د. العودة: الانقياد السلبي يوجد لدى الشخص المنحرف والمتديِّن

By : الكاتب: محمد وائل

-       الجرأة والمبادرة ومهارات التعلم والمصداقية والصبر أهم صفات القادة.

-       "الكاريزما"، موهبة تمنح القائد الجاذبية حتى ولو كان شريراً.

-       الاستسلام لثقافة المجتمع من أهم صور الانقياد السلبي.

-       الانقياد ليس دائما سلبياً وأفضل صوره الخضوع لله تعالى.

-       الكثيرون يبنون قراراتهم على التقليد لا على المنطق والحاجة.

-       المرأة ليست بالضرورة انقيادية وقوامة الرجل لا تعني التسلّط.

-       لا بد من تربية الأبناء على إيجابية الرفض وليست  الطاعة دائماً.

-       الإبداع لا يبرر المساس بالمقدسات ولا بد من حملة لتعزيز الإيمان.

-       الإيمان أعظم قوة لمواجهة مستجدات الفكر وقضايا الانفتاح.

أوضح الشيخ الدكتور سلمان بن فهد العودة ـ الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين ـ أنّ القيادة هي فن أكثر منها علماً، مشيراً إلى أنّ الكثيرين ممّن يكتبون في القيادة أو يحاضرون فيها قد يعجزون تماماً عن ممارستها، كما اعتبر أنّ المجتمع يعاني من فكرة الانقياد السلبي للموروثات أو الأشخاص أو المشاهير، وإن كان هناك ـ أيضاً ـ انقيادا إيجابياً.

وقال د. العودة ـ في محاضرة بعنوان الشباب والفكر الانقيادي بمدينة خليص ـ: إن القيادة، غالباً، ما تكمن في الجزء الغامض من الأشخاص، وهو ما يعبر عنه بـ"الكاريزما"، أي الموهبة الإلهية، بمعنى أن يكون الشخص لديه قدرة على جذب الناس، بصرف النظر عن كون هذا الإنسان خيِّراً أو شريراً، مشيراً إلى أنَّ  هتلر ـ على سبيل المثال ـ كان يتميز بكاريزما قوية وجاذبية لدرجة أنّ خطبه وكلماته في المحافل كانت تهز ضمائر الناس وتجعلهم ينساقون له طوعاً دون تفكير أو مراجعة.

صفات القيادة

وأوضح د. العودة أنّ القيادي يهتم بالعلاقات الاجتماعية والتواصل الإيجابي مع الأفراد، وأنّه صاحب رسالة يريد إيصالها للناس وأن يحملهم عليها، كما أنّه صاحب عاطفة قوية بحيث يستوعب الناس بحبه وقلبه وعواطفه وكلماته الجميلة المعبرة، وهو أيضاً صاحب مصداقية عالية بمعنى أنه لا يتلاعب بالكلمات أو العلاقات وإنما يحاول أن يحصل على ثقة الآخرين بمصداقيته.

وأضاف، أنّ الشخص القيادي هو صاحب قوة نفسية تؤهله لتحمُّل الكثير من المفاجآت، والصدمات، والإخفاقات ويستمر حتى يصل إلى هدفه.

وتابع، أنّ القيادي أيضاً يتميز بالاستمتاع بما يعمل، لأنّ العمل عنده ليس عبئاً ثقيلاً أو تبعة وإنما هو يستمتع حين يقرأ أو يكتب أو يتحدث أو يبحث أو يجلس مع الآخرين، كما أنّه يستمتع بحياته الخاصة وتأملاته الشخصية، مشيراً إلى أنّ القيادي ـ أيضاً ـ لديه القدرة على الجرأة والمبادرة، كما أنّ لديه مهارة التعلم من الآخرين، وكما تقول الكلمة السلفية الشهيرة "يوجد في الأنهار ما لا يوجد في البحار"، ولذلك فهو يتعلم من الكبار والصغار والأحداث والتجارب كما أنّه يتعلم من النجاح ويتعلم من الفشل، ولديه طاقة مستمرة وحيوية متدفقة وعطاء كبير.

وقال: إنّ ما يتميز به الشخص القيادي هو الاستمرارية، بمعنى أنه لا ينطفئ سريعاً مثل غيره، مشيراً إلى أنّ القيادي أيضاً متفائل دائماً ينظر إلى الأشياء بروح إيجابية ويستطيع أن يكتشف الوجه الطيب حتى في الأمور التي ينزعج هو منها أو ينزعج منها الآخرون.

