الغنوشي: الشعب السوري سائر إلى الانتصار

By :

الغنوشي: الشعب السوري سائر إلى الانتصار 
والوحدة التونسية - الليبية أقرب من أي وقت مضى

 

وصف رئيس حركة (حزب) النهضة الإسلامي الحاكم في تونس، وعضو مجلس الأمناء في الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين الشيخ راشد الغنوشي الوضع في سورية حالياً بأنه «مأسوي لجهة ما يتعرض له الشعب السوري الشجاع من قمع وحشي على يد عصابة سوء متسلطة متمردة على إرادة شعبها، ومصرة على تأبيد حكم التسلط والنهب والطائفية والانفراد، ومستعدة لاقتراف كل صور التوحش، بما في ذلك أن تحكم سورية حتى بلا شعب غير عصابتها».

وأكد في حديث إلى «الحياة» في الدوحة أنه يدعم دعوة الرئيس التونسي المنصف المرزوقي إلى وحدة اندماجية بين تونس وليبيا وتفعيل وحدة المغرب العربي، مؤكداً الحرص على «الانفتاح» على السعودية وقطر والكويت وبقية دول الخليج ودول أخرى لتعزيز العلاقات، وقال إن الحكومة التونسية تسعى إلى تيسير الحصول على تأشيرات الدخول إلى الدول العربية «لتشجيع السياحة والاستثمار».

وسئل أولاً عن رأيه في شأن دور الجامعة العربية الحالي الهادف إلى حل الأزمة السورية فقال «يبدو أنه لا يعدو أن يكون دور علاقات عامة وذراً للرماد في العيون، والإيهام بأن الجامعة تفعل شيئاً ولا تفعل شيئاً، وكان عليها بدل هذه المناورات الدعوة إلى مقاطعة هذه العصابة وعزلها وتسليم سفاراتها إلى المجلس الوطني السوري باعتباره ممثلاً للشعب السوري، تتعزز عملية تمثيله يوماً بعد يوم».

وهل يتوقع نجاح دور المراقبين العرب في سورية؟ أجاب: «وهل تنتج الأوهام خيراً»، وعزا رؤيته لدور المراقبين إلى «أننا لسنا إزاء نظام بل إزاء عصابة متوحشة مصرّة على أن تواصل القمع والنهب. وهؤلاء المراقبون المساكين ليس بيدهم شيء ليردوها عن وحشيتها ويقفوا في وجه جرائمها الفادحة». وسئل عن رأيه في الجدل الدائر في أوساط عدة عن المبادرة العربية ومسألة موضوع التدخل الأجنبي فقال: «بدءاً لست مع التدخل الأجنبي، لأنه سيضفي على نظام العصابة الحاكمة مسحة وطنية وقومية هي مجردة منها في الأصل، فهي في أشد الحاجة إليها».

وأضاف: «أنا أرى أن الشعب السوري منتصر، هو أوشك أن يكمل سنة من نضاله البطولي، وهو يقدم الدماء والشهداء والجرحى والمعتقلين بالآلاف لا يزحزحه قيد أنملة عن هدفه في إسقاط العصابة تعاظم التضحيات، صانعاً في كل يوم مشهداً جديداً أعظم من سابقه من مشاهد البطولة والانتصار. هذا شعب منتصر، هذه ثورة منتصرة ولا تحتاج إلى التدخل الخارجي. المهم مقاطعة هذا النظام وعزله وفضحه إقليمياً ودولياً والشّد من أزر هذا الشعب البطل»

وهل يتوقع تحركاً دولياً يحل الأزمة السورية؟ أجاب: «لا أرى منفعة من أي تدخل دولي، عصابة الشر لا محالة ساقطة، ومشهد الشارع السوري الثائر بل المتدفق ثورة مشهد انتصار لا رجعة عنه، ولا ينبغي لعاقل أن يرتاب في هذا، وعلى الذين يؤيدونه، ولا يزالون مرابطين معه في خندق الإجرام والهزيمة المحققة أن يدركوا هذا بوضوح، فينجوا بأنفسهم من الارتباط بمركب لا محالة غارق، (في وقت) غير بعيد».

سألته «الحياة» عن الجهات التي يدعوها إلى النأي عن النظام السوري فأشار إلى «كل من يدعمه من جماعات ومن دول».

وعن تقويمه للوضع الآن في دول ثورات الربيع العربي، خصوصاً تونس ومصر، رأى أنها «تخطو عبر ركام من العوائق والسدود من فلول الأنظمة الهالكة، نحو تحقيق أهداف ثوراتها في إقامة أنظمة ديموقراطية إسلامية عادلة تمتح من قيم الإسلام ومقاصده، فتستوعب على أساس المواطنة كل المكونات السياسية والدينية لمجتمعاتها، فلا قمع ولا إقصاء ولا استئثار بثورة».

