكر الإسلامي السوداني الدكتور عبد الوهاب الأفندي الباحث والمتخصص في الفكر السياسي الإسلامي, نلقي الضوء على كثير من الإشكاليات التي صاحبت ظهور مصطلحات الأمة والوطنية، وكيف تم تناولها من قبل الإسلاميين والليبراليين، والدكتور عبد الوهاب الأفندي هو صاحب آراء واضحة وقيمة في هذه القضايا، وقبل سنوات أصدر كتاباً أُثير حوله الكثير من الجدل في الأوساط الأكاديمية والبحثية أجمل فيه آراءه حول الدولة الإسلامية وماهيتها، وكان بعنوان (?who needs an Islamic State). وهنا نص الحوار....

 

* عند الحديث عن مفهوم الأمة والوطن يلاحظ أن غالبية النصوص الفكرية والسياسية المعاصرة في العالم العربي والإسلامي، يغشاها الكثير من الالتباس والتوتر فيما يتعلق بهذين المفهومين ونطاق كل منهما.. فما السبب؟

أهم مصدر للالتباس هو أن الوطنية أو القومية مفهوم غربي في الأساس، بينما مفهوم الأمة مفهوم إسلامي، ويتعلق مفهوم الأمة أصلاً في الإسلام بالرابطة الأخوية الدينية بين المؤمنين، وهي رابطة طوعية اختيارية، وينطلق منها مفهوم الجماعة باعتبارها رابطة تضامنية لحمتها الالتزام بالقيم الإسلامية وتطبيقها في واقع الحياة والترويج لها.

وبالمقابل فإن الرابطة الوطنية هي رابطة تعاقدية ليس لها محتوى سابق على التعاقد نفسه، وهي إن كانت طوعية نظرياً إلا أنها أصبحت في عصرنا هذا إجبارية في الواقع، لأن الإنسان يولد وهو مرتبط بهوية وطنية معينة يصعب عليه استبدالها.

وفي هذا الإطار تصبح الرابطة الوطنية القومية هي أشبه بالرابطة القبلية أو العرقية في السابق. وهناك تطابق بين الاثنين في أحيانٍ كثيرة، كما هو الحال في الهوية الروسية أو الفرنسية أو الأيرلندية وغيرها من الروابط التي تتطابق فيها الهوية الوطنية والعرقية. ويسعى مبدأ تقرير المصير الذي قام عليه النظام العالمي الحالي منذ نهاية الحرب العالمية الثانية إلى خلق أكبر قدر من التطابق بين الهويتين.

وهذا مصدر التباس آخر في الأدبيات العربية؛ لأن الحركة القومية العربية الحديثة تؤكد الهوية العربية الشاملة، وتربط بين مبدأ تقرير المصير والوحدة العربية، ولهذا تستخدم الأدبيات العربية مفهوم الوطنية على خلاف الاصطلاح العالمي الذي يطابق بين الوطنية والقومية. فالدولة القومية هي نفسها الدولة الوطنية، ولكن العرب ابتدعوا مصطلح "الدولة القطرية" للدلالة على الدول العربية المتفرقة، بينما يستعمل مصطلح القومية للدلالة على الرابطة العربية الشاملة.

من الممكن أن يقال إذاً: إن جزءًا من الالتباس سببه الخلاف الأيديولوجي بين التيارات المختلفة في العالم العربي، وإصرار كل تيار على استخدام المصطلحات طبقاً لتوجهاته الإيديولوجية.

مهما يكن فيمكننا إذًا أن نشير إلى مفهوم الأمة بمعناه الإسلامي، باعتباره الرابطة التي تجمع كل المسلمين، وإن كان البعض يستخدم هذا المصطلح كمرادف للرابطة القومية أو الوطنية، كما يقال "الأمة العربية" أو "الأمة المصرية" وهو مقبول لغوياً لأن تعبير "الأمة" تاريخياً كان يحدد بقولنا " الأمة الإسلامية" أو "أمة الإسلام" .

أما الرابطة الوطنية فهي تلك الرابطة التعاقدية التي تعقد بين مواطني دولة واحدة على أساس الحد الأدنى مما يجمعهم.

