العودة: القرآن علمنا كيف نكسب الأعداء لا أن نخسر الأصدقاء

By : الإسلام اليوم/ محمد وائل

  
أكد فضيلة الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، أن الأزمات ملازمة للحياة منذ هبوط آدم من الجنة، مشيراً إلى أنّ الحكمة تبرز من خلال الهدوء الذي يتسم به الإنسان وعدم قبوله أن تتحول الأزمة ـ سواء كانت محلية أو جزئية ـ إلى أن تكون أزمة في داخل نفسه فتحرمه من مشاهدة الواقع وبالتالي تحرمه من مشاهدة الحلول أو الجوانب الإيجابية في حكمة الله تعالى الذي خلق الأزمة وبإزائها خلق الحياة، خاصة وأن الرسل - عليهم الصلاة والسلام- عاشوا هذه التجارب كلها ونقلوا لنا الصيغة التي يجب أن تحدث.

ولفت فضيلته ـ خلال برنامج "لقاء الجمعة" على قناتي "الرسالة" و"روتانا خليجية"   ـ إلى أن نبي الله  نوح - عليه الصلاة والسلام - مكث في قومه ألف سنة إلا خمسين عاماً، دون أن يعيش أزمة من خلال التكذيب والسب والشتم الذي تلقاه، بل كان يخاطب قومه بالترغيب فيما عند الله: (فَقُلْتُ اسْتَغْفِرُوا رَبَّكُمْ إِنَّهُ كَانَ غَفَّاراً * يُرْسِلِ السَّمَاءَ عَلَيْكُمْ مِدْرَاراً * وَيُمْدِدْكُمْ بِأَمْوَالٍ وَبَنِينَ وَيَجْعَلْ لَكُمْ جَنَّاتٍ وَيَجْعَلْ لَكُمْ أَنْهَاراً * مَا لَكُمْ لا تَرْجُونَ لِلَّهِ وَقَاراً وَقَدْ خَلَقَكُمْ أَطْوَاراً).

صبرٌ على المكاره

وأشار إلى أن المؤمنين في أزمات الشدة والمعارك، أنزل الله تعالى عليهم السكينة، كما في قوله تعالى: (هُوَ الَّذِي أَنْزَلَ السَّكِينَةَ فِي قُلُوبِ الْمُؤْمِنِينَ)، مشيراً إلى أن السكينة هنا ليس معناها كما يعبر الناس - أحياناً- أنها حالة استرخاء أو لامبالاة، وإنما هي الصبر على المكاره وتحمل استفزاز الآخرين كما في قول الحق تعالى (فَاصْبِرْ إِنَّ وَعْدَ اللَّهِ حَقٌّ وَلا يَسْتَخِفَّنَّكَ الَّذِينَ لا يُوقِنُونَ).

أزمة  الخلاف

وحول قضية الخلاف أوضح د. العودة  أن الصحابة -رضي الله عنهم- اختلفوا في مسائل كثيرة من بينها مسائل منصوصة في القرآن الكريم، إما بسبب الفهم ، أو بسبب عدم بلوغ النص له، أو بسبب اعتقاده أن النص منسوخ أو أنه يقدم خاص على عام أو لاجتهاد من الاجتهادات، إضافةً إلى اختلافهم في القضايا الاجتهادية بما في ذلك مسائل السياسة الشرعية وقضايا الحكم اختلافاً كبيراً.

وقال: إن أول خلاف حصل بين الصحابة كان في سقيفة بني ساعدة في قضية الخلافة، والتي انتهى الأمر فيها إلى اختيار أبي بكر الصديق -رضي الله عنه وأرضاه- ، ثم جاء عصر السلف الذي شهد ميلاد المذاهب الأربعة المشهورة، الذين اختلفوا في قضايا جزء كبير منها منصوص إما في القرآن أو في السنة، ووجد ما يمكن أن نعبر عنه بأنها "أحزاب فقهية"؛ مالكي، وحنبلي، وشافعي، وحنفي فضلاً عن فقهاء المدينة السبعة ، إلى جانب مدارس أخرى كالأوزاعي في الشام والمذهب الظاهري، مشيرا إلى أن هذا الاختلاف القائم لم يتقبله  البعض أول الأمر ولذلك كان الإمام أحمد يقول: "لم نزل نلعن أهل الرأي ويلعنوننا حتى جاء الشافعي فأصلح بيننا".

