العودة: على السوريين أن ينقطعوا إلى الله وألا ينتظروا موقفا دوليا

By :

-       العالم كله متفق على إزاحة النظام لكنه متخوف من البديل

-       تراجع الثورة يعني الهلاك والتغيير لا يأتي إلا بالتضحيات

-       الخلاف بين القوى الثورية يؤجل ساعة الصفر ويصب في صالح النظام

-       الاتفاق على مبدأ إسقاط النظام يكفي الآن وأية خلافات ستضر بالقضية

-       على العلماء أن يشحنوا أرواح السوريين لمواصلة الجهاد وطلب الشهادة

-       جرح الثورة انفجر لأنه بُني على فساد وسوريا عانت كل أنواع الظلم

-       على مسلمي العالم دعم سوريا بكل ما يستطيعون والدعاء وحده لا يكفي

-       الثورة ليست فرصة لتحقيق مصلحة خاصة ويجب أن تكون رحمة للجميع

-       يجب اندلاع احتجاجات ضد مؤيدي الأسد ليدركوا أن مصالحهم باتت مهددة

-       النظام عزّز الطائفية والمعركة بالنسبة له حياة أوموت

طالب فضيلة الدكتور سلمان بن فهد العودة، الأمين العام المساعد لاتحاد العلماء المسلمين، السوريين، أن يستمروا في جهادهم وألا ينتظروا موقفا دوليا أو عربيا أو سياسيا، وأن يعولوا على الله تعالى وحده واصفا ثورتهم بـ"اليتيمة" التى انقطعت أحلامها وآمالها بالبشر حتى يعرفوا أنه لا ملجأ من الله إلا إليه، وهو خير الناصرين، (بَلِ اللَّهُ مَوْلاكُمْ وَهُوَ خَيْرُ النَّاصِرِينَ) ومن توكل على الله كفاه، ومن استعان به أعانه. وأكد أنّ هذا الانقطاع من شأنه أن يزيد الناس إيماناً بربهم وثقة بوعده.

واعتبر فضيلته ـ في حلقة بعنوان "الثورة اليتيمة"  ضمن حملة "من أجل سوريا" على قناة المجد ـ أن أوربا، وأمريكا ومعظم الدول الغربية، بما في ذلك تركيا، متفقون على ضرورة رحيل هذا النظام، ولكنهم مختلفون حول البديل، خاصة وأن سوريا متاخمة لإسرائيل وتعد من دول المواجهة، مشيرا إلى أنهم لا يريدون نظاما إسلاميا، إضافة إلى تخوفهم من حالة فراغ ، دون أن يكون هناك بديل جاهز.

زائل لا محالة

وأكد أن هذا النظام زائل، بإذن الله ـ تعالى ـ ويجب أن يكون عندنا ثقة بالله، "وأرجو الله تعالى ألا يطول الأمد بمعاناة المسلمين، ولكن يبدو أن هذه سنة الله -سبحانه وتعالى-"، مشيرا إلى أن المواقف التاريخية محفوفة بالتضحيات، ولا يمكن أن يأتي مثل هذا التغيير بسهولة، خاصة وأن النظام السوري مستبد عمل خلال عشرات السنين في الداخل على تقوية وتعزيز النزعة الطائفية، إضافة إلى تحالفاته الطائفية فى الخارج أيضاً.وأكد فى الوقت ذاته أنه يتهالك ويتداعى بدليل أنه يقاتل بعنف لأنه يعلم أنها معركة حياة أو موت بالنسبة له، مشيرا إلى أن بعض القوى الداعمة له يعرفون أنه ساقط لا محالة.

وشدد د. العودة على ضرورة أن "تظل عزيمة الشعب السوري قوية وإيمانهم بالله قوي، وألا يدب إليهم شيء من الضعف أو الوهن أو اليأس أو الاستبطاء". وقال: "قضايا التحول الضخمة والحصول على الحرية وكسر طوق الطغيان والعدوان والحكم المستبد في التاريخ لا يمكن أن يأتي بسهولة، ولابد فيه من تضحيات جسيمة، مثلما قال شوقي:

وَلِلحُرِّيَّةِ الحَمراءِ بابٌ          بِكُلِّ يَدٍ مُضَرَّجَةٍ يُدَقُّ

ولفت فضيلته إلى قول الله تعالى: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اصْبِرُوا) ، وإذا بدأ الصبر يتضعضع خاطبهم بقوله: (وَصَابِرُوا)، بمعنى: انتقلوا إلى مستوى أعلى وأقوى من الصبر وهو المصابرة، ثم انتقل إلى مرحلة ثالثة وهي قوله: (وَرَابِطُوا)، والمرابطة هنا هي الاستمرار والمداومة وألا ييأس الناس، (وَاتَّقُوا اللَّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ).