* هل كان للغرب الاستعماري أي تأثير في الحد من أو تعزيز أفكار القومية والوطنية في العالم الإسلامي؟

التحدي الغربي أثّر بقوة في الاتجاهات الفكرية الإسلامية حتى قبل مرحلة الاستعمار؛ فقد بدأت بعض التيارات تتأثر بالمفاهيم الغربية في هذا المجال منذ نهاية القرن الثامن عشر وبداية القرن التاسع عشر.

وكان المنطلق في كل هذا الشعور يضعف موقف الأمة الإسلامية تجاه الغرب، والسعي لخلق توازن يعيد للأمة اعتبارها. وقد رأت النخب الحاكمة والمفكرة أن نقطة البداية تكون بتقوية الدولة اقتصادياً وعسكرياً عن طريق إدخال العلوم الغربية الحديثة وتطبيق الإدارة المدنية الأوروبية. وهذا بدوره أدى إلى إدخال أفكار مثل القومية كأساس لتنظيم المجتمع وتحديد علاقته مع الدولة.

وقد كان لهذا أثر سلبي على الوحدة الإسلامية؛ لأنه أدى من جهة إلى إدخال وتبني مفاهيم تفرق ولا توحد، حيث حاول الأتراك إدخال ما سموه بـ"الرابطة العثمانية" لتوحيد شعوب الإمبراطورية على اختلاف أديانها وأعراقها، وعندما فشل هذا المسعى قاموا بإدخال مفهوم الطورانية، وهو مفهوم يقوم على الرابطة العرقية التركية، وقد سبب هذا أزمة؛ لأن كثيراً من شعوب الإمبراطورية وعلى رأسها العرب رفضوا فرض هذه الهوية المصطنعة عليهم، وقد أدى إلى ثورات مثل "الثورة العربية الكبرى" (1916-1918م) وتفتيت الدولة العثمانية.

وفي هذه الظروف تم أيضاً تبني مفهوم القومية العربية كرد فعل على فرض "التتريك" على شعوب الدولة العثمانية، وأيضاً لاستيعاب العرب المسيحيين الذين لا تشملهم الرابطة الإسلامية، ولكن تبني الرابطة العربية مقابل الإسلامية أدى إلى خلق مشاكل جديدة لم تكن تطرح في الإطار القديم، وعلى سبيل المثال؛ فإن الأكراد والبربر وغيرهم من المسلمين غير العرب وجدوا أنفسهم في حالة إقصاء بسبب اعتماد الهوية العربية بدلاً عن الهوية الإسلامية التي كانت توحد العرقيات المختلفة في السابق.

جرت محاولات لتفادي هذه المعضلة بالاعتماد على هوية جديدة، مثل الهوية العراقية أو اللبنانية أو الجزائرية. ومعروف أن الوحدات السياسية القائمة هي نتاج مباشر للحقبة الاستعمارية التي قسمت الدول الإسلامية على أسس تخص القوى المستعمرة، وقد لا يكون لها علاقة بواقع تلك الدول. وهذه مشكلة لم تعان منها الدول العربية والإسلامية وحدها، وإنما دول أخرى تعرضت للاستعمار في إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية، ولا تزال تواجه صراعات حول الهوية بهذا السبب.

ولا يعني هذا أن الهويات الجديدة "مصطنعة"؛ لأن كل هوية هي في الواقع مصطنعة، ولكنها تواجه تحديات أكثر في الحفاظ عليها، بما يفرض ذلك من تنازلات ومساومات لاستيعاب التوجهات والمصالح والهويات المختلفة في القطر الواحد.

* لكن ما يلاحظ أن الطرح الإسلامي في كافة تجلياته الكلاسيكية والمعاصرة لم يكن منشغلاً بإشكالية المواطنة أو الأمة بعكس التيار الليبرالي الذي تبنى هذه الإشكالية في كثير من مرجعياته. فما قولك؟

كما ذكرت.. فإن مصطلح المواطنة هو مصطلح غربي يعود في أصوله إلى الفكرين الإغريقي والروماني، حيث كان يشير إلى ساكن المدينة المتمتع بكامل الحقوق السياسية فيها، مقابل المحرومين من هذا الحق وعلى رأسهم النساء والعبيد والأجانب. وقد تطور مفهوم المواطنة في روما الإمبراطورية ليشمل أعدادًا من النخب من خارج المدينة، ولكنه أفرغ من مضمونه السياسي، بحيث أصبحت للمواطن حقوق مدنية دون المشاركة الكاملة في السلطة كما كان الحال سابقاً.

