القرضاوي: نرفض الدكتاتور ونعاديه سواء لبس عمامة الشيخ أو خوذة الجندي أو برنيطة الخواجة

By :

أكد العلامة الدكتور يوسف القرضاوي رئيس الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين أن أمتنا ترفض كلَّ مظهر للفساد والاستبداد، أيًّا كان اسمه وعنوانه، وبين في حواره مع جريدة "الأخبار" المصرية أن أمتنا تريد أن تتحرَّر من القديم بكل سوءاته السياسية والاقتصادية والثقافية، وأن تبني أمة جديدة، متناولا في حديثه الأوضاع الآن في مصر، بعد مرور 10 أشهر علي الثورة...

حوار/ أمير لاشين

يعرفه الجميع بحكمته وعلمه الغزير وفقهه الذي يتدفق علي جميع أنحاء العالم الاسلامي..له قدرة قلما يتمتع بها غيره علي رصد وتحليل وتفسير الواقع.. انه الدكتور يوسف القرضاوي العالم الجليل والفقيه الفاضل الذي لا تخفي علي أحد مواقفه الشجاعة في عهد النظام السابق وآراؤه التي انتصر فيها للحق والعدل وألهمت الملايين من ابناء الشعب العربي للثورة علي الظلم والاستبداد.

حاورنا الدكتور يوسف القرضاوي محاولين ان نفسر معه ما الذي يجري علي الارض وما المخرج من ازماتنا المتكررة خلال الفترة الماضية؟

* كيف تري فضيلتكم الأوضاع  الآن في مصر، بعد مرور 10 أشهر علي الثورة؟ 

** أنا قوي الثقة بمصر وبشعبها وأبنائها، وأري أنها دائما وفيَّة لا تغدر، صادقة لا تكذب، مؤتمنة لا تخون، ومهما تصبها الأحداث، وتتقلب بها الأحوال فالخير غالب عليها، كما رأينا في هذه الأشهر العشرة.. علي أن هذا لا يعني أن نسلِّم أو نستسلم لما يدبِّره الآخرون لها أو لنا، فلتكن أعيننا في رؤوسنا، وأيدينا مستعدَّة للحركة والنشاط في كلِّ وقت. والحركة بركة، والجمود هَلَكَة. ولست خائفًا علي المستقبل إن شاء الله.

ولعل فيما أعلنه المجلس العسكري من توقيتات لانتخابات المجالس النيابية وانتخابات الرئاسة، والتفاهمات التي تمت بين القوي السياسية ورئيس الأركان الفريق سامي عنان خارطة طريق للخروج بمصر من الأزمة..ولا بد من إجراء تحقيق فوري في الأسباب التي أدت إلي الأحداث المؤسفة الأخيرة، ومحاسبة المسئولين عن قتل كثير من المصريين وإصابتهم.

*  هناك حالة من القلق علي مستقبل البلاد تنتاب البعض، في ظلِّ  الوضع السياسي الحالي، الذي يشهد تباينا وخلافا واسعا بين التيارات والقوي السياسية المختلفة، هل تخشي علي البلاد من هذا الخلاف؟ 

** من شأن الناس أن يختلفوا في الأمور التي تنزل بهم، ومن شأن الخلاف أن يشتدَّ ويتَّسع، في الأمور الكبيرة والجديدة التي فاجأتهم، ولا عجب أن نجد في مصر اختلافا كبيرا بين الناس بعد الثورة، فقد سقط الحكم، وانتهي الرئيس، وسقط الدستور، وأتيح للناس أن يبدأوا حياة جديدة، غير الحياة الماضية، التي أفسدتها السياسة الظالمة والمنحرفة، ولم تترك للعاملين بعدها حجرا سليما، يمكن أن يبني عليه شيء جديد.