الشخص الانقيادي

وأوضح د. العودة أن الشخص الانقيادي، ليس صاحب رؤية وإنما شخص يحاول فقط أن يُطبق أو ينفذ أو يحقق رؤية وأهداف الآخرين، مشيراً إلى أنه يقبل المعلومة ممن يثق بهم دون أن يفحصها أو يدقق فيها، فإذا كان لديه شيخ أو أستاذ أو كاتب أُعجب به فإنه يأخذ المعلومات عنه دون أن يُكلّف نفسه عناء التدقيق في المعلومات.

وأضاف، أنّ الشخص الانقيادي أيضاً ليست لديه مبادرة، كما أنّه غير واثق من نفسه بخلاف القائد، إضافةً إلى أنّه لا يستطيع أن يصنع القرار وإنما ينتظر قرارات الآخرين. وأشار إلى أن الشخص الانقيادي في الغالب ليست عنده القدرة التواصل أو ما يسمونه بالذكاء العاطفي.

شخص عنادي

وأوضح د. العودة أنّ هناك صنفاً ثالثاً من الناس، وهو الشخص العنادي، وهذا الشخص لا يتمتع بصفات القائد، كما أنه في الوقت ذاته ليس انقيادياً؛ وإنما هو في الغالب يكون في موقع الانفراد أو في موقع الشذوذ، ويبحث عن آراء الآخرين لا ليتقبلها ولا لينقدها وإنما ليقف ضدها، فهو يستمع إلى رأيك ويفكر كيف يكوّن رأياً آخر نقيضاً لما تقول. وأشار إلى أنه من المهم أن أن يعرف الإنسان شخصيته وأياً من هذه الصفات هي الأقرب إليه.

مظاهر انقيادية

ولفت إلى أنّ هناك أعداداً هائلة وكبيرة من الناس هي تابعة بطبيعتها ولا تستطيع أن تستقل، كما لو نظرنا ـ على سبيل المثال ـ إلى فكرة الموضة عند النساء، على وجه الخصوص، أو كثيراً من الرجال والشباب يحاكون الموضة سواء كانت تتعلق باللباس أو بقصة الشعر التي يرونها على فنان أو ممثل أو لاعب شهير أو شخصية يقدرونها ويحترمونها.

وأضاف، أنّ الأمر كذلك يتعلق بمضاهاة أنماط البناء للمنازل ـ مثلاً ـ عند عدد من الناس، أوما يتعلق بالتعليم، بمعنى أن القليل جداً هم الذين اختاروا بدقة وعناية التخصص الذي يريدونه، كذلك الأمر فيما يتعلق بالمشروب، كتناول المشروبات الغازية بالرغم من تأثيرها وخطورتها في هشاشة العظام أو السمنة وفي أمراض كثيرة خصوصاً إذا تم تناولها وفق عادات سيئة، مشيراً إلى أن هذه العادة مبنية على نوع من الانقياد أو الثقافة السائدة التي يتلقونها.

وأوضح، أنَّ مسألة التعلُّق بالأشياء المشهورة قضية منتشرة، مشيراً إلى قصة طريفة قامت بها إحدى المجلات الكبرى في الولايات المتحدة، أرادت أن تختبر مدى تعلق الناس بموضوع الشهرة، وكان هناك حفل ضخم كبير لأحد المغنين بيعت التذكرة فيه بمئات الدولارات، وبرغم ذلك فإن الكثير من الناس رجعوا دون الحصول على مواقع لهم نظرا للازدحام الشديد، وفي اليوم التالي للحفل، طلبوا من المغني أن يأخذ معزفه ويقف في محطة القطار بدون أن يُعرِّف به أحد، وبدأ يقوم بالعمل الذي قام به البارحة أو قريباً منه، فوجدوا أن عشرات الآلاف من الناس مروا دون أن يقفوا عنده، وخلال ساعة أو ساعتين لم يقف عنده إلا بضع عشرات هم الذين أعطوه مالاً ـ ربما أربعة أو خمسة دولارات ـ ووقفوا لمدة دقيقة أو دقيقتين ثم مضوا بالرغم من أنّ الحفل، أمس، كلفتهم الملايين.