وقد تطور مفهوم المواطنة في الفكر السياسي الحديث ليشمل العضوية الكاملة في المجتمع السياسي وما يرتبط بها من حقوق مدنية وسياسية غير قابلة للتصرف. وارتبطت هذه المفاهيم ارتباطاً وثيقاً بالتوجهات الليبرالية ومنظريها، حيث أكدت المدارس الفكرية الليبرالية على دور الفرد وحقوقه، فارتبطت المواطنة بالنزعة الفردية والحقوق الديمقراطية المعروفة اليوم.

وهذا يجعل من الطبيعي أن تكون التيارات الليبرالية العربية هي التي تتبنى الترويج لمفهوم المواطنة؛ لأن هذا يمثل لب الفكر الليبرالي وجوهر أطروحاته. وبالمقابل هناك النقد الماركسي المعروف للطرح الليبرالي للمواطنة الذي يرى فيه طرحاً أجوف؛ لأن المواطنة الليبرالية تمنح حقوقاً شكلية لعجز الفقراء والمحرومين عن ممارستها عملياً.

إشكالية المواطنة فرضت على الفكر الإسلامي الحديث بسبب واقع التجزئة والتحديات الخارجية التي فرضت وحدة الشعوب الواقعة تحت الاستعمار حتى تتصدى له جماعياً.

وقد سعى الفكر الإسلامي إلى استيعاب هذه الحقائق منذ القرن التاسع عشر، حيث طرح السيد جمال الدين الأفغاني ومحمد عبده في "العروة الوثقى" مفهوم الجامعة الشرقية التي تجمع كل شعوب الشرق المهددة بالاستعمار، بما في ذلك اليابان والصين. وقد سعى الأفغاني كذلك لاستثارة حماس المصريين والهنود بالإشارة إلى التاريخ العريق لهذه الشعوب وإنجازاتها الحضارية.

ولكن الفكر الإسلامي يواجه إشكالاً في هذا الخصوص كونه معنيا أساساً بالجماعة الإسلامية ومشاكلها، فالدولة الإسلامية، محور التفكير الإسلامي الحديث هي أساساً دولة المؤمنين.

ولكن واقع الدولة الحديثة فرض على الفكر الإسلامي التعامل العملي والنظري مع حقيقة وجود مواطنين غير مسلمين في كل الدول الإسلامية الحديثة تقريباً ، هذا إضافة إلى وجود طوائف مسلمة تختلف مذهبياً، مما يحتم أن تستوعب أية دولة عناصر لا تؤمن بالطرح الإسلامي الذي تتقدم به هذه الحركة أو تلك.

وقد بذلت الحركات وبذل المفكرون الإسلاميون جهوداً مكثفة للتعامل مع هذا التحدي أشرت إليها باستفاضة في مقالتي المنشورة بمجلة "المستقبل العربي" (العدد 264، فبراير 2001). ولكن هذه الاجتهادات لم تبلغ بعد حد الاستجابة الحاسمة لهذه الإشكالية، حيث ما يزال قبول الإسلام بحق المواطنة لغير المسلم تحكمه النظرة التقليدية التي كانت تستند إلى وجود الدولة الإسلامية المقتصرة على المسلمين، وتعتبر غير المسلمين "ضيوفاً" ينبغي أن تحسن معاملتهم دون أن يكون لهم من الأمر شيء.

*هل يمكن تحقيق قدر من التوافق بين الإسلام والوطنية؟

الفكر الإسلامي يواجه إشكالات عميقة في مجال التوفيق بين المواطنة والمفاهيم الإسلامية السائدة. نظرياً بالطبع لا يوجد ما يمنع هذا التوفيق، فالإسلام اعترف اعترافاً كاملاً بالروابط القبلية والعرقية والإقليمية، واعتبرها أساساً لتنظيم حياة المجتمع المسلم؛ بل إن الروابط القبلية والأسرية لها مكانها في صميم القانون الإسلامي كما في أحكام الميراث والقصاص والزكاة وغيرها. وقد ظل المسلمون حتى عصرنا هذا ينتسبون إلى قبائلهم ومدنهم وبلدانهم دون غضاضة.