إنها فرصة لنا لنعيد بناءنا كلَّه بأنفسنا، بأيدينا، لا ندَّخر وُسعا، ولا نبقي جهدا لأجل وطننا ومستقبلنا، ولا داعي للقلق وللخوف المفرط، فالوطن بخير والأمة بخير، وقد كانت آراؤها من قبل ضائعة وكامنة، والحمد لله وجدت فرصة لتنفتَّح  ولتظهر، ولا حرج في ذلك، ولا قلق منه، إنما يكون الحرج والقلق إذا ساء ظنُّ الناس بعضهم ببعض، وكره بعضهم بعضا، وضاق بعضهم ببعض، وهو ما لا يجب أن يكون، ولا يجوز أن يكون.

ومن ذلك أن يتغير وضع المجلس العسكري الذي يحكم مصر حاليا، كما يشكو كثير من الناس اليوم، وما عدا ذلك فإن الخلاف طبيعي بين البشر، ولا سيما إذا فهم الناس ما سمَّيناه: فقه الخلاف، وأدب الخلاف، وقد فصَّلناه في كتبنا، أما إذا تناسينا ذلك، ورمي بعضنا بعضا بالتكفير أو التبديع أو التخوين أو غير ذلك فهذا هو الخطر.

* كيف تقيِّم الأداء السياسي للتيارات الإسلامية في مصر؟

** التيارات السياسية في مصر متنوِّعة ومختلفة، وإن كانت كلُّها متَّفقة علي الإسلام، ولكن مفاهيم الإسلام ومضموناته الكلية المطلوبة ليست واحدة لدي الجميع، ومن هنا تختلف مفاهيم إسلامية كثيرة عند كثير منهم: فقد يشدِّد بعضهم في أمر، علي حين يراه آخرون أنه ليس بذاك، ولا يستحقُّ كل هذا الخلاف..وقد تشدَّد بعضهم في أمر كثيرا، ثم بالبحث المستقلِّ يظهر أنه أمر مما اختلف فيه السلف اختلافا كثيرا، بحيث لا يمكن أن يسمَّي منكرا، إلا عند مَن يعتقده كذلك، بخلاف مَن يخالفه، وهم كثير.

وهناك كثير من ذلك في الموضوعات الشهيرة، مثل الخلاف في الغناء والموسيقي، والتصوير، والتمثيل، والقصص، والتنكيت وغيرها، مما لا يجوز القول فيه بالتحريم المطلق، أو الإحلال المطلق، بل لا بد فيه من التقسيم والتوضيح والتفصيل، دون الرجوع إلي غلواء المبالغين في التحريم أو التحليل.

كلُّ ما نطالب به الإسلاميين جميعا أيا كان موقعهم: أن يتقوا الله في بلدهم وشعبهم وإخوانهم، وألا يتعالوا علي الناس، وأن يقولوا لهم حسنا، وأن يعلموهم العلم الحسن، والأدب الحسن، والمعاملة الحسنة، وأن يقولوا للناس كلِّ الناس: نحن وأنتم مسؤولون عن هذا البلد، سيسألنا الله تعالي عن كلِّ مَن فيه، وكلِّ ما فيه، وان يتعاملوا مع إخوانهم الإسلاميين بكلِّ ثقة وأدب وتواضع، وأنهم جماعة واحدة مسئولة عن توصيل دعوة الإسلام إلي الناس، حتي يعود البلد - كما هو الأصل - مسلما حقًّا، مسلما في عقيدته، وفي فكره، وفي شعوره، وفي تعبده ومعاملته، في تعامله مع ربه، ومع نفسه، ومع غيره، مسلما أم غير مسلم.

* ما ملاحظاتك علي الأداء السياسي لجماعة الإخوان المسلمين بعد الثورة، في ظلِّ الاتهامات الموجَّهة لهم بالرغبة المبالغ فيها للوصول للحكم؟

** أعتقد أني لا أبالغ إذا قلتُ: أن الإخوان المسلمين - خصوصا فيما تجسدوا فيه اليوم سياسيًا - في حزب (الحرية العدالة) أصبح أداؤهم السياسي المشهود للناس أداء حسنا، غير مصحوب بالخوف المَرَضي، أو الشح الهالع، أو الجبن الخالع، وأصبحتُ أري عددا منهم قد صاروا أمامي مثالا للواقعية الجادة، وللصدق الناصع، وللسهولة المُرضية.