وقال: إن هذه القصة تكشف عن أنّ الكثير من الناس ـ كما يقال ـ  عقولهم في آذانهم، بحيث أنهم إذا سمعوا من الناس شيئاً صدقوه، لأنّهم يبنون قراراتهم الخاصة بالشراء والبيع أو الدراسة أو حتى الأكل أو الشرب أو واللبس على التقليد أكثر مما هي معرفة بالشيء الذي يناسبهم.

القيادة في نصوص الشريعة

وحول إشارات القرآن الكريم بشأن هذا المعنى لفت د. العودة إلى أن لفظ الأئمة ورد في مواضع عديدة في القرآن الكريم كما في قوله تعالى: {وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ}، مشيراً إلى أنّ الإمامة هنا هي نوع من القيادة، الأنبياء -عليهم الصلاة والسلام- قادة، والعلماء قادة، كما أنَّ الإمام هنا عالم عامل صاحب خلق كريم متواصل مع الناس صبور ، ولذلك قال غير واحد من السلف: بالصبر واليقين تُنال الإمامة في الدين، (وَجَعَلْنَا مِنْهُمْ أَئِمَّةً يَهْدُونَ بِأَمْرِنَا لَمَّا صَبَرُوا وَكَانُوا بِآياتِنَا يُوقِنُونَ).

وأشار فضيلته، إلى قول النبي -صلى الله عليه وسلم-: "مَنْ سَنَّ فِى الإِسْلاَمِ سُنَّةً حَسَنَةً فَلَهُ أَجْرُهَا وَأَجْرُ مَنْ عَمِلَ بِهَا بَعْدَهُ"، لافتاً إلى فكرة المبادرة من القائد في هذا الحديث، لأنّ بعض الأشخاص قد يحيون سنة، أو يبتدعون طريقة جديدة، أو أسلوباً جميلاً ونافعاً، ثم يسير الآخرون على نمطهم.

وقال: إنّ كل أنماط العمل الخيري والعمل التطوعي وتعليم العلم الشرعي وتعليم العلوم الدنيوية وبناء المستشفيات والجامعات والإسكانات الخيرية والمشاريع والبرامج الاقتصادية والاجتماعية، وغيرها من أعمال البر، تدخل ضمن إطار السنّة الحسنة.

وأشار إلى أنه في المقابل، هناك السنة السيئة كما في قول الله -عز وجل-: {وَجَعَلْنَاهُمْ أَئِمَّةً يَدْعُونَ إِلَى النَّارِ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ لا يُنْصَرُونَ} عن آل فرعون، فجعلهم أئمة، ولكن أئمة في الضلال يدعون إلى النار، دعوا إلى ضلالة فكان عليهم وزرها ووزر من عمل بها إلى يوم القيامة.

انقياد إيجابي

وأوضح د. العودة أنّ كلمة الانقياد تحتمل صوراً إيجابية ـ أيضاً ـ لأنه لا يمكن أن يكون كل الناس قادة أو رؤوس، ولذلك فمن حكمة الله ـ تعالى ـ أن يوجد في المجتمع المفكر، والعالم، والأديب، والشاعر، والواعظ، والنجار، والبنّاء، والكناس، وأصناف وأنماط من الناس ما بين مرتفع ومنخفض وكل واحد مؤتمن على عمله حتى قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: (إن الله يحب إذا عمل أحدكم عملاً أن يتقنه)، حتى لو كان هذا العمل في نظر الناس حقيراً، ولكنه من العمل الذي يُحتاج إليه.

ولفت إلى أن من أنماط التفكير الانقيادي الإيجابي الانقياد لله ورسوله: (أَطِيعُوا اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَلا تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ)، ويقول -سبحانه وتعالى-: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ وَمَنْ يَعْصِ اللَّهَ وَرَسُولَهُ فَقَدْ ضَلَّ ضَلالاً مُبِيناً}، مشيراً إلى أنّ الانقياد لله -سبحانه وتعالى- في الجانب التعبدي والسلوكي يكون بالطاعة في العبادات والأعمال التي أمرنا الله تعالى بها، مثل الصلاة، بمعنى أن تصلي كما أمرك الله وكما رأيت النبي -صلى الله عليه وسلم- يصلي، ولا تطرح الأسئلة لماذا القيام ثم الركوع ثم القيام ثم السجود؟ لماذا الجلسة بين السجدتين؟ لماذا صلاة الظهر أربعاً؟ ولماذا صلاة المغرب ثلاثاً؟ ولماذا صلاة الفجر ركعتان مثلاً؟ لأنّ هذا لا يتفق مع الإيمان بالله، أو  مبدأ التسليم لإرادته -سبحانه وتعالى- .