ولكن الرابطة الأساسية التي قام عليها الفكر الإسلامي والممارسة الإسلامية التقليدية تقوم على المطابقة بين الأمة والدولة. فمفهوم المواطنة في الفكر الحديث يقابله مفهوم المسلم في الفكر الإسلامي التقليدي. فكل فرد نطق بالشهادتين أصبح مسلماً، وبالتالي عضواً كامل العضوية في الأمة الإسلامية وشريكاً كامل الشراكة في الجماعة السياسية، نظرياً في الأقل؛ فالمسلمون يسعى بذمتهم أدناهم، وأمرهم شورى بينهم، ولا وتوجد بينهم أسس للتفرقة على أساس اللون أو العرق أو المنشأ.

عملياً بالطبع لم تطبق هذه المفاهيم دائماً، ولكن الإشكال الذي نشأ حديثاً جاء من انتهاء المطابقة بين الأمة والجماعة السياسية، فالحدود الجغرافية الحديثة حالت بين المسلمين والمشاركة في وحدات سياسية خارج وطنهم، بينما ضمت هذه الحدود جماعات من غير المسلمين أصبح لها حقُ المشاركة الكاملُ في القرار السياسي حسب الأعراف الحديثة.

وقد حاولت الدولة الإسلامية منذ عهد التنظيمات في الدولة العثمانية والدستور الإيراني الأول عام 1905م التعامل مع هذا الواقع. ونجد مثلاً دستور الجمهورية الإسلامية في إيران اليوم ينص بوضوح على حرمان المسلمين غير الإيرانيين من المشاركة السياسية، بينما يتيح هذه المشاركة لليهود والنصارى وجماعات أخرى غير مسلمة، وفي هذا بالطبع مخالفة للمفاهيم الإسلامية التقليدية التي تحرم التفرقة بين المسلمين، ولكن هذا واقع أصبح التعايش معه مفروضاً على الدول والجماعات. إلا أن هذه الاجتهادات كانت مجرد تكريس للواقع، ولا تعبر حتى الآن عن اجتهادات ناضجة ومؤسسة تأسيساً واضحاً على المفاهيم والقيم الإسلامية.

*في العالم الإسلامي الآن صور متعددة لاستيعاب مفاهيم الوطنية والأمة، ما تشخيصكم لأبرز هذه النماذج (السعودية، ماليزيا، إيران، مصر، إندونيسيا)؟

نبدأ بالنموذج الإيراني الذي تحدثنا عنه؛ فهو قد بدأ في مطلع القرن الماضي بالسعي لتأطير هوية إيرانية تستوعب التعددية الدينية: (سنة وشيعة وآخرين)، والعرقية: ( فرس، أكراد، عرب، تركمان، أذريين.. إلخ.)، ولكن الذي غلب على هذه الهوية كان الطابع الشيعي دينياً والفارسي قومياً وثقافياً.

وفي عهد حكم (آل بهلوي) تم التركيز على المركب القومي الفارسي على حساب الشيعي، فيما قلبت الثورة الإسلامية هذه الصيغة وأعطت الأولوية للهوية الشيعية.

وهذا بدوره يخلق إشكالاً لأن هناك قطاعاً كبيراً من المسلمين الإيرانيين هم من غير الشيعة، مما يعني إقصاءهم عملياً عن المشاركة السياسية. هذا إضافة إلى وجود كثير من الإيرانيين الشيعة لا يقبلون إيديولوجية الحكم القائمة على مبدأ ولاية الفقيه. إضافة إلى ذلك؛ فإن الخطاب الرسمي الإيراني الذي يغلب التركيز على الهوية الشيعية يستبطن اعتزازاً بالهوية الفارسية مما يجعله يواجه مشكلة مركبة.