الحلم التونسي تحقق

وفي شأن الأوضاع في تونس بعدما شُكلت الحكومة التونسية الجديدة التي ترأسها حركة النهضة اعتبر أن « تونس قطعت المرحلة الأولى من مسيرة ثورتها المظفرة بعد إسقاط نظام العصابة النوفمبرية المافيوزية، فأنجزت بفضل الله الهدف الأول للثورة، وهو إقامة نظام ديموقراطي على أنقاض نظام العصابة فأصبح لها للمرة الأولى برلمان منتخب ورئيس منتخب وحكومة منتخبة، تحقيقاً لأحلام وتضحيات أجيال متلاحقة، والحمد لله على فضله، والرحمة لشهدائنا، والشفاء لجرحانا الميامين، وهذا ما تم في السنة الأولى، أما السنة الجديدة فهي سنة التنمية والبناء، لقد انخرطنا في سنة التنمية والبناء إن شاء الله».

وسئل عن أبرز تحديات التنمية في تونس، وهل لديه تصورات أو خطط محددة لحل المشكلات الاقتصادية، فشدد على أن «الدولة مصممة على اجتثاث أوضاع الفساد المالي والقضائي والإعلامي والإداري، الفساد الذي كان يستنزف نصف الثروة التونسية، وذلك في سياق سعي الدولة قُدُماً إلى نشر مناخات استثمارية صحية تشجع المستثمرين في الداخل وتجذب أمثالهم من الخارج ومن السائحين (السياح)، وبخاصة من دول الجوار ودول الخليج»، ورأى أن ذلك سيكون «سبيلاً إلى تحريك الدورة الاقتصادية المعطلة وإطلاق طاقات الإبداع لدى التونسيين، بما يوفر العمل المجزي للعاطلين وضرورات العيش للعاجزين على أوسع نطاق متاح».

وهل لديكم مشاريع محددة في هذا المجال؟ يجيب: «الحكومة بدأت درس ملفات عائلات الشهداء وملفات الجرحى للتعويض، والمصانع الكبرى التي كانت معطلة والتي انسحب أصحابها (في فترة حكم الرئيس السابق زين العابدين بن علي) بدأت تعاود العمل، وهناك مشروع لتغطية الحاجيات الأساسية لآلاف من العائلات المعوزة، عبر توفير فرص عمل، (وهذا) هو الهم الأكبر للحكومة، أو عبر وسائل الاقتصاد الاجتماعي بتقديم المساعدات المباشرة الحكومية بواسطة مؤسسات المجتمع المدني والإنساني».

وعما إذا كان هناك تصور معين لمشروع التشغيل قال: «الأولوية كما أوضحت لتشجيع الاستثمارات من الداخل والخارج، وتنشيط الآلة الاقتصادية وتشجيع المصرفية (المصارف) الإسلامية للدخول للمرة الأولى إلى السوق التونسية، وهي تبدي استعدادات كبرى».

وعن وجود عوائق في هذا الطريق قال: «هي كثيرة، منها عوائق تشريعية هي من اختصاص المجلس التأسيسي، ومنها ضعف التأهل (التأهيل) المهني للكثير من العاطلين بما يتطلب توفير مؤسسات للتدريب المهني، وجهد الحكومة ينبغي أن يكون رائداً فيها، ومنها حالة التوجس التي تفشت في أوساط رجال الأعمال التونسيين على أنهم مورطون مع عصابة النهب المخلوعة». وأضاف أن ذلك لا يشمل غير قلة قليلة، بعضهم فرضت عليه مشاركة تلك العصابة فرضاً حتى يحمي نفسه وممتلكاته، بما أفضى إلى الزج بكثير من الشرفاء في قائمة المشمولين بملف الفساد، وأفضى هذا إلى حالة عطالة وتجميد لمئات من الشركات ووضعها تحت سلطة متصرفين قضائيين، فلم تأمن من النهب والاستنزاف والتسلط على ثروات طائلة والتصرف فيها من غير أصحابها». ورأى أن ذلك «يفرض على الحكومة أن تبادر إلى تصفية هذا الملف (ملف الفساد) الخطير والضخم، كأن تقدم على تفعيل  قضاء عاجل يجمع بين العدل والنجاعة دفاعاً عن حقوق الشعب وعن شرف الثروة التونسية وصنّاعها».

وأكد الشيخ الغنوشي أن «من العوائق الكؤود في طريق انطلاق الثورة (التونسية) حتى تتحول إلى ثروة، ما تعرضت له وتتعرض أدوات الإنتاج من مصانع وخطوط حديدية وطرقات وموانئ ومطارات ومراكز سياحية وأدوات نقل ومناجم ومؤسسات إدارية من موجة إضرابات واعتصامات، خصوصاً من غرباء عنها يطالبون بالعمل فيها، بينما هي عاجزة عن استيعابهم جميعاً».

