بن بيه: نحتاج لتطوير الديمقراطية من الاحتكام إلى التراضي

By : موقع أون إسلام: حوار/ وسام فؤاد
في هذا الحوار، ينطلق العلامة عبد الله بن بيه من رفع سقف الاجتهاد بصورة مطلقة فيما يتعلق بالفقه السياسي أو الفقه الكلي للأمة الإسلامية، متواصلا مع مقولة إمام الحرمين أن "مظان الأحكام الشرعية التي تتعلق بالإمامة لا يوجد فيها يقين"، وهي المقولة التي تدفعه صدقيتها للتأكيد على أن الفقه السياسي مساحة مرنة جدا. وأوضع فضيلة الشيخ بن بية نائب رئيس الاتحاد العالمي للعلماء المسلمين؛ لشبكة أون إسلام.نت أن هذه المقولة تعد إطارا يقرأ ضمنه قوة وكثافة التغيرات التي حدثت في الوطن العربي، وإن كان قد تجاوز الحدود الجغرافية بالنظر لاعتباره أن التغيرات التي تحيط بنا عالمية الطابع، وأنها تغيرات تأتي في فضاء عولمي يجعل التحيز المكاني الجغرافي غير ذي قيمة من حيث علاقة أي قطر بما يتفاعل حوله من متغيرات.استمع للحوار كاملا.

وفيما يتعلق بنصيب العالم العربي من التغيرات الحادثة، تخير فضيلة الشيخ بن بيه أن يبدأ من ناحية وضع العلاقة بين الشورى والديمقراطية في تاريخنا العربي، على اعتبار أن التغيرات العربية يقع في القلب منها مطلب الديمقراطية. ويلفت بن بية إلى أن الديمقراطية ولدت في الغرب كنظام سياسي تجاوز الحالة القيمية باتجاه البناء والتكوين المؤسسي، بينما لم يكن الحال كذلك بالنسبة للشورى التي أشار إلى أن الإسلام أقرها وزكاها كقيمة اجتماعية وكنظام حكم؛ وإن لم تحظ عبر تاريخنا بفرصة التحول إلى حالة مؤسسية وإن كانت قد تركت موروثا فقهيا كبيرا؛ تجاوز حضور الشورى فيه المجال السياسي لتبسط حضورها حتى على الصعيد التشريعي والفقهي.

وأفاد بأن التغيرات التي تشهدها أوطاننا ستؤثر بلا شك على نظام الحكم، وأنه يرى فضيلة في أن يكون هذا التأثير مؤصلا شرعا بما يدفع المفاسد ويحقق المصالح، كما رأى ضرورة أن تنشأ حالة اجتهادية تعمل على معالجة اغتراب الفقيه عن الأفكار والأنظمة السياسية المعاصرة التي تمتلك صلاحية تجاوز خصوصيات الثقافات، وتوطين الوعي بها، والاتجاه نحو تفعيل قيمة الشورى من خلال مؤسسات الديمقراطية. وهو يرى أن الاحتراز في هذا الإطار التوطيني واجب، وأنه متاح في إطار تلك البلاد التي مرت بخبرات أسفرت في النهاية عن اتجاه إرادتها نحو الاحتكام للديمقراطية لتجنب الأسوأ، وأوضح دواعي هذا الاحتراز بالنظر إلى أن الفلسفة السياسية الغربية يقوم اليوم بمراجعة قيمة الديمقراطية العددية، وهو ما أشار إليه الشيخ بن بية بسرد آراء تبدأ من رؤى أرسطو التي كانت تعيب في الديمقراطية، وانتهاء بالنقد المعاصر للديمقراطية؛ وبخاصة الديمقراطية العددية. وأكد بن بية على ضرورة بناء ديمقراطيتنا على التراضي وليس مجرد الاحتكام؛ مشيرا لأن التراضي وسيلة لإرضاء التفاوتات لا القفز عليها. وفي هذا الإطار دعا للنظر للأنظمة السياسية الوافدة نظرة نقدية بناءة.

وفيما يتعلق بالتجديد الفقهي المرتبط بتغير الوضع السياسي في عالمنا العربي، وفيما يتعلق بسؤالنا حول اتجاه الفقه الكلي أو الفقه السياسي لوضع الأمة وليس السلطة في مركز بنائه، تحدث الشيخ بن بيه عن صعوبة تحول فرض الكفاية إلى فرض عين، لافتا إلى أن الإمامة من فروض الكفاية، وأن خبرة النبي صلى الله عليه وسلم في ممارسة الإمامة كانت من خلال تحويلها لفرض كفاية، حيث كان دائما يعامل الناس من خلال نوابهم/ عرفائهم/ نقبائهم. أكد الشيخ بن بية أن حق الإمامة هو حق لخدمة الأمة باعتبارها صاحبة البيعة، وأن للأمة أن تفوض بعض حقوقها لوكلاء عنها حتى تتمكن من ممارسة هذه الحقوق. لكنه أكد أن البيعة لا تتم إلا بالتراضي، لافتا لحكم أمير المؤمنين عمر بأن الإكراه في البيعة العامة مدعاة لقتل من نصب على الناس بغير رضاهم.

ودعا الشيخ بن بيه لعدم استبعاد البعد الرباني من عقد البيعة، ولفت إلى ان البعد الرباني في الممارسة السياسية يبقي الضمير حيا، وبخاصة ضمير السياسي الحاكم. لكنه أردف بهذا ضرورة أن تعمل الأمة على تفعيل أدوارها الرقابية التي أقرتها الشريعة وزكتها بقدر ما زكت ضرورة حسن اتباع الإمامة. ورأى أن الموازنة بين الرقابة الصارمة وحسن اتباع الإمامة هو من دلالات وسطية هذه الأمة التي قدر لها موقعها الجغرافي الوسطي بقدر طابعها الثقافي الوسطي ان تستفيد من كل من الشرق والغرب وأن تأخذ النافع وتوازن في تناول الوافد.

وفيما يتعلق بتعددية الإسلامية الراهنة في مصر، مع التنوع الثري المميز والواسم لهذه التعددية، دعا الشيخ عبد الله بن بيه شبكة أون إسلام نت إلى أن توصل كلمته للإسلاميين بأن "يفيضوا مجالسهم بينهم"، ونسب الكلمة لأمير المؤمنين عمر بن الخطاب رضي الله عنه الذي خطب في الصحابة داعيا إياهم لما معناه إزالة الحواجز بين مجالسهم وبين أتباعهم. ولفت إلى أن دعوته هذه لا تعني إزالة الاختلافات، لكنه دعا لعدم نسيان المشتركات ورفض استبدال العداوات بهذه المشتركات؛ بما رآه يشوه الدين ويضل مصالح الناس. ونبه الشيخ بن بية إلى أن الإقصاء أمر غير مقبول، ولفت إلى أن "تنازع البقاء يؤدي للفناء".

وضمن رؤيته لتديين السياسة وبسط أخلاق الإسلام فيها، دعا الشيخ بن بية الإسلاميين لأن يقدموا لبعضهم ولأنفسهم أحسن ما عندهم، بدلا من أن يتخيروا أسوأ مما عند الناس فيرشقون به بعضهم البعض. ورفض الشيخ بن بية أن تسود بين الإسلاميين ما أسماه "عقدة الأقارب" التي عنى بها أن "تكون المشكلة الأساسية للإسلامي مع أقرب الناس إليه من حيث التوجهات الفكرية".


اترك تعليق