ولا يجوز اتهام الإخوان بالرغبة المبالغ فيها للوصول إلي الحكم، فهذا ليس بصحيح، بل الإخوان في الواقع بالغوا في تقليص أنفسهم أكثر من اللازم، وقد حاورتُ بعضهم، وحاولتُ أن أدفع عنده هذه الفكرة الحاضرة، والمانعة من التوغل في المجتمع، لأني أري خطر التفريط الكبير في ذلك، يورد الإخوان مورد التهلكة، ويحرمهم من خير كثير يتوقونه عامدين.

أنا شخصيا أنصح الإخوان أن يكونوا أجرأ وأشجع في خوض المعركة الانتخابية، وأن يتوكلوا علي الله، ثم يعتمدوا علي الثقات من أبناء الشعب المصري القوي الأمين.

* هل من مصلحة البلاد الآن وصول الإخوان المسلمين أو التيار الإسلامي عامة للحكم؟

** نعم كلٌّ المصلحة لبلادنا، الآن وصول الإخوان المسلمين، والتيار الإسلامي للحكم، وهذا هو موقعهم، وهذا هو دورهم وواجبهم، فقد وثقت الأمة بهم، وأعطتهم أصواتها وحصرت أنفسها في نصرتهم، وحملتهم المسؤولية، فلا يحل لهم أن يغدروا بالأمة، أو يخلفوها، أو يضيعوا أمانتها.

وما لهم لا يتحملون الحكم اليوم، وطالما حاربهم الحكام الظالمون، وأودعوهم السجون، وألقوا عليهم الأكاذيب والاتهامات الباطلة، وظلوا كذلك نحو ستين عاما أو تزيد، فهم اليوم أهل لأن يسدوا الثغرة، ويتحملوا الأمانة، ويقودوا المسيرة، والله يوفقهم ويهديهم للتي هي أقوم.

وهذا لا يمنع حقوق غيرهم من الوطنيين المخلصين في الوصول للحكم، والمشاركة في إدارة البلاد.

* البعض يخشي من أن يتخذ الغرب وصول الإسلاميين للحكم كذريعة للتدخل في شئون الدول العربية، تحت مزاعم وصول متشددين دينيين للحكم فيها؟

** الغرب يا أخي ليس سيدنا، وإنما سيدنا هو الله عز وجل، الذي له الخلق، وله الأمر، وله الحكم، وهو رب الناس، ملك الناس، إله الناس، أما نحن فسادة أنفسنا، نحكم بما شئنا نحن، لا بما شاء الغرب أو الشرق، والحق أننا نحكم بما شرع الله لنا، {أَفَغَيْرَ اللَّهِ أَبْتَغِي حَكَمًا وَهُوَ الَّذِي أَنْزَلَ إِلَيْكُمُ الْكِتَابَ مُفَصَّلًا}

نحكم بشريعة ربنا، وفق اجتهادنا نحن، لا اجتهاد عصور مضت، ولا اجتهاد آخرين يحكمون لنا، بل نحن نحكم وفق قوانين الشرع وقواعده، مفرقين بين الأصول والفروع، بين الحقوق والواجبات، بين الواجب الضروري والواجب الممكن تأجيله، وتقديم ما يجب تقديمه، وتأخير ما يجب تأخيره، إلي آخر هذه القواعد التي لا يستغني عنها مجتهد اليوم. وسنشهدهم إسلاما في منتهي السهولة والتيسير.