وأشار إلى أنّ الجانب الثاني، يتعلق بالاعتقاد، بمعنى أن الله تعالى قد يكلفنا بأشياء قد لا ندركها أو تحار فيها العقول، ومن ذلك الإيمان به - عز وجل- لأنَّ معرفة ذاته -سبحانه وتعالى- وكنه أسمائه وصفاته مما لا تحيط به العقول ولا تدركه الأبصار والمدارك، وإنما يستطيع الإنسان أن يؤمن به بأدلة وحدانيته ووجوده وبقلبه الذي يهديه إلى ربه -عز وجل- ولكن لا يستطيع أن يتصور كيفيةً لربه –جل وعلا-.

وأشار إلى أنّ من ذلك أيضاً، مسألة القضاء والقدر، لأنّ الكثير من الناس إذا تكلموا في القدر ارتبكوا كما قال الشيخ الجيلاني: "كل الناس إذا ذُكر القدر أمسكوا، إلا أنا فإنه فُتحت لي فيه روزنة (فتحة صغيرة) فنازعت أقدار الحق بالحق للحق" وكأنه اهتدى إلى كلمة عمر -رضي الله عنه- الفرار من قدر الله إلى قدر الله.

وأوضح هنا، أنّ الإيمان بالقدر معلوم ممكن الإيمان به، وليس شيئاً مستحيلاً في العقل، إنما تصوُّر ذلك على سبيل التفصيل مما لا يستطيع الإنسان إدراكه، يعدّ من الانقياد الإيجابي لله ولرسوله.

وأوضح فضيلته، أنّ المعنى الثاني للانقياد البصير، هو الانقياد للأب الناصح أو للمعلم الذي لديه نصح ولديه علم أيضاً، أو للقائد إلى التوجيه السليم، أو أن تنقاد المرأة لزوجها في القرارات الحيوية التي تحتاج إلى حسم وليس فيها تعنّت ولا تصلّب ولا عناد، مشيراً إلى أنّ القوامة هنا ليست تسلطاً من الرجل وإنما هي قرار نهائي بعد مدارسة ومشاورة.

انقياد سلبي

وأوضح د. العودة أنّ هناك انقياداً سلبياً، يدلُّ عليه حديث النبي -صلى الله عليه وسلم-: "لاَ تَكُونُوا إِمَّعَةً تَقُولُونَ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَحْسَنَّا وَإِنْ ظَلَمُوا ظَلَمْنَا وَلَكِنْ وَطِّنُوا أَنْفُسَكُمْ إِنْ أَحْسَنَ النَّاسُ أَنْ تُحْسِنُوا وَإِنْ أَسَاءُوا فَلاَ تَظْلِمُوا".

وأوضح أنّ الانقياد الأعمى هو أحد أنماط الانقياد السلبي، وهو ما نطلق عليه أحياناً التقليد الأعمى لعادة أو مألوف أو عمل، كالشاب الذي يميل للتدخين ليُثبت بأنه أصبح رجلاً تقليدا لبعض أصدقائه، أو الفتاة في سن المراهقة حينما تنقاد لفكرة أن لها علاقة مع صديق، أو أنها تتصل هاتفياً مع الشخص الفلاني، محاكاةً عمياء لغيرها دون تفسير.

ولفت إلى أنّ الانقياد السلبي قد يوجد لدى المتديِّن أحياناً بمعنى أنه ينقاد لمن حوله دون أن يبحث عن دليل، أو يحافظ على استقلاليته، كما قد تجده أحياناً لدى الشخص المنحرف الذي يتبنى أفكاراً فاسدة لمجرد أنها أفكار غريبة أو أنّ من حوله ينتحلها.

وأوضح فضيلته، أن الشخصية الانقيادية قد تكون في جو متدين أو تكون في جو منحرف ولكنها تتسم بأنها تحرص على التزلُّف إلى من حولها واسترضائهم، وأن تتبنى أطروحاتهم دون بصيرة.

