القره داغي عن الهُويّة السياسيّة عندَ الإمام حَسَن البنّا: هوية إسلامية نقية صافية واضحة مرجعيتها الكتاب والسنة

By :

 

هذه إحدى الدراسات الهامة التي يقدمها عبر الوطن فضيلة الشيخ د. علي محيي الدين القره داغي الأمين العام للاتحاد العالمي لعلماء المســلمين ونائب رئيس المجلس الأوروبي للإفتاء والبحوث وهي دراسة جادة في فكر الإمام الشهيد حسن البنا وهي تحت عنوان الهُويّة السياسيّة عندَ الإمام حَسَن البنّا «رحمه الله» مقدما معالم السياسة لدى الإمام البنا وربطها بهوية الأمة.. أبان فيها رؤية البنا لكثير من القضايا التي يمكن أن تكون مقياسا لعصور قادمة واستبصارا لرؤى مستقبلية في ظل تصاعد جماعة الإخوان المسلمين وتوليهم السلطة بعد أربعة وثمانين عاما من الجهاد:

ظهرت حركة الإخوان منذ أول يوم من ظهورها على يدي مؤسسها الإمام البنا باعتبارها جماعة تنطلق من شمولية الإسلام لجميع مفاصل الحياة، وتسعى جاهدة لإعادة هذه الشمولية إلى أنشطة المسلمين، حيث قال البنا في أولى رسائله: (اسمع يا أخي: دعوتنا دعوة أجمع ما توصف به أنها «إسلامية» ولهذه الكلمة معنى واسع غير ذلك المعنى الضيق الذي يفهمه الناس، فإننا نعتقد أن الإسلام معنى شامل ينظم شؤون الحياة جميعاً، ويفتي في كل شأن منها، ويضع له نظاماً محكماً دقيقاً) ويقول أيضاً: (إن دعوة الإخوان المسلمين دعوة سلفية، لأنهم يدعون إلى العودة بالإسلام إلى معينه الصافي من كتاب الله وسنة رسوله، وطريقة سنية، لأنهم يحملون أنفسهم على العمل بالسنة المطهرة في كل شيء، وبخاصة في العقائد والعبادات ما وجدوا إلى ذلك سبيلاً، وحقيقة صوفية، لأنهم يعلمون أن أساس الخير طهارة النفس، ونقاء القلب...، وهيئة سياسية، لأنهم يطالبون بإصلاح الحكم في الداخل وتعديل النظر في صلة الأمة الإسلامية بغيرها من الأمم في الخارج وتربية الشعب على العزة والكرامة...). ويركز الإخوان على أن الإسلام دين ودولة وسيف وقرآن.


إذن فالإخوان يركزون على السياسة الإسلامية لإعادة الحكم الإسلامي، سواء كان ذلك يتم على أيديهم أو بأيدي الآخرين حيث يقول البنا: «إن الإخوان لا يطالبون الحكم لأنفسهم، فإن وجدوا من الأمة من يستعد لحمل العبء وأداء هذه الأمانة والحكم بمنهاج إسلامي قرآني فهم جنوده وأنصاره وأعوانه، وإن لم يجدوا فالحكم من منهاجهم وسيعملون لاستخلاصه من أيدي كل حكومة لا تنفذ أوامر الله».


ويمكن أن نوجز معالم هذه الهوية السياسية للإخوان في النقاط الآتية:


أولاً- إسلامية الهوية بكل وضوح وصفاء ونقاء، ومرجعيتها الكتاب والسنة، ويتبعهما الإجماع والاجتهاد المنضبط من أهله وفي محله، وهذا المعلم بارز في كل رسائل الإمام البنا، ولا سيما في رسالة الأصول العشرين ورسالة نحو النور ورسالة مشكلاتنا في ضوء النظام الإسلامي ورسالة نظام الحكم.


ثانياً- إنها مشروع إسلامي عام يبدأ من الدولة التي نشأت فيها الحركة، وهي مصر، أي ينطلق من مشروع وطني ليصبح مشروعاً أممياً.


ثالثاً- إنها مشروع متدرج يبدأ بالفرد المسلم، والأسرة المسلمة، فالمجتمع المسلم، فالدولة المسلمة، فالشعار الذي رفعه البنا الإسلام دين ودولة يشمل جميع الجوانب المتاحة، كما أنه ينطلق عن الإصلاح الشامل المتدرج بقدر الاستطاعة.


رابعاً- إن الهوية السياسية الإسلامية هي المحور الذي دارت حوله أفكار وتفاعلات المشروع الإخواني، الذي يولي العناية بهذه التوعية، والتمكين، والروابط الإيمانية بين الأفراد والشعوب والقبائل للوصول إلى الأمة الواحدة والدولة الواحدة، ولكن الأولوية لدى هذا المشروع هو إقامة المجتمع الإسلامي الذي ينطلق ذاتياً لإقامة الحكم الإسلامي.


المؤتمرات السياسية والمظاهرات

وقد عقد الإمام البنا عدة مؤتمرات سياسية متنوعة منذ عام 1933 إلى عام 1945، وخصص المؤتمر السادس في 19-01-1941 للحديث عن شؤون مصر السياسية والاجتماعية والاقتصادية واحتكار الشركات الأجنبية، في حين عقد في عام 1945 سبعة مؤتمرات شعبية سياسية في القاهرة والإسكندرية وعواصم الأقاليم بهدف شرح الحقوق القومية السياسية شرحاً واضحاً وشاملاً، وكان التوجه السياسي فيها واضحاً حيث كانت قراراته تنص على:


1- مطالبة الحكومة المصرية بقطع المفاوضات مع الإنجليز وإعلان بطلان معاهدة 1936 وسحب القوات البريطانية بلا قيد ولا شرط.