أما دعوي وصول متشددين دينيين للحكم، فهي دعوي لا دليل عليها، بل تردها كل الوقائع والحيثيات، حتي لقد فهم الجميع اليوم أن الإخوان المسلمين يمثلون اليوم (يسر الإسلام) الذي نادي به القرآن:{يُرِيدُ اللَّهُ بِكُمُ الْيُسْرَ وَلَا يُرِيدُ بِكُمُ الْعُسْرَ}.]، {يُرِيدُ اللَّهُ أَنْ يُخَفِّفَ عَنْكُمْ وَخُلِقَ الْإِنْسَانُ ضَعِيفًا}  ويسر السنة النبوية، الرسول الكريم يقول: "إنما بعثتم ميسرين ولم تبعثوا معسرين" رواه البخاري والترمذي وغيرهما.

* لكن هناك بعض القوي الإسلامية التي تري ضرورة  تطبيق الشريعة الإسلامية الآن، هل الوقت مناسب لهذا من وجهة نظر فضيلتكم؟

** الشريعة الإسلامية أنزلها الله تعالي ليحكم بها عباده، وهي رسالة رحمة وسعة، كما قال تعالي: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} وهي فرج للناس وليست تضييقا عليهم، كل ما تحتاجه الأمة اليوم: فقهاء حقيقيون، يحسنون فهم الشريعة، وفهم الحياة، ويزاوجون بينهما، ويعرفون الحكم بمقدِّماته وشروطه ولوازمه، ولا يستعجلون تطبيق الأحكام، قبل أن تتعلم الأمة، وتعمل بموجب شريعتها، وتعطي فرصة كافية للتنفيذ المتدرج، في كثير من الأشياء، فهذا هو الواجب اليوم. الإسلام لا يريد كثرة قطع الأيدي التي تسرق، بل يريد قبل كل شيء منع الأيدي أن تسرق، وليس العدل أن تسارع إلي قطع يد السارق، قبل أن تهيئ له العمل المناسب، الذي يأخذ منه رزقا له ولعياله.

* هل تتوقع أن تلقى التيارات الإسلامية القبول الشعبي خلال الانتخابات المقبلة؟

** نعم أتوقع ذلك، بل أراه بعيني في وقائع ملموسة، في النقابات: نقابات الأطباء والمهندسين والمحامين والمعلمين وغيرها، وفي نوادي هيئات التدريس، واتحادات الطلاب في الجامعات، وفي كثير من ميادين الحياة التي يدخل فيها الإسلاميون مع غيرهم، فقد وجدنا الشعب بحسه الفطري والعملي يختار الجانب الإسلامي، ويستريح في التعامل معه.

ورأينا ذلك في الانتخابات الجزئية التي حدثت في البرلمان في بعض العهود، ورأيناه في الاستفتاء الذي حدث في شهر مارس الماضي، كما رأيناه واضحا ناصعا في انتخابات تونس، وسنراه بقوة إن شاء الله في الانتخابات المقبلة، لقد يئس الشعب طويلا من غير الإسلاميين، ولا بدَّ له أن يجرب حظه مع الإسلاميين وأعتقد أنه سيفوز إن شاء الله.

*  هل لدي التيار الإسلامي في مصر القدرة علي طمأنة المتوجسين من وصوله للحكم؟

** نعم للتيار الإسلامي القدرة علي طمأنة المتوجسين من وصول الإسلاميين إلي الحكم، فالتيار الإسلامي في مصر أساسه الإخوان المسلمون، وهؤلاء لا شك في اقتدارهم علي طمأنة المتوجسين بما لهم من فهم وتاريخ طويل، ومعهم كذلك تيار السلفيين، وبعض علماء الأزهر، وبعض الدعاة والجمعيات الدينية، فهؤلاء جميعا يمثلون التيار الإسلامي بأجزائه ومكوناته المختلفة، ولهم وجودهم وحضورهم الظاهر في المجتمعات الإسلامية.

*هل لدى التيارات الإسلامية القدرة علي ممارسة العملية السياسية  وإدارة البلاد حاليا، في ظل غيابهم عن المشهد السياسي خلال السنوات الماضية؟

** إن التيار ألإسلامي هو المؤهل الأول القادر علي القيادة والمسئولية، وستشهد بذلك الأيام ، بعد ان عجز وفشل اعضاء الحزب الوطني  واقعيا وتاريخيا، وتسلمنا البلد منهم خاويا من كل شيء يرقي بالأمة، ويبوئها مكانا عليا، جديرا بها.