وأضاف أن الإمام أحمد كان يُعجب بالشافعي ويُثني عليه ويدعو له ويأمر بقراءة كتاب الرسالة وخاصة الذي كُتب في مصر، لأنه استطاع أن يهدئ وتيرة الخلاف، مشيراً إلى أن جمهور أمة الإسلام تبعت هذه المذاهب الأربعة وقالت بها، ولا يكاد يوجد اليوم من يُضلل أو يتهم أحداً من هؤلاء.

أخلاق الأزمة

وأكد فضيلته على أهمية وجود أخلاق إسلامية والحفاظ على حق المسلم، ومنها: نصرة المظلوم، ورد السلام، وتشميت العاطس، وإبرار المُقسم، واتباع الجنائز، وعيادة المريض، مشيراً إلى ضرورة التحلي بـ"أخلاق الأزمة" كالحلم مثلا عند الغضب: «إِنَّ فِيكَ خَصْلَتَيْنِ يُحِبُّهُمَا اللَّهُ الْحِلْمُ وَالأَنَاةُ »، إضافة إلى الصبر ومحاولة عدم الانفعال عند حدوث أي استفزاز لأن الأزمة بطبيعتها عابرة. وقال: على الإنسان هنا أنه يرجع ليُراقب نفسه بحيث يكون في الأزمة القادمة أكثر نضجاً وأكثر بُعداً عن الانفعال أو الاندفاع وأكثر قوة.

ولفت د. العودة إلى أن أسوأ الأخلاق قضية نشر الشائعات، ومقابلها التثبت (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِنْ جَاءَكُمْ فَاسِقٌ بِنَبَأٍ فَتَبَيَّنُوا) وفي قراءة: (فَتَثبَّتُوا أَنْ تُصِيبُوا قَوْماً بِجَهَالَةٍ فَتُصْبِحُوا عَلَى مَا فَعَلْتُمْ نَادِمِينَ)، لأن الأزمة تورث غضباً، مشيراً إلى أن الغضب الذي يسيطر على الإنسان، ولا يملك معه أن يُلجم نفسه يتنافى مع أخلاق الأزمة لأنه يفقده الحياد ويجعله يُصدِّق أشياء لأنها توافق ما يريد ويُكذِّب أشياء لأنها لا تنسجم مع ما استقر في ذهنه.

غياب الحوار

وقال د. العودة: إن غياب الفهم وغياب الحوار بين مكونات المجتمع يصنع الأزمة أيضاً، مشيرا إلى أنه قد يكون هناك قابلية للانفصال -أحياناً- بين هذه المكونات كما هو الحال بالنسبة للسلطة، مثلما حدث في ليبيا على سبيل المثال أو مصر أو تونس، لأنه قد تحدث تحولات تجعل هذا الرابط يضعف أو يزول ومن هنا تبدأ مكونات المجتمع في النهوض وربما تتحول إلى نوع من الاستعداد للتصادم المادي في بعض الحالات، مشيرا إلى أن غياب الحوار بين مكونات المجتمع أياً كانت هذه المكونات كالحوار بين الحاكم والمحكوم من شأنه أن يُوجد قدراً كبيراً جداً من سوء الفهم وسوء التقدير وسوء النظر والاتهام المتبادل.

وأضاف أن إدمان الأزمة لا يقتصر فقط على صراع بين منطقة ومنطقة أو طائفة وطائفة بل هو يمتد -أحياناً- ليكون أحياناً مع الإنسان ونفسه.

الإعلام والأزمات

وحول دور الإعلام اليوم في صناعة أو معالجة الأزمات رأى د. العودة أن الإعلام الجديد "تويتر" أو "فيسبوك" أصبح أكثر تأثيرا من الإعلام التقليدي، مشيرا إلى أنه قام بدور إيجابي في إيصال أصوات الناس والتعبير عنهم والتفاعل مع كل الأحداث بحرية وبدون رقابة، بمعنى أن الإعلام الجديد يعطي للمشاهد العادي دورا فاعلاً ومؤثراً ويعطيه صوتاً.

وأشار فضيلته إلى أن الإعلام التقليدي ليس محايداً في كل الأحوال؛ لأنه دائما ما يتخذ موقفاً "مع أو ضد"، مشيراً إلى أن الإعلام الرسمي في الغالب سيكتفي بالمديح والثناء والإفراط في الإشادة بالنجاحات والتقارير الإيجابية، إضافةً إلى أنه سيكون مقتضباً أو صامتاً حيال الأزمات، على خلاف العالم الغربي مثلاً أو الكيان الصهيوني الذي يتحلى بقدر من الشفافية والوضوح في الحديث عن الأزمة مما قد يخفف من حدتها.

