الغنوشي: كثيرٌ من الثورات نجحت في هدم الباطل لكنها لم تنجح في بناء الحق

By :

الشيخ راشد الغنوشي مؤسس حركة النهضة التونسيّة:
كثيرٌ من الثورات نجحت في هدم الباطل لكنها لم تنجح في بناء الحق

 

حوار: مصطفى فرحات  

يشرح الشيخ راشد الغنوشي في حواره لـ «إسلام أون لاين» الخلفيات التي دفعت حركة النهضة في تونس إلى الإبقاء على الفصل الأول من الدستور التونسي كما هو دون تعديل، ورفض إقحام اعتبار «الشريعة» مرجعاً تشريعياً للقوانين. ويكشف في السياق ذاته عن التحديات التي تواجه حركة النهضة التي تحولت من خانة المعارضة المحظورة إلى صف الحُكم، وتسيير البلاد بعد ثورة الياسمين التي أطاحت خصمهم الألدّ: زين العابدين بن علي.

- حصل جدل كبير حول الفصل الأول من الدستور التونسي بسبب رفضكم تعديله بإدراج «الشريعة» كمصدر للتشريع، فما الذي دعاكم إلى اتخاذ هذا الموقف؟

* الفصل الأول من دستور تونس الذي تم إقراره سنة 1959 يحدد هوية تونس ومرجعيتها الفكرية والتشريعية، وهو ينص على أن تونس دولة حرة مستقلة لغتها العربية ودينها الإسلام. والدين هنا يعود إلى الدولة، فنحن إزاء دولة ليست بلا دين، وهذا أمر واضح. والمشرّع التونسي وصانع السياسات رغم كل الانحرافات التي حصلت ظل مراعياً لهذا الجانب على قدر ما يتوافر في المجتمع التونسي من وعي بالإسلام. ثم إن القانون التونسي مستمد من الفقه الإسلامي والشريعة الإسلامية، وذلك مثل مجلات العقود والالتزامات، والمجلة العقارية، ومجلة الأحوال الشخصية عدا بعض الجوانب.

إن السلطة السياسية لم تلتزم بالإسلام قطعاً، وفي كل الجوانب، فرئيس الدولة دعا للإفطار في رمضان (الرئيس بورقيبة) في انتهاك صريح للدستور، فظل صانع السياسة متأثراً بثقافته الغربية وظل يسعى على نحو أو آخر ألا يتصادم التصادم الكلي مع واضحات الشريعة الإسلامية. نحن هنا أيضاً لسنا إزاء دولة ديمقراطية، بل دولة ديكتاتورية، ومن صفاتها أنها إما أن تسن شرائع تبرر الدكتاتورية مثل ما فعل بورقيبة إذ حوّر الدستور في اتجاه تركيز سلطاته، فهو الذي يترأس مجلس القضاء الأعلى بما يتناقض مع مبدأ فصل السلطات الذي ينص عليه الدستور. ومن مثل النص على أن رئاسة بورقيبة مدى الحياة وهذا يتناقض مع مبدأ الجمهورية الذي يقتضي التداول على السلطة. إذاً النصوص وحدها لا تكفي لأن الناس هم من يطبقها في أرض الواقع.

بناء على كل هذا، لم نر فائدة من تقسيم المجتمع التونسي إلى معسكرين: معسكر الشريعة ومعسكر الرافضين للشريعة، في حين أن المجتمع التونسي بكل أحزابه اليوم مجمع على الفصل الأول من دستور 1959، أي الجميع يقبلون باعتبار تونس دولة إسلامية لغتها العربية ودينها الإسلام. وقد كانت فئات كثيرة في المجتمع التونسي تناقش هذا الفصل لتتخلص منه أو تؤوّله على أن يصبح الإسلام ديناً لأغلب الشعب التونسي وليس ديناً للدولة. فنحن إذاً كافحنا من أجل المحافظة على هذا النص الذي يستبقي هوية الدولة التونسية.

لقد كتبت منذ سنة مقالاً قلت فيه إن الفصل الأول من الدستور خط أحمر، وإن دون تغييره خرط القتاد، والآن بسبب ارتفاع الوعي الإسلامي في البلاد لم يعد أحد يناقش هذا الأمر، بل وُجد تيار في البلاد يطالب بزيادة.