علماء السلطة

وعن دور العلماءفي خدمة القضية السورية، أكد فضيلته أن العلماء الذين صدقوا ما عاهدوا الله عليه ولم يأخذوا أعطيات السلطان أو الحاكم لن تتلعثم ألسنتهم بكلمة الحق، ويجب أن يكونوا نقطة يجتمع عليها الناس، وأن يحرصوا على مخاطبة مشاعر الشعب السوري، وعلى تعزيز الدوافع والقوة الإيمانية في نفوسهم، وعلى تذكيرهم بقيمة الشهادة في سبيل الله، وأن الشهداء أولئك هم (وَالسَّابِقُونَ السَّابِقُونَ) اختارهم الله تعالى واصطفاهم وفضّلهم، مشيرا إلى أن الشهادة منصب رفيع وقيمة عليا لا يحصل عليها إلا أولئك الذين علم الله ـ تعالى ـ صدق قلوبهم فاتخذهم شهداء، واختارهم واصطفاهم.

وقال "هذا المعنى العظيم من الواجب على العلماء والدعاة والخطباء والمتحدثين أن يشحنوا أرواح المؤمنين في سوريا به، وأنه لا عودة عن  هذا السبيل الذي سلكه الشعب السوري واختاره لأن الرجعة عنه هي موت محقق،  مخاطبا المعارضة السورية أينما كانت في تركيا أو في مصر أو في أوربا أو في الداخل بقوله: "اتقوا الله فيمن يحبونكم ويراقبونكم وينتظرون مواقفكم ليل نهار ويحزنون من أجل أطفالكم ودمائكم ونسائكم.. بحيث تكونوا على مستوى المواجهة، وعلى مستوى الحدث".

خطورة الخلاف

وحذر د. العودة من أن الخلاف بين القوى الثورية من شأنه أن يؤجل ساعة الصفر، وسيستفيد منه النظام، مشددا على خطورة التسامي على  المصلحة الخاصة، فى هذا الوقت بالذات.

وقال "حينما ألتقي بكثير ممن ينتمون إلى الثورة السورية أطالبهم بشدة ألا ينظروا إلى الثورة كأنها فرصة لتحقق رؤيتهم الخاصة، هذا مصدر الخطر والخطأ، ويجب معرفة أن الثورة هي مصلحة لجميع السوريين حتى الذين لم يشاركوا فيها دون أن يكونوا أيضا مع النظام حتى تكون رحمة لهم جميعاً".

وناشد فضيلته السوريين من  مدنيين وعسكريين وقادة كبار وصغار وعرب وتركمان وأكراد وطوائف مختلفة أن يتوحدوا وألا يُفهم أن توحدهم يعني إلغاء اختلافاتهم، ولكن بعد سقوط هذا النظام يكون هناك اتفاق على الاحتكام إلى أسس معينة وإلى مواثيق العدالة والحرية والإنصاف والحقوق للجميع؛ بحيث لا تعتبر الثورة مكسبا للمسلمين -مثلاً- ضد مجموعة مسيحية تخشى أن تتعرض  لانتهاك، أو مكسب لعرب ضد أكراد أو تركمان، وإنما الثورة لكم جميعاً أيها السوريون إلا من أبى وانحاز إلى النظام، أما من سواهم فينبغي أن يكون هناك توافق وروح عالية وثقة وإخاء وصدق مع الله -سبحانه وتعالى- بحيث تكون الثورة فعلاً رحمة للجميع.