*  هناك مَن يري ضرورة عزل أعضاء الحزب الوطني المنحل سياسيا، وهناك مَن يري أن الحظر والعزل طريقة اتبعها النظام البائد، وعاني منها الإخوان، ويجب عدم تطبيقها بعد الثورة، إلي أي الرأيين تميل؟

** عزل أعضاء الحزب الوطني المنحل سياسيا علي الأقل هذه المرة، يمنعهم من الترشح ودخول الانتخابات التي استغلوها وأفسدوها ودمروا كل خير يمكن أن يصدر منها، هذا العزل كان مطلوبا لدي جمهور المصريين، وهو عقوبة ليست لكل أعضاء الحزب الوطني، وهم حوالي ثلاثة ملايين، ولكن واحد من كل ألف فقط، أي ثلاثة آلاف شخص هم الذين يُمنعون من الترشح ولكن أصدرت الحكم من المحكمة الإدارية العليا يبيح لهم هذا، فجاز لهم أن يقتحموا علي الناس ميدان الترشح، ومعهم الملايين التي تسمح لهم بكل سهولة خوض المعركة.

وكل ما نريده أن تقف جماهير الشعب وجنوده لهم بكل قوة، وترفض أن تعطيهم صوتهم، وأن تقول لهم : لا. بكل صراحة. ولسنا بهذا نظلمهم، بل نحن في الحقيقة نريحهم أن يكونوا لنا (خميرة عكننة) في أي مجلس يشاركون فيه، وحسبهم أن ينجو بأنفسهم.

وأصدر المجلس العسكري قانون العزل السياسي في وقت متأخر جدا، وبه بعض العيوب، ولا ندري إمكانية تطبيقه الآن.

* هناك مَن يطالب  بالعفو عن الرئيس المخلوع مبارك لأسباب تتعلَّق بتقدمه في العمر، هل توافق علي ذلك؟

** من العجيب أن (مبارك) يظلُّ يحكمنا ويدوس علي رقابنا، ويتحكَّم فينا كبارا وصغارا، حتي أُسقط من كرسيه، فلما سقط جاء مَن يقول: إنه شيخ كبير، ضعيف البدن، مسكين، لا حول له ولا قوَّة، فاعفوا عنه يعفُ الله عنكم، وارحموه يرحمكم الله!!

وهذا إنما يُقال للمغفَّلين الذين لا يعقلون، ونحن إنما نحاكمه أمام قضاة مدنيين عاديين، يخاطبون كلَّ الناس، ويدعونه وهو نائم علي ظهره، ولا يكلِّفونه شيئا يقهر أو يعوق، فماذا يريد مبارك أكثر من هذا؟{وَسَيَعْلَمُ الَّذِينَ ظَلَمُوا أَيَّ مُنْقَلَبٍ يَنْقَلِبُونَ}.

*  هل ما زلتَ تري أن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح هو المرشح الأفضل للرئاسة، وماذا عن رأيك في عمرو موسي والدكتور العوا وأحمد شفيق والبرادعي؟

** لم أكتب قبل ذلك: إن الدكتور عبد المنعم أبو الفتوح، هو المرشح الأفضل للرئاسة! وإن كنتُ قد قلتُ ذلك لبعض الإخوة، في أول الأمر، قبل أن يترشَّح آخرون للرئاسة، وسوف أعلن رأيي في المرشح المناسب في حينه.