- لكن البعض يرى أن ما قمتم به هو مناورة لطمأنة المجتمع الدولي وعلى رأسه القوى العظمى، من أن تونس لن تتحولة إلى دولة دينية؟

* أنا لا أقول بأننا لا نعطي أهمية للوضع الدولي، ينبغي أن نعطي أهمية للوضع الدولي، وينبغي أن نعطي أهمية للوضع الداخلي أكبر من ذلك. علينا ألا نختلف في أحكام الإسلام، فالإسلام واحد وليس متعدداً، وهو الذي نزل على قلب محمد صلى الله عليه وسلم، ولكن تنزيل الإسلام في الواقع يحتاج إلى ألوان من الفقه، وقد تحدّث عن هذا فقهاؤنا الكبار وخاصة شيخنا يوسف القرضاوي في هذا العصر: «فقه الواقع» و«فقه الأولويات» و«مراتب الأحكام». القرآن نزل منجماً وطُبق تدريجياً، وارتفعت أحكام الإسلام مُنجّمة أيضاً، وعودتها ينبغي أن تسلك نفس السبيل، لأن تكليفنا نحن هو بحسب الوُسع «فاتقوا الله ما استطعتم»، وما يطيقه مجتمع معين من الإسلام لا تجيبك عنه كتب الفقه التي تتحدث عن الحلال والحرام، وكما يقال: «العلم بالشيء فرع عن تصوّره»، ولذلك فإن التشخيص الذي يُقدّم إلى الفقيه هو الذي يتحكم في فتواه، والعلوم التي تشخص الواقع مثل الاقتصاد والسياسة والعلاقات الدولية وعلوم التربية هي التي تجيب عن سؤال: «ماذا نُطبق من الإسلام؟». تونس جزء من المنظومة الدولية.. وما أريد لإخواني وأبنائي أن ينتبهوا إليه شديد الانتباه هو أن القرار السياسي لا تمليه فقط مبادئ الحق والعدل، والقرار السياسي ينبغي أن يتأثر أيما تأثر بعد مراعاة الحق والعدل كما ورد في كتاب الله بالالتفات إلى الناس والواقع المحلي والدولي وما يطيقه ذلك.

ولو رجعنا إلى بعض التجارب الإسلامية كتجربة الجزائر التي عشتها في بداية التسعينات، حصلت الجبهة الإسلامية للإنقاذ حينها على أكثر من 80 بالمائة من الأصوات في الانتخابات التشريعية (نحن حصلنا على 42 بالمائة فقط!) ومع ذلك فإن الفئات العلمانية التي خشيت على نمط حياتها وعلى مصالحها ومواقعها وشعرت أن كل ذلك مهدّد، استظهرت بالأوضاع الدولية ومراكزها في السلطة، وهي تملك الجيش والإدارة والاقتصاد والإعلام وتملك العلاقات الدولية لصالحها، فعندما لم يتم تطمينها على أوضاعها ومصالحها قلبت الطاولة وأدخلت الجزائر في أتون من الفتنة، ومعنى ذلك أن المعادلة السياسية لا يحكمها الكم فقط، فلا يكفي أن تقول إن معي الأغلبية حتى أقرر ما أشاء أو أسن ما أشاء من القوانين، المعادلة السياسية يتحكم فيها الكم ويتحكم فيها الكيف ربما بشكل أكبر.

يبنغي لإخواننا أن يدركوا أنهم في زحمة النصر ونشوته، ألا ينسوا موازين القوى المحلية والدولية، وهذا الدرس القاسي الذي تعلمناه من تجربة سوريا عام 1982، ومن تجربة أفغانستان، ومن تجربة الجزائر، ومن تجربتنا نحن في تونس حيث كنا سنة 1989 أغلبية، ولكن ميزان القوة المحلي والدولي قلب الطاولة علينا، فينبغي أن يتذكر إخواننا أنهم بالأمس القريب عندما كانوا يتحدثون عن تونس كانوا يتحدثون عن المساجين والشهداء والجرحى والعائلات الفقيرة، ولما كانت تونس تُذكر كان يُذكر منعُ الحجاب وتصنيف المصلين على أنهم إرهابيون بسبب إقامتهم للصلاة، وتُمنع المرأة الحامل من دخول المستشفى لتضع حملها إلا إذا ألقت حجابها بالخارج. والآن التونسيون بفضل الله أحرار في مساجدهم وفي دينهم ينشئون الجمعيات وهم في رأس الدولة، فينبغي أن يترفق إخواننا بنا قليلاً، وأن لا يكلفونا ما لا نطيق، وعليهم أن يدركوا أننا أعرف بأوضاعنا ولا يشكك أحد في إسلام أحد.