وحول تأثير "تويتر" على الشارع السعودي، رأى فضيلته أن تأثيره كان إيجابيا بشكل ملحوظ، مشيرا إلى أنه أعطى منبراً لمن لا منبر له، خاصة وأن 70% من الشعب السعودي هم من الشباب، الذين كانت أصواتهم لا تصل بأي وسيلة إلا في نطاق ضيق جداً، بخلاف ما يحدث الآن. وقال "ليس هناك سبيل إلى تدريبهم على استخدام الحرية أفضل من أن تمنحهم الحرية ليتعاملوا بها هم ويدركوا مسؤوليتهم عما يقولون أو يفعلون".

أزمة المثقف

وأوضح أن الأحداث الأخيرة بما فيها "الربيع العربي" كانت اختباراً شديداً لكثير من المثقفين الذين أصبحوا بين خيار البحث عن دور لهم أو عن المصلحة الخاصة أو السكوت تجاه ما يحدث. وقال: أنا قد أعذر مثقفاً يسكت؛ لأن السكوت موقف إيجابي، مشيرا إلى أن السكوت قد يعني الاعتراف بعدم الإقدام على التضحية ، أو لأنه لم يتضح لي الموقف جلياً، لكن الذي لا يليق هو أن يسكت المثقف تخليا عن القيم أو المبادئ.

مصر والسعودية

من جهة أخرى، وصف الشيخ سلمان الأزمة بين مصر والسعودية على خلفية اعتقال الحقوقي المصري أحمد الجيزاوي ، بأنّها "عابرة" يقودها بعض المتعصبين في وسائل الإعلام، مطالبا بالتوقف عن استخدام اللغة الهجومية والإقصائية التي يتراشق بها الطرفان، والعودة إلى النهج النبوي، الذي يدعو إلى الكلمة الطيبة، خاصة وأن الفتنة قد يكون الكلام فيها أشد من وقع النبال.

وقال فضيلته:"إن هناك أصوات تصل إلى التطرف في الرأي، فلا يصح أن تشتم شعبا بأكلمة بسبب فتنة وحالة واحدة، وأتمنى أن يكف الكتاب والمغردون وأصحاب المنابر عن تأجيج هذه القضية واستخدام مصطلحات غير مناسبة فيهذا التوقيت بالذات".

ورأى د. العودة أن الأزمة ليست وليدة اللحظة وإنما هي موجودة منذ فترة طويلة، مشيرا إلى أن شهد بنفسه بوادر هذا الخلاف فيما يتعلق بثقافة سعودية وثقافة مصرية داخل المجتمع المصري نفسه مما ولد صراعا حقيقياً لا يمكن تجاهله.

تعزيز الحوار

وشدد فضيلته على ضرورة تبني ثقافة الحوار بين البلدين للخروج من مثل هذه الأزمات، مشيراً إلى أن القرآن الكريم علمنا كيف نكسب الأعداء ولم يعلمنا كيف نخسر الأصدقاء، وذلك في العديد من الآيات كما في قوله تعالى: "ادْفَعْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ فَإِذَا الَّذِي بَيْنَكَ وَبَيْنَهُ عَدَاوَةٌ كَأَنَّهُ وَلِيٌّ حَمِيمٌ".

وأكد أن هناك عددا من المصلحين الحقيقيين بين الطرفين ينادون منذ فترة طويلة بضرورة الحوار والحكمة للخروج من الأزمة ، خاصة وأن هناك الكثير من التحديات المشتركة التي تواجه البلدين، داعيا المخلصين من الشعبين إلى مبادرة إيجابية لردم الفجوة والهوة بينهما.

ليبيا والأحزاب الدينية

وحول قرار حظر الأحزاب على أساس ديني في ليبيا رأى أنها ليست مشكلة في الأساس لأن ليبيا فيها جماعات إسلامية كالإخوان المسلمين، والسلفيين في كل مكان، إضافة إلى أن شعبها متدين لا ينتمي دون أن ينتمي إلى أي تيار أو غيره، مشيرا إلى أنه بالإمكان في هذه الحالة أن يكون هناك حضور وتأثير للأصوات الإسلامية سواء انتمت إلى الإخوان أو للتيارات السلفية أو للتيارات المستقلة صاحبة التدين الفطري.