2- وأن الحكومة التي لا تحقق هذه المطالب من قطع المفاوضات وإعداد الأمة للجهاد وغيرهما تسقط طاعتها عن المحكومين، كما قام بعدة مظاهرات وإضرابات خلال تلك الفترة، وصدرت منها بيانات متنوعة.


خامساً- تحرير البلاد من مظاهر الاحتلال والاستعمار بكل صوره وأشكاله السياسية والعسكرية والقانونية والاجتماعية والثقافية، وقد استعمل لأجل ذلك كل وسائل الضغط من المؤتمرات والإضرابات والمظاهرات– كما سبق الإشارة إلى بعضها-.


سادساً- محورية قضية فلسطين التي أولى لها الإمام البنا الأهمية قصوى، حيث أدرك خطورة الوضع في فلسطين، والمؤامرات التي تحاك لأجل منح فلسطين للصهاينة، فقد أعلن في المؤتمر الخامس لجماعة الإخوان المسلمين أن الوطن الإسلامي كلٌ لا يتجزأ والاعتداء على جزء منه اعتداء عليه كله، ولابد أن يعمل المسلمون لتخليص البلد المعتدى عليه، وإنّ إنجلترا قد احتلت فلسطين وفلسطين وطن كل مسلم باعتبارها من أرض الإسلام ومهد الأنبياء وعلى المسلمين أن يحرروها من أيدي غاصبيها كما يجب عليهم أن يحرروا غيرها ممن اغتصبوها، قال رحمه الله: (ونذكر الوفود الإسلامية بمكر إنجلترا وخداعها، ووجوب القيام على حقوق العرب كاملة غير منقوصة، ولنا حساب بعد ذلك مع إنجلترا في الأقاليم الإسلامية التي تحتلها بغير حق، والتي يفرض الإسلام على أهلها وعلينا معهم أن نعمل لإنقاذها وخلاصها).


ومن وسائل التوعية السياسية التي سلكها أنه كان يرسل شباب الإخوان إلى المساجد للحديث عن ظلم الإنجليز وبطشهم وقساوتهم على أهل فلسطين وجمع التبرعات منهم من أجل الدفاع عن فلسطين ومن المعلوم أن الإنسان حين يتبرع إلى قضية يتعاطف على أهلها ويعيش همومها، ويبشر بها ليكثر أنصارها.


وقد كانت نتائج هذه الوسائل تحقيق الأمور التالية:
-إحاطة الناس علماً بأن هناك بلداً إسلامياً بجوارهم اسمه فلسطين يراد بيعه لليهود.


-إيقاظ الروح الإسلامية في الشعب المصري بعد أن ضلله الاستعمار وأعوانه وعملاؤه، وإيجاد وعي لدى الشعب بأن الإنجليز أعداء لهم وللإسلام.


-إظهار عمالة الحكومة المصرية للإنجليز.


إن مما يؤسف له أن كثيراً من الناس في مصر في ذلك الوقت كانوا يجهلون أن هناك بلداً اسمه فلسطين، وأن هذا البلد أقرب إلى القاهرة من أسوان، فأحدث البنا رحمه الله هذا الوعي السياسي في هذا الشعب، فبذل الدم والمال من أجل إنقاذه.


النار والدمار
ومن وسائل التوعية أن الإمام رحمه الله قام بتوزيع كتاب (النار والدمار في فلسطين) وهو كتاب يعرض بالصور والوثائق الجرائم التي ارتكبتها بريطانيا ضد الشعب الفلسطيني الأعزل، ومن هذه الصور هجوم الإنجليز على البيوت، وصورهم وهم يمزقون المصحف الشريف ويدوسونه بأحذيتهم وصور من الجرائم والتعذيب بلغت 50 صورة.


لقد أمر البنا رحمه الله بتوزيع عشرات الآلاف من هذا الكتاب فجن جنون الإنجليز في مصر وأوعزوا للحكومة المصرية بمنع هذا الكتاب وملاحقة من وزعه، فداهمت المركز العام قوات من البوليس المصري فوجدت من الكتاب 150 نسخة.


وسأل رئيس القوة عن صاحب هذه الكتب فتقدم الأستاذ البنا وقال: أنا صاحبها، فطلب الضابط من الإمام البنا أن يصحبه إلى النيابة وجرى التحقيق التالي مع البنا رحمه الله.


س: هل أنت صاحب هذا الكتاب؟


ج: أنا صاحبها.


س: ألا تعلم أن هذه الكتب تهاجم السلطات وتثير الشعب ضد دولة صديقة وحليفة بحكم المعاهدة؟


ج: أعلم ذلك، وقد قصدت مهاجمة هذه السلطات، ومهاجمة هذه الدولة الحليفة.


س: ألا تعلم أن القانون يعاقب على هذه الجريمة؟»


ج: أعلم، وأنا ولا أمانع في إحالتي للقضاء، لأني معترف بهذه الجريمة ومصر عليها.


وبعد..
هذه ورقة كتبتها على عجل لكثرة أعمالي ومشاغلي في الاتحاد العالمي لعلماء المسلمين، وفي غيره، فأرجو السماح عن التقصير فيها.


والله الموفق وهو أعلم بالصواب، وآخر دعوانا أن الحمد لله رب العالمين، وصلى الله على سيدنا محمد وعلى آله وصحبه ومن تبع هداه إلى يوم الدين.


اترك تعليق