- لكنّ هذا من شأنه أن يعصف بمصداقية الحركة لدى القواعد التي انتخبتها، لا سيما أن عموم الناس لا يحب فلسفة الأمور ولا يفرق بين الشريعة والإسلام ومثل هذه المصطلحات؟

* أنا أثق بعد الله سبحانه وتعالى في شعبنا وفي وعيه، فللناس عقول.. الناس أخذهم الحماس في المدة الأولى ورغبوا في أن نمضي مع النشوة إلى النهاية، ولكن عندما اتصلنا بإخواننا وتحاورنا معهم بدأ العقل يأخذ موقعه ويفتح للناس عيونهم على شيء اسمه «ميزان القوة»، وهو شيء كثيراً ما جهلناه نحن الإسلاميين، حيث تصوّرنا أن كل ما نعتقد أنه حق قابل لأن ينزل إلى الأرض، ما هو حق هو في ضميرك، وينبغي أن نؤمن بالإسلام كله كما ورد في كلمات لسيد قطب «خذوا الإسلام جملة أو دعوه»، هذه الكلمة صحيحة إذا فهمت على وجهها الحق: خُذوا الإسلام عقيدة وخذوه جملة، ولا تتنازلوا عن شيء من دينكم في العقيدة، ولكن تنزيله في الواقع، ينبغي أن تُنزلوا الإسلام في الواقع بحسب ما يُطيق ميزان القوة، وبكل معاني ميزان القوة: المحلية والدولية، وإذا تجاهلتم ذلك فالسنن كما يقول الشيخ حسن البنا «غلّابة»، وستتغلب سنن الواقع عليكم، ولذلك أنا أثق في أن شبابنا وإخواننا تفهّموا، ومن لم يتفهم بعد سيتفهم، وحتى ولو لم يتفهموا سنمضي في هذا الطريق ما دامت مؤسساتنا اعتمدت هذا القرار بأغلبية الثلثين. هذا القرار لم يُمله زعيم أو رئيس الحركة، وإنما بعد حوار مطول لمؤسسات الحركة، فتم التصويت بأغلبية الثلثين: 53 مع هذا الموقف وعارض 13 وتحفظ 8، وهذا قريب من الإجماع.

ينبغي أن نكون مطمئنين الى أننا في الطريق الصحيح، فإذا كنتَ اليوم أقلية ستصبح غداً أغلبية، وإذا سرتَ بالناس في طريق خاطئ فحتى لو كانوا أغلبية سيتحولون إلى أقلية وتظل وحدك. لذلك المهم أن تتأكد أنك تسير في الطريق الصحيح، والطريق الصحيح هو الذي قد لا يحقق اليوم كل ما تريد، لكنه يظل مفتوحاً ويحقق لك غداً وبعد غد ما لم تقدر على تحقيقه اليوم، والطريق الخطأ قد يحقق لك اليوم الكثير ولكنه غداً يتناقص ولا يزيد لأنه خط خاطئ.

- هناك حديث عن صعود المدّ السلفي المعارض لسياساتكم، فكيف ستتعاملون معه؟

* السلفية كما هو معلوم مفهوم ملتبس أيضاً. فكل المسلمين بمعنى ما هم سلفيّون، أي يؤمنون بأن المرجع الأعلى للحق والصورة النموذجية للتطبيق الإسلامي هي ما كان عليه الرسول صلى الله عليه وسلم وخلفاؤه الراشدون وأتباعهم وأهل المذاهب الأربعة، فهم السلف الصالح. لكن بالمعنى المعاصر غلب مفهوم السلف على فئة من المسلمين هي نفسها توحدت في ضرورة العودة إلى الكتاب والسنة وتحقيق الأحاديث ومحاربة البدع، وهذا تشترك فيه الحركة الإسلامية الإصلاحية كلها، لكن بعض السلفيين يحرّم الديمقراطية وبعضهم ينكر الانتخابات ويرفضها، وبعضهم يقبل الانتخابات وينشئ الأحزاب، وبعضهم مسالم يؤمن بأن هذه المجتمعات إسلامية وأن هذه الدول إسلامية ولكن إسلامها مخدوش أو منقوص يمكن أن يُستكمل بالدعوة والعمل السياسي السلمي، وهناك سلفيون آخرون يُكفرون هذه المجتمعات ويستحلون دماء المسلمين ويُكفرون هذه الدول ويستحلون استخدام السلاح في مواجهتها.  