السعودية لا تواجه مشكلة تعددية عرقية، ولكنها واجهت وتواجه تعددية قبلية وإقليمية ومذهبية لم يتم استيعابها بصورة كاملة في إطار الهوية الرسمية. التوجه الديني للدولة السعودية صهر الهويات الإقليمية والقبلية ولكنه عمق الخلاف المذهبي..، هناك الآن اعتراف بوجود هذه المشكلة عبر الحوار الذي ترعاه الدولة الآن للتقريب بين القوى المختلفة، ولكن الأمر يحتاج إلى أكثر من ذلك.

في مصر نجد هوية مصرية تعتمد على التاريخ المشترك وقوة الدولة المصرية وعدم وجود الانقسامات القبلية والعرقية. ولكن هناك أيضاً التباين الديني بين المسلمين والمسيحيين، وهو ما لم يتم تجاوزه بعد على الرغم من المحاولات المتتابعة لتشكيل هوية وطنية ليبرالية كانت الغالبة أمام الصراع ضد الاستعمار، أو لتشكيل هوية قومية عربية تربط مصر بمحيطها العربي.

ماليزيا لها وضع متميز ينبع من تعدديتها الدينية والعرقية، وقد نجحت إلى حد ما في صياغة هوية متميزة تقوم على عقد اجتماعي أساسه الديمقراطية والتكامل الاجتماعي.

إندونيسيا ما تزال تواجه مشاكل التعددية الإقليمية والعرقية.

ولكن المشكلة الأكبر التي تواجه صياغة الهوية في كل هذه الدول هي غياب مساحة الحوار والتعامل السلمي الحضاري الذي يتيح إمكانية التوافق على كلمة سواء وفق اتفاق الحد الأدنى على ما يجمع ويحفظ المصالح المشتركة.

*المتتبع لتاريخ ظهور فكرة الوطنية في أدبيات الفكر السياسي في تجلياته المختلفة يلاحظ أنها كانت ليبرالية، ثم انتقلت إلى خطاب طاغٍ لدى التيارات العروبية؛ فهل ستحملها سنة التطور إلى وطنية إسلامية؟

الذي يحكم صياغة الهوية هو الإطار الذي تتحرك فيه الجماعة السياسية، إضافة إلى النظرة للتحديات السياسية القائمة والأطر الإيديولوجية المتاحة للتعامل معها.

في القرن التاسع عشر ومطلع القرن العشرين كان التحدي هو مواجهة التخلف الاقتصادي والتقني والسياسي الذي كان يهدد الدول الإسلامية في استقلالها؛ بل ووجودها. وهكذا رأينا نشأة الهوية الإيرانية والتركية والعثمانية والمصرية تحت قيادة نخب كانت تتهم الحكام وقتها بالمسؤولية عن التقصير.

وهكذا رأينا الثورة الدستورية في إيران وثورة عرابي في مصر وحركة العثمانية الفتاة وتركيا الفتاة وثوراتهما ثم "الثورة العربية الكبرى." وقد قدمت هذه النخب خطاباً للهوية ركز على الأمة (في القطر المعني) ووحدتها وحقوقها في مواجهة الحكام، وحددت الهوية في إطار العدالة التي قامت فيها. الخطاب العروبي كان تطويراً للخطاب الليبرالي، إضافة إلى أنه كان استجابة لتحديات مقاومة الطغيان التركي ثم الاستعمار الغربي.

وأخيراً استجابة للتحديات المتمثلة في قضايا التنمية وإسرائيل والجزائر وغيرها. فكما تأثر الخطاب في المرحلة الأولى بالفكر الليبرالي المهيمن في الغرب، وفكرة القومية القائمة على تقرير المصير للكتل القومية؛ فإن الحركات اللاحقة تأثرت بالفكر الاشتراكي والراديكالي والتحرري.

الفكر الإسلامي عبّر عن صحوة إسلامية استعادت فيها النظرة الإسلامية زمام المبادرة بعد أن زالت سطوة الانبهار بالنماذج الخارجية. ولكن الملاحظ أن الصحوة الإسلامية قامت في نفس الإطار القائم والمتمثل في الدولة القومية.