وحول الأزمة بين المجلس الوطني الانتقالي والحكومة واتهام رئيس الوزراء الليبي عبد الرحيم الكيب المجلس الوطني بعرقلة عمل الحكومة، أكد الشيخ سلمان على ضرورة تجاوز أي خلافات مكرراً: "لا تسمحوا للقذافي أن يحكمكم من قبره من خلال الكلام الذي كان يهددكم به أو إثارة حرب أهلية أو من خلال الانشغال بالمشكلات التي خلَّفها من بعده"، وأشار، في الوقت ذاته، إلى أنه بعد مضي هذه الفترة الكافية فهناك قدر من الطمأنينة حتى وإن كان الوضع لا زال قلقاً فإنه لم ينزلق إلى حرب أهلية كما كان الناس يُزايدون، معتبرا أن وجود أزمة ما بين الحكومة والمجلس الانتقالي ليس شيئاً غريباً في حد ذاته.

أسئلة الثورة

وأوضح د. العودة أن نشر كتابه "أسئلة الثورة" إلكترونيا بعد منعه ليس تحدياً للقرار على اعتبار أن النشر الإلكتروني في حد ذاته مسموح، مشيرا إلى أن المنع جاء للدار التي كانت تقوم بتوزيع الكتاب في معرض الكتاب، ولم يخاطبه أحد أن الكتاب ممنوع. وقال: "على العكس جاءتني أصوات عديدة من أطراف كثيرة معجبة بمضمون الكتاب وأن مضمون الكتاب ليس مرتبطاً بظرف معين وإنما هو مضمون علمي معرفي يراعي المستقبل أكثر مما يراعي الحاضر، ويراعي التوازن أكثر مما يراعي أنه ينحاز صوب الثورة -مثلاً- أو صوب غيرها".

وأوضح أن نقد الكتاب جاء من زاوية سياسية بمعنى أن البعض رأى فيه تصعيدا سياسياً، على خلاف الواقع، مشيرا إلى أنهم فقط قرؤوا عنوان الكتاب واسم الكاتب، ثم بنوا رأيهم على هذا الأساس.

وأضاف أنه حاول أن يجعل من الكتاب دراسة علمية فقهية شرعية هادئة، مشيرا إلى أن الكتاب يُثير من الأسئلة أكثر مما يجيب عليها ، بمعنى "أنني لم أحاول أن أتبنى فيه رأياً بقدر ما أُوضح بعض المسائل ويبقى الأمر للأخذ والرد حولها".

ملتقى النهضة

وحول الحملة التي أثيرت على خلفية ملتقى "النهضة"، أكد د. سلمان العودة أنه لم يصدر منه خلال هذه الفترة أي تصريح على الإطلاق، مشيراً إلى أنه اتخذ قراراً بالصمت على كل ما يثار ضده. وقال: "كنت أشعر براحة نفسية وانضباط أخلاقي لأني أريد أن ينتهي الكلام وأنا واقف في مكاني ما تقدمت ولا تأخرت".

وأضاف: "رأيت أن الصمت هو أفضل خيار لأنني لا أريد أن أقول كلاماً فأخطئ فيه في حق نفسي أو حق أحد غيري قريب أو بعيد، خاصة وأنه ليس لي  معرفة بالأمر ولا اطلاع عليه.

وتابع فضيلته: "الصمت في نظري هو القرار الحكيم المناسب لي؛ لأن نصيحتي دائما هي لا تتكلم وأنت تحت ضغط معين، بل انتظر انتهاء هذه الأزمات ثم تكلم بكل راحة واسترخاء حتى لا تكون أراؤك مشحونة في حالات الحرج والتوتر".

وأردف " أعرف أني أُذنب وأخطئ وأرجوا ألا يكون من خطئي أني أصادر أحداً من الناس، أو أقع في أحد، ولأنني دائما أؤمن بقضية كسب الأعداء إن أمكن وليس خسارة الأصدقاء.

مشيراً إلى أنه في وقت القيل والقال يحسن بالإنسان أن ينأى بنفسه عن الاحتكاكات السلبية خاصة إذا كان الاسم في حد ذاته مطلوبا مستهدفاً. وحين يفقد الطرف المهاجم اندفاعه يكون بمقدورك ان تتأمل بهدوء وتعرف منطقة الصواب والخطأ وتسحب ذيل النسيان على كل الزوائد واﻷقوال التي يحسن إهمالها.


اترك تعليق