* هل أزعجك  وصف البعض لك بخوميني الثورة المصرية،  بعد  نزولك ميدان التحرير عقب الثورة؟

** لم أنزعج كثيرا بما قاله مَن قال، إنما الذي أزعجني حقًّا: أن كثيرا من الناس لا يعرفون من الأمور إلا ما سطح وانكشف منها، وكيف غاب عن كثير من المصريين دوري في الثورة من قبل أن تقوم، ومن بعد أن قامت، وما نشرته الصحف عني من أول الثورة، وما نشرته وكالات الأنباء بعد ذلك من فتاوي ورسائل وبيانات متتالية مركزة، بعضها نشر في الصحف، وبعضها نشر في الجزيرة، وبعضها أُذيع علي الناس في ميدان التحرير، وقد قال لي بعض الإخوة المشاركين في المعركة من أول يوم: كنا نحسُّ بآرائك ورسائلك وفتاواك، ونحن في الميدان، تحمِّس الآلاف لتأتينا في أوقات الشدَّة والمحنة. يقولون: جئنا بقراءتنا لفتوي الشيخ يوسف!

*  كيف تقييم اداء المجلس العسكري في ادارة البلادة خلال الفترة الماضية  في ظل الانتقادات التي توجه له من البعض؟

** أما تقييمنا لأداء المجلس العسكري خلال الفترة الماضية -  ففي أول الأمر كان موقفه طيِّبا ومرضيا، وفي آخر الأمر، لا أدري ما الذي جري له، فقد تغير واستدار، وأصبح الكثير من آرائه محل القيل والقال.

وأرجو أن يعود المجلس كما كان، ويَدَع الأمور لمَن تنتخبهم الأمة، ولا يجوز أن يلزمهم بأي شيء، إلا بما تأتي به الانتخابات، فهذه هي الديمقراطية الحقيقية.

كأنما كان له مستشارون مؤتمنون أولا، فغيرهم بآخرين، أفسدوا عليه فكره ومنهجه، كما أفسدوا علي الناس آمالهم.

* هل يقلقك ما يشاع عن عدم رغبة المجلس العسكري في تسليم السلطة للمدنيين؟

** يقلقني ذلك جدًّا، وإن كنتُ لا أصدقه، فهذا أمر لا يفعله غير المجانين، ولا زلتُ أظن أن في القوم عقولا.

* هل تري أن هناك أصابع خارجية بالفعل تحاول بثَّ الفتنة والفرقة بين أبناء الشعب في مصر في تلك المرحلة؟

** لا شك أن هناك مَن يريد بثَّ الفرقة والفتنة بين أبناء هذا الشعب، الذي جمعته الثورة، وألَّفته الوحدة، ورأيتُه في ميدان التحرير بالملايين، بعضهم مع بعض، مصلِّين داعين لله، مسلمين ومسيحين، متدينين وغير متدينين، كلُّهم ينادون بحياة مصر، وشعب مصر.

ثم بدأت هذه الأفكار الغريبة، والنداءات الغريبة، وأسأل الله أن يردَّ مصر إلي توحُّدها وتجمُّعها، وأن يطرد كلَّ هذه التشوهات.

* هناك مخاوف من فتنة طائفية بين المسلمين والمسيحيين، هل تري أن الأقباط يعانون بالفعل من مشاكل أو تمييز في مصر، خاصة بعد الثورة كما يزعم البعض؟

** من أول الأمر كانت هناك قضية تشمل الجميع، وتضم كلَّ الأديان في قالب واحد، ثم بدا هذا التعصب الطائفي الذي رأيناه عند بعض المسيحيين، وربما عند بعض المسلمين. وهذا خطأ، فالثورة للجميع، والبلد للجميع. ولا أري أن هناك تمييزا خاصا للمسلمين عن المسيحيين في السنين الأخيرة، بل الكل يشهد أن الإسلام هو الذي كان يُساء إليه أكثر من غيره، والمسلمون والدعاة إلي الإسلام هم الذين كانوا يضيق عليهم، وعلي كل حال لو ثبت ذلك لا بد أن يُزال، ولكن هذا ما تقوم به الحكومة المنتخبة.