وشدد: «حتى لو كانت قادرة فليس بمثل هذا الأسلوب، أو بإضراب عاملين فيها يطالبون برفع أجورهم الضعيفة وهي فعلاً ضعيفة». وأكد في هذا السياق أن «الحكومات السابقة تركت الخزينة خاوية بالإسراف في الإنفاق، لكن تلك المؤسسات بمثل هذه المسالك تغدو معرضة للتوقف جملة وللإفلاس أو رحيل أصحابها الأجانب، كما فعلت مؤسسة يابانية كانت تشغّل 2500 عامل شلّها اعتصام استمر أشهراً ما حمل أصحابها على صفق أبوابها واعتزام نقل مؤسستهم إلى بلد آخر، تاركين ما يزيد عن عشرة آلاف من سكان المنطقة في حالة يرثى لها، لولا أن الحكومة الجديدة توفقت إلى إقناع أصحاب المؤسسة بالبقاء».

وتساءل الشيخ الغنوشي في سياق حديثه «هل من حماقة أكبر من أن يطمس الإنسان عينه بيده أو أن يغوّر العين التي يرتوي منها؟ أما كان يجب على عقلاء هؤلاء العمال أن يدافعوا عن مصدر رزقهم فيمنعوا الحمقى من العبث به، وأين كانت مؤسسات المجتمع المدني من نقابات وأحزاب وجمعيات وأئمة ولجان حماية الثورة، لماذا ظلوا صامتين، أما كان يجب عليهم التدخل بالحسنى لدى هؤلاء المعتصمين دفاعاً عن مصلحة العمال وعن الجهة، وعن المصلحة الوطنية، فيفهمونهم أن ما يفعلوه في مثل هذه الأوضاع التي تمر بها الثورة غير جائز لا مصلحة ولا ديناً ولا وطنية، وأين المؤسسة الأمنية، شرطة وجيشاً، (وهي) خط الدفاع الأخير عن المصلحة الوطنية».

الانفتاح على دول الخليج

وهل يوجد توجه تونسي نحو دول مجلس التعاون الخليجي فأكد أن «هذا جزء أساسي من السياسة التنموية للحكومة وهو الانفتاح وفتح كل البوابات، فلا يقتصر الأمر على البوابة الأوروبية التي ستظل مفتوحة، وإنما تفتح بقية البوابات، وهي بوابات المغرب العربي بدءاً بالجارة الشقيقة الكبرى الجزائر، ثم الجار الأقرب ليبيا، والامتداد إلى بلاد الخليج. لقد دعونا في برنامج حركتنا إلى إعفاء إخواننا العرب من التأشيرة في الأقل، على غرار سلوكنا مع الأوروبيين، وذلك تيسيراً للتواصل والاندماج مع محيطنا العربي، الدائرة الأولى لعلاقاتنا».

وسئل عن علاقته القوية مع قطر، وهل طرح أفكاراً محددة في شأن التعاون بين البلدين ودول مجلس التعاون أثناء زيارته الدوحة فقال: «نحن لا نفتأ نؤكد أهمية العلاقات التونسية - الخليجية بدءاً من المملكة العربية السعودية وقطر والكويت والإمارات وبقية دول الخليج، والحكومة متجهة إلى تيسير إجراءات الفيزا (تأشيرات الدخول) مع الدول العربية، لتشجيع السياحة والاستثمار، ولدعم تواصل أجزاء الجسم العربي الواحد».

وهل صحيح أن تونس ستتلقى استثمارات قطرية ببلايين الدولارات ويتردد نحو عشرة بلايين دولار؟ رد بقوله: «نحن نتوقع الخير من دولة قطر الشقيقة، فهي شريك أصيل في الربيع العربي من خلال الدور الريادي لقناة «الجزيرة» في نصرة هذه الثورات، ليس فقط عند اندلاعها بل في مراحل التهيئة لها، فقد غطّت إرهاصاتها وعرّفت بزعامات للمعارضة ما كاد يعرفهم أحد قبلها، فلا ينكر دور قطر على الربيع العربي إلا جاحد». وأضاف: «نحن نتوقع الخير من كل الأشقاء العرب سواء في الخليج أو في جوارنا المغاربي، فهذا نسيجنا الطبيعي وهذه أمتنا العربية، قلب أمة الإسلام. مرحباً بكل يد تمتد إلينا للتعاون على ما فيه خير الجميع على أساس الأخوة والاحترام والاستقلال».