رسائل احتجاج

وجدد الشيخ العودة دعوته للشعوب العربية والإسلامية لإيصال رسائل احتجاج أما سفارات الدول الداعمة للنظام السوري، مثلما حدث في الملتقى الاقتصادي بالرياض حينما تم إلغاؤه بعد مناشدات عدة عبر الشبكات الاجتماعية، مشددا على ضرورة أن يكون هناك عمل قوي موجه ضد الحكومة الروسية وضد سفاراتها في العالم، بحيث لا يكون، في الوقت ذاته،  عملاً يتجاوز القانون ولكن تكفي فيه عمليات الاحتجاج والاعتصام وإيصال الرسائل ليشعر الروس أن مصالحهم مهددة ، بينما يمكن ـ في الوقت ذاته ـ التلويح لهم بأنه "إن ينتهوا يُغفر لهم ما قد سلف"، إذا كان لديهم استعداد أن يغيروا موقفهم ويفتحوا صفحة جديدة ويسحبوا دعمهم المطلق للنظام.

الموقف الدولي

وأضاف أنه بالنسبة للعالم الغربي أوروبا والولايات المتحدة الأمريكية فلا شك أنه قد قرر زوال هذا النظام، إلا أن المشكلة ـ كما قلنا ـ هي في البديل والخوف من وجود حالة فراغ أو حالة فوضى، وبالتالي إذا استطعنا كمعارضة سورية أن نقدّم أنفسنا بشكل صحيح وقوي وموحَّد فهذا سيقطع الطريق على المتواطئين مع النظام السوري.

وأضاف الشيخ العودة، "بالنسبة للسوريين عليهم أن لا يطيلوا النظر والترقب والتوقع من الموقف الدولي، يجب أن ينتظروا أولاً وأخيراً من الله -سبحانه وتعالى- الذي بيده النصر والضر والنفع (كُلَّ يَوْمٍ هُوَ فِي شَأْنٍ)، وأن يصدقوا مع الله، وأن يوحدوا صفهم؛ لأن الله -سبحانه وتعالى- يقول: (وَلا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ)، مشيرا إلى أنه "إذا حدث ذلك فسيتعامل العالم معهم باحترام وتقدير وسيكون مضطراً إلى أن يقدم خطوات أفضل".

وأضاف "أعتقد أن هناك دول مثلاً تركيا بعض دول الخليج ودول أخرى غربية مثل فرنسا أو غيرها مستعدة أن تمضي في دعم السوريين إلى ما لا نهاية". مشيرا إلى أن "العالم بدأ يحس بأن الثورة قطعت شوطاً وأصبحت تحرج النظام، خاصة مع الانشقاقات العسكرية التي بدأت  تتوالى ويمكن أن تزيد ـ إن شاء الله ـ لتشهد الأيام القادمة انشقاقات نوعية".

جريمة الطائفية

وحول إقحام الطائفة في سوريا بنفسها مع النظام واعتبارها أن المعركة بالنسبة لها حياة أو موت، أكد د.العودة أن الثورة السورية منذ بدايتها كانت تعلن أن معركتها مع النظام وليست مع علويين ولا مع أي طائفة أخرى، معربا عن أسفه أن تصل الأمور إلى هذا الحد من المجازر والسفك الدموي الذي يوحي فعلاً بأن هناك معركة حياة أو موت.

وشدد فضيلته على ضرورة أن يتسامى الثوار وأن يرتقوا، وأن يلتزموا بالقوانين والأخلاق بالعدل والإنصاف بعدما تذهب عنهم هذه الأزمة وهذه المحنة ويجدون أنهم وجهاً لوجه أمام أناس سفكوا الدماء وانتهكوا الأعراض وقتلوا الأطفال واستخفوا بالأرواح البريئة..

وقال " يجب أن يكون هناك مبادرة سريعة وانضباط، من جانب الثورة وعليهم دائماً أن يعلموا أن تعاملهم مع رب العالمين، وأُذكّرهم دائماً بقولهخ سبحانه: (إِنْ يَعْلَمِ اللَّهُ فِي قُلُوبِكُمْ خَيْراً يُؤْتِكُمْ خَيْراً مِمَّا أُخِذَ مِنْكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ)، وهذا وعد إلهي، إن علم الله في قلوبكم خيراً وأنكم ستقيمون العدل والميزان والإنصاف الذي بعث الله به رسله، كما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: « اذْهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ » وهذه مواقف نبوية عظيمة يعني، مشيرا في الوقت ذاته، إلى صعوبة التحكم في النفس والانضباط ، وعلينا أن نتوقع أن الفعل له ردة فعل، وهذا طبعاً واجهناه في ليبيا تماماً، معتبرا أن الزج بالطائفة في القتال من قِبَل النظام أو أزلامه أو يعد جريمة نكراء.