*  باركتَ فضيلتكم الثورات العربية وأيَّدتها، هل تري أن دول الخليج تحتاج إلي إصلاحات  ضرورية، وهل تتوقع أن يمتدَّ الربيع العربي لدول الخليج؟

** دول الخليج وغيرها هم بشر من البشر، يصيبهم ما يصيب البشر، ويحتاجون إلي كلِّ ما يحتاج إليه البشر. ولا شكَّ أن بعض دول الخليج قد تحتاج إلي إصلاحات ضرورية، لا بدَّ لأهلها أن يقوموا بها في وقت ما، وقد امتدت بعض آثار الربيع العربي إليها.

* أخيرا، هل هناك كلمة تريد أن توجِّهها للمصريين حاليا؟

** كلمتي التي أوجهها لإخواني وأبنائي من المصريين متكونة من كلمتين:

الكلمة الأولى: أمتنا تريد أن تتحرَّر من القديم بكل سوءاته السياسية والاقتصادية والثقافية، وأن نبني أمة جديدة، بخصائصها ومقوماتها، تقوم علي الشوري والعدل، وتتعاون علي البرِّ والتقوي، وتتناصح بالحقِّ والصبر، وتعمل للحقِّ والخير، وترفض كلَّ مظهر للفساد والاستبداد، أيًّا كان اسمه وعنوانه، فأمتنا ترفض الدكتاتور وتكرهه وتعاديه، سواء كان يلبس عمامة الشيخ، أو طربوش الأفندي، أو برنيطة الخواجة، أو طاقية الفلاح، أو خوذة الجندي، أو لا يلبس شيئا فوق رأسه.

والكلمة الثانية: اقولها للاخوان وهي: لقد كنتم في مواقفكم خلال الثورة، وبعد الثورة، في الأشهر الماضية، من أبناء مصر المخلصين حقًّا، لا تعيشون لأنفسكم، ولا لشهوتكم، ولكن لأجل وطنكم، وشعبكم وأمتكم، ويجب أن تستمروا هكذا. كونوا شموعًا تنفد وتضيء لغيرها. كونوا أتقياء أنقياء، يعملون لله لا لأنفسهم، كأنهم الأساس من البناء يخفي تحت الأرض، وهو الذي يمسك البناء كلَّه. تعاملوا مع الجميع علي أنهم إخوة لكم، المسلمون والمسيحيون، المطيعون والعصاة، إلا المتجبرين في الأرض، المتكبرين علي الناس. و"كونوا عباد الله إخوانا" كما أمركم الله.

وأقول للسلفيين، وأنا أعرف بعضا منهم: أنتم تخوضون تجربة جديدة لم تخوضوها من قبل في مصر، ولم تعرفوا ما تتطلبه منكم، فلا بدَّ أن توطِّنوا أنفسكم علي الصبر مع الآخرين، وتحمل المخالفين، وتدريب النفس علي تغيير كثير من الطرق والأساليب القديمة. والعاقل من تعلم من زمنه، واستفاد من إخوانه، ولم يركب رأسه في سبيل معتقداته الخاصة دون نظر في الأهداف والنيات والعقبات. خففوا من خطابكم للفئات المختلفة عنكم في العقيدة والدعوة والسلوك. وقولوا لهم ما علمنا الله أن نقول للمخالفين لنا: {وَلَا تُجَادِلُوا أَهْلَ الْكِتَابِ إِلَّا بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِلَّا الَّذِينَ ظَلَمُوا مِنْهُمْ وَقُولُوا آمَنَّا بِالَّذِي أُنْزِلَ إِلَيْنَا وَأُنْزِلَ إِلَيْكُمْ وَإِلَهُنَا وَإِلَهُكُمْ وَاحِدٌ وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ}

وأقول لشباب الثورة: يا شباب الثورة الأحرار، الذين لم يعرفهم الناس إلا في أيام الثورة، وقد أثبت الغالبية العظمي منهم أنهم أبناء الثورة حقًّا، لا أبناء السرف والترف، بل أبناء النخوة والقوة والشدة والمحنة، والترابط في السراء والضراء وحين البأس، إنهم الشباب الذين التقي الناس بهم في ميدان التحرير، واختلطوا بهم، وعرفوا أنهم رجال حقا، لا يبيعون دينهم بدنيا، ولا يبيعون أنفسهم بسيجارة، ولا يبيعون ضمائرهم لأحد، فقد رفضوا كل أنواع النخاسة، ولم يرضوا إلا بالله وحده ربا، وبالإسلام دينا، وبمحمد نبيا ورسولاً.