وبين د. العودة أنّ الانقياد السلبي قد يكون في تربيتنا للأطفال، مشيراً إلى أنّ الطفل يمر بثلاث مراحل: المرحلة الأولى، انقيادية وهي منذ وعي الطفل إلى سن العاشرة تقريباً لأنه ينقاد لما يقال له ويحب محاكاة والديه أو محاكاة المدرس حتى بالكلمات التي يقولها.

المرحلة الثانية: إقناعية، من سن إحدى عشر إلى ثلاث وعشرين، بمعنى أن الفتى أو الفتاة يحتاجون إلى إقناع لما تقول لهم بمخاطبتهم والحوار معهم والاستماع إلى آرائهم وإلى أسئلتهم أيضاً.

والمرحلة الثالثة: بعد الثالثة والعشرين وفيها يصبح الإنسان رقابياً بمعنى أنه يحتاج إلى رقابة وتوجيه من بُعد.

ثقافة سلبية

وأوضح، أنّ الاستسلام لثقافة المجتمع هي من الانقياد السلبي أحياناً كالتعصب القبلي التي يأخذها الصغار عن الآباء والأمهات ويرددونها فيرثونها كابراً عن كابر، مشيراً إلى أنّ الإنسان لا بأس أن يعتز بقبيلته لكن عليه ألا يزدري الآخرين، وعليه أن يدرك أيضاً أنّ كرم الإنسان وحسبه بتقواه وليس بآبائه وأجداده، لأن الحساب يوم القيامة فردي والله -سبحانه وتعالى- يقول: {فَإِذَا نُفِخَ فِي الصُّورِ فَلا أَنْسَابَ بَيْنَهُمْ يَوْمَئِذٍ وَلا يَتَسَاءَلُونَ}. وأضاف أن من صور الانقياد السلبي لبعض العادات الاجتماعية المتعلق بالخروج عن الأنظمة كقطع إشارات المرور أو السرعة الجنونية أو غيرها؛ أو العبث بالممتلكات العامة كالحدائق، أو تشويه المدارس والمؤسسات بالنفايات أو الكتابات كما هو الحال في موضوع الصخب، من خلال التجمع للعب بالسيارات أو التفحيط أو إصدار أصوات مزعجة أو غيرها.

وأوضح د. العودة أن من الانقياد السلبي أيضاً ربط بعض الظواهر السيئة بالدين من أجل نيل الانقياد لها دون بصيرة، مثل ربط أي منتج اقتصادي أو منتج ثقافي أو منتج سياسي بالمفهوم الديني ليتقبَّله الناس، وذلك مثل أن نوظِّف قول النبي -صلى الله عليه وسلم- "مِنْ حُسْنِ إِسْلاَمِ الْمَرْءِ تَرْكُهُ مَا لاَ يَعْنِيهِ" من أجل عزل الإنسان عن العمل والإبداع والابتكار، أو العمل الخيري أو إغاثة الملهوف أو مساعدة المحتاج أو غيرها.

علاج الانقياد السلبي

وأوضح د. العودة أنّ هناك حلولاً لمعالجة الانقياد السلبي في المجتمع منها، أولاً: أن يعود الشخص الانقيادي نفسه على التأني والصمت وعدم التسرّع في قبول الأشياء.

ثانياً: على الإنسان أن يتعود الإحالة للمستقبل بمعني أنه لا يلزم أن تفعل كل الأشياء الآن، فإذا طلب منك أحد شيئاً قل له غداً سوف أبحث أو أنظر في هذا الموضوع.

النقطة الثالثة: الاستماع، بمعنى أن تتعود الاستماع للآخرين حتى ينتهي ما عندهم. رابعاً:  التفكير والمقارنة إذا عُرض عليك رأي أو مشورة أو اقتراح أو مستوى أو تخصص أو دراسة أو عمل وظيفة جديدة، بمعنى أن تحاول التفكير وأن تقارن هذا العمل بالأعمال الأخرى مع الاستشارة.

النقطة الخامسة: الاستخارة وهي سؤال الله -سبحانه وتعالى- في وظيفة أو دراسة أو زواج أو غيرها في الحديث الصحيح : (اللَّهُمَّ إِنِّى أَسْتَخِيرُكَ بِعِلْمِكَ وَأَسْتَقْدِرُكَ بِقُدْرَتِكَ) إلى آخر الحديث الذي رواه البخاري.