ليست خرابا

ونفى الدكتور العودة أن تكون الثورة جاءت بالخراب على الشعب السورى، مؤكدا أنه على الرغم من أن سوريا بلد خصب وبلد خير وبلد نفط وبلد استراتيجي وبلد عظيم وعريق وحضارة فإن وضعها منذ استلام حزب البعث للسلطة مأساوي؛ بل أصبح الناس كلهم يخافون من بعضهم البعض، الزوج يخاف من زوجته والأب يخاف من ابنه، ونصف الشعب مجند للأمن والمخابرات ، الفساد على أشده، الرشوة منتشرة والنظام السياسي استبدادي ظالم والكل يعرف ذلك، مشيرا إلى أن هذا الجرح انفجر لأنه بُني على فساد وكان لا بد له أن ينفجر اليوم أو غداً، وهذه سنة الله تبارك وتعالى فالشيء المبني على فساد لا يمكن أن يستمر.

تسليح المقاومة

وأكد د. العودة أن هناك بالفعل حاجة ماسة للسلاح، ويمكن للمقاومة داخل سوريا أن تحصل عليه من داخل سوريا بطرق عديدة كاستهداف المخازن الموجودة ومواقع السلاح الرسمي كأحد الحلول لأنه من المحزن أن يأتي النظام بدباباته وبأسلحته الثقيلة ويقصف درعا أو يقصف حمص أو يقصف مدناً كثيرة أو حتى قرى وبلدات دون أن تكون هناك مقاومة أو تكون أسلحة المجاهدين ضعيفة لا تستطيع الصمود.

اتفاق على المبادئ

وكرر د. العودة مطالبته بضرورة اتفاقهم على مبادئ مثل رحيل النظام، والاحتكام فيما بعد إلى آليات مجملة، مشيرا إلى أن التفاوت في المواقف يجب أن يُحل، حتى عبر أسلوب "المفاوضات الشاقة"وهى التي تستلزم وقتا وجلسات متعددة، للوصول إلى اتفاق حول مبادئ كلية فيما بعد كالانتخابات والدستور .

وقال "أنا مؤمن أن الكثيرين لا يزالون يحملون نفس الروح ويشعرون بأنه كلما تقدَّم الزمن كانوا أقرب إلى لحظة الانتصار وقطف الثمرة، وإذا فتر أناس انضم إليهم أناس جدد يشجعونهم على الصمود". وأضاف "كلما تقديم المزيد من الدماء والتضحيات معناه المضي في طريق اللاعودة، وأنه لا سبيل إلا إلى مواصلة الطريق".

ثقة بالنصر

واختتم د. العودة اللقاء بضرورة أن يصبر السوريون ويصابروا، وأن ينتظروا الفرج من ربهم جل وعز، وألا ييأسوا من روح الله، الذي وعدهم بالنصر وقال: (وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ إِنَّ اللَّهَ لَقَوِيٌّ عَزِيزٌ)، مضيفا " نحن رأينا دولاً ملحدة كيف قاومت الطغيان وقاومت الاحتلال وضحّت وانتصرت في نهاية المطاف، فكيف بمن يدري أنه إن عاش فلله الحمد على إيمان وتوحيد، وإن مات فهو بفضل الله تعالى ونرجو أن يكون إلى رضوان الله والجنة، فهو بين إحدى الحسنيين إما النصر أو الشهادة"، داعيا  المسلمين جميعاً إلى الوقوف الصادق مع إخوانهم في البلد المنكوب سوريا.

وجدد د. العودة دعوته إلى "تقديم الزكاة لمن كان يخرجها في رمضان لإخواننا في سوريا سواء استخدمت في أعمال إغاثية أو إنسانية أو غير ذلك من المصالح العامة التي يقدرها أهل الشأن".

 

الإسلام اليوم/ محمد وائل


اترك تعليق