فلا بد أن نثق بهؤلاء، ونفتح لهم صدورنا، نعرف بهم غيرنا، ونفرِّق بينهم وبين آخرين يشبهونهم في الأسماء أو الأشكال لا في الحقائق والأعمال.

وأقول لإخواني ولأخواتي، ولأبنائي وبناتي من المصريين والمصريات، في مصر، وفي البلاد العربية، والبلاد الإسلامية، والبلاد الأوروبية، والأمريكية، والعالم:

أقول لهم: احرصوا أيها المصريون علي أن تحضروا بكل قوَّة يوم الانتخابات، وأن تعطوا أصواتكم لمن تعتقدون أنهم أصدق حديثا، وأقرب للأمانة، وإنجاز الوعد، وإيفاءً العهد، ولا تتخلوا عن بلدكم، وعن إخوانكم، كأن الأمر لا يعنيكم.

ثقوا أيها الإخوة المصريون أن الأمر يعنيكم حقًّا، إذا كان بعض الناس يشتري بالفلوس أو ببعض كيلوات اللحم أو بغير ذلك، فاعلموا أن هؤلاء قد باعوا أنفسهم بأرخص الأثمان، وعلّموا الناس أنتم أنهم لا يباعون. حينما يقبل الناس علي الانتخابات بالملايين، لا يستطيع المشترون أن يشتروا إلا أفرادا لا قيمة لهم.

فأقبلوا علي صناديق الانتخابات، واتفقوا مع الجهات المعنية علي أن تكون من السعة بحيث تسع كل الناس، ولو زدنا يوما آخر للانتخابات، أو وضعنا مواصفات وشروطا تيسر الأمر للجميع.

الانتخابات شهادة لله، كما قال الله: {وَأَقِيمُوا الشَّهَادَةَ لِلَّهِ } وعلي الناخب أن يختار الإنسان العدل، {وَأَشْهِدُوا ذَوَيْ عَدْلٍ مِنْكُمْ}، ولا يجوز لأحد أن يمتنع من أداء الشهادة إذا دُعي إليها، قال الله تعالى: {وَلَا يَأْبَ الشُّهَدَاءُ إِذَا مَا دُعُوا}.

كما لا يجوز كتمان الشهادة أو إخفاؤها، كما قال الله تعالى: {وَلَا تَكْتُمُوا الشَّهَادَةَ وَمَنْ يَكْتُمْهَا فَإِنَّهُ آثِمٌ قَلْبُهُ وَاللَّهُ بِمَا تَعْمَلُونَ عَلِيمٌ}، وقال تعالى: {وَمَنْ أَظْلَمُ مِمَّنْ كَتَمَ شَهَادَةً عِنْدَهُ مِنَ اللَّهِ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}.

ولا يجوز أن يشهد بالزور فيزكي إنسانا لا يستحق؛ ليأخذ حقا من إنسان مستحق، فهذا هو التزوير، وفيه جاء قول الله تعالي: {فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ حُنَفَاءَ لِلَّهِ غَيْرَ مُشْرِكِينَ بِهِ}.

فاحرصوا أيها الإخوة المصريون علي أن تواصلوا مسيرتكم، وتؤدوا أصواتكم، وتختاروا الأقوياء الأمناء، أهل التخصص والخبرة، وأصحاب الفضائل والقيم الخلقية، لتحققوا ما أردتم تحقيقه، والله معكم ولن يتركم أعمالكم.


اترك تعليق