سادساً: المرونة والقابلية للتغيير بمعنى ألا يكون الإنسان جامداً وإنما يكون لديه مرونة وقابلية للتعديل والتغيير لكن بأناة وهدوء.

المرأة والقيادة

وأوضح د. العودة أنّ المرأة ليست بالضرورة انقيادية في كل حالاتها، مشيراً إلى أنّها تكون أيضاً قيادية في مجالاتها التربوية والأسرية بل في تخصصات طبية أو حتى التخصصات اللغوية، لأن المرأة قد يكون عندها قدرة حسابية ـ أحياناً ـ لا تقل عن الرجل ولديها جوانب إبداع أثبتها العلم ، غير أنّ المرأة داخل بيتها وأسرتها تحب الرجل القيادي صاحب الشخصية المحترمة القوية الذي يُشعرها بالأمان دون أن يصادر إرادتها.

ولفت إلى أن كثيراً من النساء أثبتن قدرة قيادية وتفوُّق على ظروف المجتمع، كما هو الحال في قصة آسية امرأة فرعون؛ التي رفضت القصر وصاحب القصر والكفر {قَالَتْ رَبِّ ابْنِ لِي عِنْدَكَ بَيْتاً فِي الْجَنَّةِ وَنَجِّنِي مِنْ فِرْعَوْنَ وَعَمَلِهِ وَنَجِّنِي مِنَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ}، وكذلك قصة ابنتي الرجل الصالح مع موسى -عليه الصلاة والسلام- في مدين، مشيراً إلى أن ابنة الرجل الصالح كانت قيادية بدليل أنها عرفت صفات القائد الناجح واكتشفت موسى -عليه الصلاة والسلام- مبكراً حتى قبل النبوة.

رفضٌ إيجابيٌّ

في السياق، لفت د. العودة إلى أهمية فنّ الاعتذار، وهو أن تتعلم كيف تقول "لا"!؛ لأنه ليس من المدح أن يقول الإنسان دائماً "نعم"، وكما يروى عن عمر -رضي الله عنه- قال: "يُعجبني الرجل إذا سيم خطة ضيم أن يقول لا بملء فِيْه".

وقال د. العودة: "وجدت أكثر من أربعة كتب مترجمة إلى اللغة العربية بعنوان "تعلَّم كيف تقول لا"، والطريف أن واحداً من هذه الكتب للأطفال، والأكثر طرافة أن شرطة دبي قامت بطبع وتوزيع نحو خمس عشرة ألف نسخة من هذا الكتاب للأطفال، وهو كتاب مصوَّر يعلم الطفل كيف يقول لا، خاصةً أنّ الطفل أحياناً قد يتم ابتزازه أو الضغط عليه أو التحرش به خاصةً إذا كان الطفل يهاب الكبار ويُقدِّر الكبار ويحترمهم فإنه يمتثل ويُطيع، لأنه ربما تعلَّم عادات سيئة جنسية أو تعلَّم مخدرات أو تعلَّم ترويج ألوان من الفساد من خلال كلمة نعم التي قالها في غير محلها. ولفت إلى أهمية تربية الأبناء على أن يقولوا "لا"، وهي ما تسمى بقوة الرفض الإيجابية.

وأضاف، أنّ هناك العديد من المواقف التي تتطلب منا هذا الرد، غير أنّه من المهم في الرفض ـ أيضاً ـ أن يكون إيجابياً، بمعنى ألا يكون مصحوباً بجرح لمشاعر الآخرين، وألا يكون مبنياً على كذب.

تعزيز الإيمان

من جهة أخرى، حذر فضيلته، من أن تكون المقدسات الشرعية صيداً سهلاً أو جداراً قصيراً يعبث بها الإنسان بحجة الإبداع، داعياً إلى حملة لتعزيز الإيمان وتقويته وترسيخه في نفوس الشباب لمواجهة ظاهرة الانفتاح الثقافي والفكري الواسع.

جاء ذلك في رده على سؤال خلال الندوة حول ما كتبه أحد الشباب في "تويتر"  بحق رسول الله -صلى الله عليه وسلم- وما أثاره من جدل واسع وعن كيفية التعامل مع مثل هذا الموقف.