ولكن هذا الإطار خلق مشكلات للفكر الإسلامي لم يستطع بعد تجاوزها كما أسلفنا؛ لأن الدولة القومية تجمع في إطارها جماعات غير مسلمة وقوى مسلمة تختلف حول تفسير المرجعية الإسلامية أو ترفضها كلية، وهذه القضية يمكن حلها إذا قام إجماع في بلد معين حول رؤية إسلامية للهوية والمواطنة، وهناك تقدم في الفكر الإسلامي باتجاه طرح من هذا القبيل، ولكن هذا الهدف لم يتحقق بعد.

* إذًا كيف تُقيم وتقرأ الأفكار التي قدمها منظرو التيار الإسلامي المعاصر حول قضايا المواطنة والأمة, وما طرح من حلول بشأن إشكالاتها؟

أحيل هنا مرة أخرى إلى المقالة التي أشرت إليها في مجلة "المستقبل العربي". ويمكن أن نقول تلخيصاً هنا إن الطرح الإسلامي شهد تطوراً باتجاه الاعتراف بالدولة القومية كإطار للجماعة السياسية، والقبول بحق الآخرين في عضوية هذه الجماعة.

ولكن الطرح الإسلامي لم يتوصل بعد إلى صيغة تعطي هؤلاء الآخرين حق المساواة الكاملة في المواطنة.

من جهة أخرى؛ فإن المسؤولية في حسم هذه القضية لا تقع على الفكر الإسلامي وحده، لأن القضية قضية حوار بين شركاء في المواطنة.

* في رأيكم هل كان استيعاب قيم الحرية والعدل والمساواة في الجانب العملي للدول العربية والإسلامية موازياً لاستيعاب مشروع الوطنية السياسي؟

إن أحد أهم الأسباب في تعثر تطور مفهوم واضح وقابل للتطبيق لقضية المواطنة هو مجافاة النظم القائمة لقيم الحرية والعدل والمساواة. فأصل فكرة المواطنة هو العضوية الكاملة في الجماعة السياسية على أساس المساواة الكاملة، ووفق نظام يتيح للجميع المشاركة الفاعلة في تسيير أمورهم. النظم القائمة في العالم الإسلامي مع استثناءات قليلة تحصر المشاركة السياسية الحقيقية في فرد واحد أو فئة حاكمة تعامل الآخرين كرعايا عليهم فقط السمع والطاعة. فبعض الدول تقسم المواطنة درجات، ولكن في واقع الأمر هناك مواطن واحد هو الحاكم، فرداً أو فئة، بينما لا يتمتع الآخرون بأدنى حقوق سياسية.

الفكر الإسلامي الحديث أغفل التركيز على قضية الحرية والمشاركة السياسية، رغم أن التاريخ الإسلامي وقيم الإسلام ركزت على قضية المساواة بين المسلمين ومسؤوليتهم التضامنية عن شؤون الأمة، ولكن الفكر الإحيائي الإسلامي بحسب تجلياته في فكر الحركات الإسلامية أو ممارسات الأنظمة التي تنادي بالإسلام قام على مفهوم الوصاية من قائد أو فقيه أو أمير يكون هو الواسطة بين الله والناس، والأمين على تطبيق الشريعة بمعزل عن الأمة.

وهذا فهم أقرب إلى الشرك، لأنه يعطي الحاكم قداسة وعصمة لا مكان لها في الإسلام، ويغفل دور الأمة ليس في الرقابة على الحاكم فقط، وإنما في المشاركة الكاملة الفاعلة في إدارة شؤون المجتمع عبر الشورى والنصيحة واستنباط الأحكام وردع الخارجين عنها.

هناك إذاً حاجة إلى مراجعة الفكر الإسلامي والابتعاد عن التعلق بأوهام الإمام المعصوم، حاضراً كان أو غائباً، والنظر في كيفية بناء مؤسسات تتيح للأمة مجتمعة أن تكون الوصية على نفسها، وهذا يستتبع معاملة كل المؤمنين على قدم المساواة وابتداع مؤسسات تكرس هذه المساواة وتستجيب لقيم الشريعة التي تحيل الكل راعياً ومسؤولاً عن رعيته. 


اترك تعليق