ثورة من نوع آخر

By : حاتم صالح

حبس ملايين الناس أنفاسهم في 1969 حينما هبطت مركبة النسر القمرية على "بحر الهدوء"، دون أن تنتج عن ذلك أدنى رشة. بيد أن علينا ألا ننخدع بالاسم: فهذا البحر لا يحتوي قطرة مياه واحدة. إننا في الواقع بإزاء سطح مغطى بصخور بركانية كانت قد انفجرت قبل ثلاثة إلى أربعة بلايين سنة على هيئة حمم. ويعود اسمه الغريب إلى نظرية شاعت قديماً حاولت تفسير هيئة القمر كما يتبدى لناظره من الأرض. ولنتذكر العالم الإيطالي ليوناردو دا فنشي الذي كتب في مؤلفه Codex Leicester [حوالي 1508-1510]: "الوجه المضيء من القمر عبارة عن مياه تحركها الرياح"!

ولربما عُذرتم في تصور أن أي تفسير علمي لمنظر القمر لم يكن ممكنا من الناحية العملية - إلى أن وجه الفلكي الإيطالي غاليليو غاليلي منظاره المقرب نحو السماء قبل حوالي 400 سنة. فلنزح الستار هنا عن العالم العراقي أبي علي الحسن ابن الهيثم (965-1040)، مؤسس علم البصريات الحديث، والذي أجرى بعض أهم أبحاثه العلمية بجوار الجامع الأزهر في القاهرة في فجر الألفية الثانية. ومن ضمن عدة إسهامات كبرى، أجاب ابن الهيثم عن أحد أكثر الأسئلة العلمية إثارة للاهتمام: ما هو سر الشكل الداكن الذي يظهر في وجه القمر.

مختبَر الكون

على مدى آلاف السنين، راحت هذه الظاهرة تلهم التأملات وتغذِّي نظريات عديدة ينافس بعضها بعضاً في الشطط. وفي مؤلفه "الأثر الذي في وجه القمر"، يدرس ابن الهيثم ستاً من هذه النظريات على الأقل، مدللاً على أن كلاً منها تعجز عن إعطاء توقعات يمكن تأكيدها بواسطة الملاحظة. وهو يضع كل نظرية مرشحة على طاولة البحث مستنداً إلى مشاهدات أساسية، أبرزها أن البقع موضع السؤال تتخذ دوماً المظهر ذاته من حيث الوضع والحجم والشكل والعتمة.

ويرفض ابن الهيثم مثلاً النظرية القائلة بأن البقع موضع السؤال تتكوّن من صور للمحيطات والجبال الموجودة على الأرض وقد انعكست على سطح القمر الأملس. وإذ يستند إلى قانون الانعكاس، يبيِّن العالِم أن تغير زاوية القمر بالنسبة إلى مراقب أرضي كان من شأنه أن يفضي إلى تغير هذه الصور مع مرور الزمن، وليس هذا هو الحال بداهة.

ويستبعد ابن الهيثم نظريتين أخريين استناداً إلى حجج مماثلة. تفترض الأولى أن البقع المعتمة هي ظلال لتضاريس على سطح القمر كالجبال أو الفوهات. وفي هذه المرة، يؤكد ابن الهيثم أن موضع الظلال يجب أن يتغير مع مرور الزمن بسبب تغير وضع القمر بالنسبة إلى الشمس، وهو مرة أخرى ما لا يستقيم مع ما نشاهده. أما النظرية الثانية فتذهب إلى أن البقع المعتمة تنتج عن أبخرة واقعة على نحو دائم بين الأرض والقمر. ويرفض ابن الهيثم هذه الفرضية أيضاً: ذلك أننا إذا افترضنا صحتها، فإن المراقب الأرضي ينبغي أن يرى الأبخرة في مواضع متنوعة من القمر ـ بل وخارج القمر! ـ حسب المكان الذي يقف فيه.

ومن خلال حالات كسوف الشمس التي تُعد بمثابة مختبرات لعلماء الطبيعة والفلك، يستبعد ابن الهيثم نظرية أخرى غريبة مفادها أن البقع المعتمة بمثابة مناطق شفافة من الجسم القمري. وإذا قبلنا بهذه الفرضية، يتساءل ابن الهيثم، لماذا لا يخترق ضوء الشمس تلك المناطق أثناء كسوف الشمس؟

وهو يؤكد أن ضوء القمر لا يمكن تفسيره سوى بواسطة ظاهرة الانعكاس المنتشر، أي الانعكاس على سطح غير منتظم. ويضيف أن القمر لا يعكس الضوء بأي طريقة أخرى. ويستنتج ابن الهيثم أن البقع القاتمة هي نتاج لكون الأسطح موضع السؤال مغطاة بمادة تعكس ببساطة قدراً أقل من الضوء، وذلك بسبب سمات بصرية مختلفة تميزها عن بقية سطح القمر.

الرقص على القمر

على الرغم من ان هذه الاكتشافات القمرية اعتمدت وبشكل مدهش على المشاهدات بالعين المجردة، فإن ابن الهيثم يدشِّن، في "كتاب المناظر"، والذي نُشر على الأرجح قرب عام 1020، دراسة السمات البصرية والمكبرة للعدسات. وسوف يُلهم هذا الفهم الجديد للعدسات، والمستند إلى الهندسة والتجربة، فن صنّاع النظارات الهولنديين الذين اخترعوا المنظار الفلكي عن طريق وضع عدسة أمام أخرى، وهو ما أتاح لغاليليو تحقيق ثورة في علم الفلك.

في كانون الأول/ديسمبر 1609، راح غاليليو يبحث عن المجهول موجهاً منظاره الذي يكبِّر الأشياء عشرين مرة نحو القمر. وهكذا نجح في الكشف عن جبال وفوهات وما اعتبره خطئا بحاراً. وبفضل العينات القمرية التي جُمعت خلال مهام أبولو [بين عامي 1966 و1972]، وبقدر أقل من قِبَل الروبوتات الروسية في إطار برنامج "لونا" [بين عامي 1958 و1976]، فإننا نعرف اليوم أن "البحار القمرية" مغطاة بصخور داكنة بزلتية، وهو ما يؤكد استنتاجات ابن الهيثم الأساسية بشأن تكوين جارنا الأقرب.

إن اسمي الفلكيين قد خُلِّدا على سطح القمر: فقد أُطلق اسم غاليلي على فوهة قمرية تكريماً للإيطالي على اكتشافاته، بينما تكرِّم فوهة أخرى، اسمها الحسن، اكتشافات العربي.

قد يكون من شأن مشروعات دولية مثل "السنة العالمية لعلم الفلك 2009" (التي احتفلت بمرور 400 سنة على مشاهدات غاليليو) وما انبثق عنها من فعاليات متجددة، أن تُلهم الطفرة الكبيرة المقبلة في علم الفلك. وفي وقت قريب، ستَكتسح السماءَ بكاملها، وعلى نحو مستمر وبنطاقات تردد عديدة، تلسكوباتٌ فضائية وأرضية تنتج أرقاماً فلكية من البيانات. وخلال السنوات الأربعين المقبلة، ودع عنك السنوات الأربعمائة المقبلة، قد نشهد بالفعل ثورة كبرى جديدة في علم الفلك. فأين نحن، ورثة ابن الهيثم، من هذا النوع من الثورات؟


اترك تعليق