وسجل د. العودة ثمانية نقاط حول هذا الموضوع، مشيراً إلى أن النقطة الأولى: هي أن الله ـ تعالى ـ علمنا الأدب العظيم في حق نبيه -عليه الصلاة والسلام- بالتوقير والتعظيم والتبجيل وعدم رفع الصوت عليه في حضرته، أو على هديه وسنته وشريعته ونبوته، فقال: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تُقَدِّمُوا بَيْنَ يَدَيِ اللَّهِ وَرَسُولِهِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَرْفَعُوا أَصْوَاتَكُمْ فَوْقَ صَوْتِ النَّبِيِّ وَلا تَجْهَرُوا لَهُ بِالْقَوْلِ كَجَهْرِ بَعْضِكُمْ لِبَعْضٍ أَنْ تَحْبَطَ أَعْمَالُكُمْ وَأَنْتُمْ لا تَشْعُرُونَ * إِنَّ الَّذِينَ يَغُضُّونَ أَصْوَاتَهُمْ عِنْدَ رَسُولِ اللَّهِ أُولَئِكَ الَّذِينَ امْتَحَنَ اللَّهُ قُلُوبَهُمْ لِلتَّقْوَى لَهُمْ مَغْفِرَةٌ وَأَجْرٌ عَظِيمٌ}، ولما نزلت هذه الآية بكى ثابت بن قيس بن شماس خطيب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- ويقول: أنا أرفع صوتي على رسول الله -صلى الله عليه وسلم- حبط عملي أنا من أهل النار، فقال النبي -صلى الله عليه وسلم-: بل هو من أهل الجنة.

وأضاف فضيلته، أن المعنى الثاني: هو أن الإيمان بالله والإيمان بالرسول -صلى الله عليه وسلم- هو سكينة في الحياة الدنيا ونجاة في الآخرة، يواجه به الناس تحديات الحياة وصعوبات العيش ومستجدات الفكر.

أما النقطة الثالثة: فهي أنّ "شخص النبي - صلى الله عليه وسلم- محاطٌ بمجموعة من الآداب والتعليمات التي أمرنا الله تعالى بها ويجب على المسلمين الامتثال لها، ولذلك فقد نهانا الله ـ سبحانه وتعالى ـ أن نناديه باسمه: (لا تَجْعَلُوا دُعَاءَ الرَّسُولِ بَيْنَكُمْ كَدُعَاءِ بَعْضِكُمْ بَعْضاً)، كما أنّ الأمة أجمعت على مشروعية الصلاة والسلام على النبي -صلى الله عليه وسلم- كلما ذُكر، لقول الله -عز وجل-: {إِنَّ اللَّهَ وَمَلائِكَتَهُ يُصَلُّونَ عَلَى النَّبِيِّ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا صَلُّوا عَلَيْهِ وَسَلِّمُوا تَسْلِيماً}.

الإبداع والشريعة

والنقطة الرابعة: هي إلى أنّ الإبداع باب واسع من حق الناس أن يبتكروا وأن يتألقوا لكن دون المساس بالمقدَّس الشرعي المتعلق بالإيمان بالله ورسله وأركان الإيمان الأساسية الجوهرية في القرآن الكريم.

وأضاف، "هذه أشياء لا يجوز المساس بها ولا القرب منها وفي كل بلد في العالم بلا استثناء هناك مقدسات عندهم لا يجوز المساس بها، إن شئت أن تنظر إلى الكيان الصهيوني -مثلاً- والتي تقاتل من أجل أن تُثبت أنها دولة دينية، كما هو الحال في أي دولة في أوربا أو في الولايات المتحدة الأمريكية".

وتناول د. العودة في النقطة الخامسة: أسباب هذه الظاهرة والتي أرجعها إلى "الانفتاح الفكري في مجتمعاتنا بحيث يمكن لأي شخص التواصل مع أي أحد في العالم"، لافتاً إلى أنّه "منذ سنوات بدأ أبناؤنا يجنحون للاطلاع على ثقافات غربية ووجودية وكتب فلسفية ربما أكبر من إمكانياتهم، ويطرحون أسئلة فيها الكثير من الشك والريبة وبعضهم ربما تحولوا إلى التعبير عن أنفسهم بهذا المعنى الذي فعله الشاب"، داعياً إلى حملة لتعزيز الإيمان وتقويته وتدعيمه وترسيخه في مواجهة هذا الانفتاح الثقافي والفكري الواسع". وشدد على أهمية تواصل العلماء والفقهاء والدعاة والمصلحين بالشباب والاستماع إليهم وإزالة الشبهات وتعزيز الإيمان في نفوسهم.