وسألته «الحياة» عن دلالات أن تكون ليبيا أول دولة زارها الرئيس التونسي المنصف المرزوقي بعد توليه الرئاسة، وهل وراء ذلك أسباب أمنية أم اقتصادية أم قضايا أخرى، فرأى الشيخ الغنوشي أن «ذلك هو السلوك الطبيعي والمندرج في سياق ما قدّمنا، إنها زيارة لتوثيق العلاقة مع الجارة الأقرب، ورئيس الدولة الدكتور محمد المنصف المرزوقي دعا هنالك إلى تفعيل وحدة المغرب العربي ووحدة اندماجية بين البلدين ( تونس وليبيا).

الوحدة مع ليبيا

وهل أنت موافق على وحدة اندماجية تونسية ليبية؟ أجاب: «وداعم لها بقوة، فلقد كنا أيدنا أول مشروع لوحدة بين البلدين منذ حوالى أربعين سنة أجهضها المخلوع الأول الحبيب بورقيبة، وكررنا هذه الدعوة سنة 2010 لمناسبة انتفاضة مدينة بنقردان الحدودية حين أغلقت الحدود مع ليبيا، واليوم الفرصة مواتية».

وسئل هل توجد إمكانية لوحدة اندماجية تونسية ليبية فقال: «هي أقرب من أي وقت مضى»، ورداً على سؤال عن مقومات وحدة اندماجية بين البلدين قال: «بل هل يوجد مانع أصلاً؟ هذان بلدان مندمجان سياسياً واجتماعياً وثقافياً، اقرب بلدين إلى بعضهما بعضاً، سكاناً وعقيدة ومذهباً وتاريخاً وحضارة ومصالح».

وما طبيعة الرد الليبي على دعوة المرزوقي إلى وحدة اندماجية: أجاب إنها «لا تحتمل إلا أن تكون إيجابية، لا سيما أن حكام ليبيا اليوم عقلاء متواضعون طالما عبروا لنا وللعموم بمختلف اتجاهاتهم عن امتنانهم الكبير لاحتضان إخوانهم التونسيين لهم شعباً وحكومة، إذ استقبلوا منهم أكثر من مليون ونصف المليون خلال ثورتهم، لا في المخيمات وإنما في القلوب وفي البيوت، بما عمّق مشاعر الأخوة والوحدة وعزز دواعي التوحد والتعاون واعتبار تونس الشريك الأول في التنمية والتعمير ووحدة المصير».

وسألته «الحياة»: أنتم تدعون إلى تفعيل وحدة المغرب العربي، ويرى كثيرون أن هذا الحلم مات واندثر؟ فأجاب:

«لقد حصل الذي لم يكن منطقياً أن يحصل غيره، إذ أجهضت الأنظمة الدكتاتورية التي سادت المنطقة خلال حكمها أزيد من نصف قرن حلم الوحدة المغاربية ومشاريع التنمية والحكم الرشيد، أما بعد هذه الثورات والتحولات المباركة التي قامت وستقوم في المنطقة فقد أصبحت تلك الأحلام في متناول اليد. شعوبنا في الحقيقة هي أكثر شعوب الأرض توحداً لولا عائق الديكتاتورية، ومع هذه الثورات الديموقراطية بدأت أمتنا مسيرتها المباركة نحو تحقيق أحلامها، ومنها أحلام الوحدة والتنمية والديموقراطية، وهي متلازمة».

وهل ستسلم تونس البغدادي المحمودي رئيس الوزراء الليبي السابق في عهد معمر القذافي إلى حكومة الثورة الليبية، قال: «هذا شأن الحكومة (التونسية)، وقرارها ينبغي أن يكون إنفاذاً لما يحكم به القضاء وما تقتضيه الاتفاقات بين البلدين في هذا الشأن، والله ولي التوفيق». 

ووصف علاقة تونس مع الجزائر، خصوصاً بعدما زارها قبل فترة بأنها «جيدة، واستقبلت استقبالاً حافلاً من المسؤولين وعلى رأسهم رئيس الجمهورية عبدالعزيز بوتفليقة، وأتوقع أن يزور رئيس الحكومة التونسية السيد حمادي الجبالي الجزائر قريباً»، كما «أتوقع أن يزور عاصمة الاتحاد الأوروبي بروكسيل وعواصم خليجية وإسطنبول وعواصم أخرى».

وعن الرسالة التي يوجهها إلى الأنظمة العربية في ظل ثورات الربيع العربي قال: «على الأنظمة العربية أن تدرك أن زمن التغيير حل، وأن استمرار الماضي أصبح من الماضي ولا يمكن أن يستمر، وليس أمام الحكام العقلاء إلا أن يبادروا ويقدموا على اتخاذ سياسات إصلاحية جريئة تفرغ السجون من المساجين السياسيين، وتعيد الحقوق لأصحابها، وتعيد السلطة للشعب، وما فعله ملك المغرب (محمد السادس) يعد بداية جيدة إذا تواصل ذلك».


اترك تعليق