والسلفية في تونس تتضمن كل هذه الاتجاهات، وهؤلاء هم أبناء وبنات تونس، نشأوا في ظل أوضاع قاتمة وقاهرة وفي ظل القمع والاستبداد وغياب المرجعية الإسلامية التونسية بعد أن دُمّر جامع الزيتونة الذي كان يُنتج التدين التونسي المعتدل، وأصبحت تونس «أرضاً منخفضة» تأتيها كل المذاهب الدينية من الشرق والغرب.. نحن نتوقع أنه في ظل أوضاع الاعتدال الإسلامي وعودة الإسلام إلى أرضه عزيزاً كريماً بعيداً عن كل اضطهاد ومطاردة، ستستعيد تونس كل أبنائها وبناتها وسيعود جامع الزيتونة ليؤطّر كل المسلمين في هذه البلاد ويسود الاعتدال إن شاء الله.

أما الآن، فنحن ندعو إلى نهج الحوار مع الجميع: مع العلمانيين والإسلاميين بمن فيهم السلفيون.. هناك جهات تُهيّج الحرب. وقد زارتني منذ أيام قليلة صحفية فرنسية فكانت تركز منذ سؤالها الأول على السلفيين وتسأل: لِمَ لمْ تفعلوا معهم كذا وكذا؟ ولماذا فعلوا كذا ولم تقمعوهم؟ فقلت لها: لِمَ تحرضينا على مواطنينا، ماذا فعلتم أنتم مع المتطرّفين عندكم؟ لَمْ تفتحوا لهم السجون والمعتقلات بل حاورتموهم وأدخلتموهم إلى البرلمانات.. فلماذا تحرضون بعضنا على بعض.. نحن نتحاور مع أبنائنا وبناتنا، ومن كان سلاحه فكرة فالمساجد مفتوحة أمامه والنوادي وتكوين الجمعيات والأحزاب، ومن تجاوز الحدّ - وهم فئة قليلة تؤمن بالعنف - فسيطبق عليهم القانون كما يُطبق على غيرهم.

- وما هي أبرز التحديات التي تواجهكم بعدما انتقلتم من المعارضة المغضوب عليها إلى الحكم؟

* أهم تحدٍّ نواجهه هو أن يتحقق الاستقرار السياسي الديمقراطي في تونس. كان الاستقرار قائما من قبلُ على الخوف وعصا الشرطي.. انكسرت هذه العصا اليوم وأصبح الناس أحراراً يمارسون حرياتهم بأقصى ما يستطيعون ليثبتوا أنهم أحرار، فيتظاهرون وأحياناً يتجاوزون ذلك. الحرية تحتاج إلى النظام وإلى المسؤولية، حتى لا تتحول إلى فوضى ولا «يتصَوْمَلَ» البلد. نحن ليس عندنا تراثٌ ولا ثقافة في ممارسة الحرية ممارسة مسؤولة. منذ سقطت الخلافة الراشدة يقوم الحكم على الخوف والتغلّب «من ظهرت شوكته وجبت طاعته».. نحتاج إلى ثقافة جديدة حتى نُوائم بين الحرية وبين النظام، والحياة لا بدّ لها من نظام، ولكنّ النظام ينبغي أن يتأسس على الحرية وليس على الاستبداد والخوف والقمع. فالتحدي الأول هو كيف نستطيع ممارسة الحرية ممارسة مسؤولة، وكيف نجمع بين الحرية والنظام؟

التحدي الثاني هو التنمية، فالتنمية تحتاج إلى نظام وهدوء واستقرار، والسنة الماضية كانت سنة فوّارة تغلي في تونس. لكي يستقر نظام جديد يحتاج هذا إلى وقت. وكثيرٌ من الثورات نجحت في هدم الباطل لكنها لم تنجح في بناء الحق، ونحن الآن وقد هدمنا الباطل إلا بقاياه في معركة بناء الحق والحرية وبناء العدل. نحن معتقدون تماماً أن دولة العدل ودولة الحرية هي دولة الإسلام، ولذلك نحن مطمئنون إلى أن شعبنا شعب مسلم ويحتاج لإطار من الحرية والضمانات ليتعرف الى دينه وينشئ مؤسساته الإسلامية وينمي اقتصاده، وبالتالي نحن مستبشرون بأن العالم يتجه نحو الإسلام، وبأن هذه الشرارة المباركة التي انطلقت من تونس احتضنتها دول كثيرة خاصة مصر واليمن وليبيا وسوريا، وهذه حاضنات للثورة التونسية وداعمة لها، ونحن على أبواب تاريخ جديد للإسلام والعالم إن شاء الله.

 

الإسلام أون لاين


اترك تعليق