مخاطر محتملة

وفي المعنى السادس لفت فضيلته، إلى أنّ هذه الظاهرة تذكرنا بالمخاطر المحدقة وكيف لنا أن نعالجها مطالباً بحملات متواصلة لترسيخ الإيمان، وأهمية قرب العلماء والفقهاء والدعاة والمصلحين إلى الأبناء والتواصل معهم ذكوراً وإناثاً والاستماع إليهم وإزالة الشبهات وتعزيز الإيمان في نفوسهم.

والنقطة السابعة: هي أنّ "قضايا الأشخاص أياً كانت تعالج إدارياً وفق أنظمة البلد وضمن متابعة شخصية وحضورية وهو ما يتحقق الآن ونحن نتابع" .

ولفت د. العودة في النقطة الثامنة، حول هذا الموضوع،  إلى ضرورة الاقتداء بهدي النبي ـ صلى الله عليه وسلم ـ والابتعاد عن الاندفاع العاطفي والتهديد أو الإيذاء في تعاملنا مع القضية قائلاً: إن النصرة الحقيقة للرسول -صلى الله عليه وسلم- تتمثل باتّباعه، ومحبته والاقتداء به في أقوالنا وأعمالنا وفي طريقتنا بالتعبير، وفي أسلوبنا في النصيحة، وأشار إلى أهمية أن نكون ملتزمين بهدي النبي -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- لأنّ السبّ واللعن ليس أسلوباً للتغيير، مطالباً بأن يكون الأسلوب راقياً وحضارياً وقانونياً بعيداً عن الاعتداء اللفظي أو العنصرية العرقيَّة أو الاندفاع الشخصي كالتهديد -مثلاً- بالقتل أو بالتأديب.

لا تحسبوه شراً

واختتم فضيلته، إلى أنّ مثل هذه الحادثة ستكون خيراً بإذن الله تعالى، لأنها ستنبهنا إلى نقاط خلل وضعف في تربيتنا وفي تواصلنا وفي مجتمعاتنا وفي تعاطينا، بل وحتى في قوانيننا، مُذكِّراً بما قاله الله -عز وجل- في حادث الإفك: {إِنَّ الَّذِينَ جَاءُوا بِالْإِفْكِ عُصْبَةٌ مِنْكُمْ لا تَحْسَبُوهُ شَرّاً لَكُمْ بَلْ هُوَ خَيْرٌ لَكُمْ}، ودعا شباب الأمة أن يتأنوا، وأن يتبصّروا، وأن يتثبتوا، وأن يبتعدوا عن التضحية في أمور الدين، أو حتى الدنيا. وقال: لعل في ذلك أيضاً الكثير من ألوان الخير الذي لا نتصوره الآن.

تراجعٌ عن الخطأ

وحول البيان الذي أصدره الكاتب معتذراً قال د. العودة: "إنني قرأت البيان الذي اعتذر فيه مما قال وأعلن توبته إلى الله -عز وجل- واستغفاره وتلا آيات القرآن الكريم وجدد إيمانه وجدد شهادته ولم يكن هذا البيان تنصلاً أو تهرباً وإنما كان اعتذاراً صريحاً واضحاً لا لبس ليه "، وأضاف، "إنني مسرور بهذا التراجع وهذا الندم، وأسأل الله -عز وجل- بأسمائه وصفاته في عليائه وبرحمته أن يُصلح قلبه وقلوب أبنائنا جميعاً، وأن يتوب عليهم توبة صادقة لا لبس فيها ولا نكوص عنها" غير أنه أشار في الوقت ذاته إلى أنه لا بد أن يكون هذا بمعزل عن قضية إجراءات إدارية أو قضائية تتطلب ألا يمر الأمر هكذا بمجرد كتابة الاعتذار.

في السياق، أشاد د. العودة باللقاء معربا عن سعادته بحفاوة واستقبال أهل خليص. وقال على صفحته بموقع التواصل الاجتماعي "فيس بوك": "تحدثت عن الشباب والقيادة والانقياد والتبعية وكيف نتعلم الرفض الإيجابي ونعلمه لأولادنا". وأضاف "حفاوتهم كبيرة والحضور كبير لا أجده في المدن الكبرى عادة.. أشكركم بحجم طيبتكم وكرمكم يا أهل خليص".


اترك تعليق