الداعية الذي ينشده الإسلام

By : أحمد شاهين

الداعية الذي يريده الإسلام هو رجل من طراز فريد، أسوته رسول الله صلى الله عليه وسلم، وأصحابه الذين نصر الله بهم الإسلام، وأعز بهم الدين، وسعوا للتمكين له في الأرض، بكل الوسائل المتاحة، فساهموا في إحياء أمة، وبناء مجتمع، وتشييد دولة.

 

- إنه يتمتع بالإيمان العميق الذي يزعزع الجبال الرواسي ولا يضعف إيمانه بدعوته، فقد استولى حبها على قلبه، فليس فيه مجال لسواها، فهو لا يعيش بغيرها، لكنها تبقى بدونه، يقول الشيخ البهي الخولي واصفًا انشغال الداعية بحب دعوته، واستيلائها على كيانه كله: (الداعية صاحب الإيمان القوي الذي يشغل ذهنك بدعوتك في كل لحظة، فتذكرها في نومك ويقظتك، وعلى طعامك وبين أهلك، وفي حلك وسفرك، وفي كل مجالسك إذا قصدت إنسانًا فللدعوة، وإذا سالمته أو عاديته فلها، وإذا فرحت أو حزنت فمن أجلها، وبالجملة تكون هي المسألة الأولى الحاضرة لديك في كلِّ وقت من أوقات حياتك، في صلب الحياة ولبها، وأمور عيشك على هامشها وأطرافها، ولا تظن هذا كثيرًا عليك، فأنت داعية ولست مدعوًا وشتان بين حال هذا وذاك)، تذكرة الدعاة للشيخ البهي الخولي صـ31-.

 

- الداعية الذي يحمل همّ دعوته بالليل والنهار، ويحبس كل أوقاته عليها، ويسخر كل طاقاته من أجلها، يختلط بالمجتمع ويؤثر فيه ويتعب نفسه من أجل راحة الآخرين، (إن دعوته حية في أعصابه، متوهجة في ضميره، تصيح في دمائه، فتعجله عن الراحة والدعة، إلى الحركة والعمل، وتشغله بها عن نفسه وولده وماله، وهذا هو الداعية الصادق الذي تحس إيمانه بدعوته في النظرة، والحركة، والإشارة، وفي السمة التي تختلط بماء وجهه، وهو الداعية الذي ينفذ كلامه إلى قلوب الجماهير فيحرك عواطفهم إلى ما يريد من أمر دعوته)- تذكرة الدعاة صـ29-.

 

- الداعية الذي يثبت على مبدئه ودعوته حتى آخر نفس في حياته، فلا يتلون كالحرباء، ويتواضع للمدعوين فلا يختال كالطاووس، ويتباسط مع الناس ولا يتعاظم كالممثل، ويفي بعهوده مع الناس، ولا يمكر كالثعلب، إنه يبحث عن مرضاة ربه، فلا يطلب الدنيا بعمل الآخرة، إنه يعيش لدعوته، ويجاهد من أجلها، ويموت في سبيلها، دون تغيير أو تبديل، أو قعود عن مواصلة الطريق، قال تعالى:{مِنْ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُمْ مَنْ قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُمْ مَنْ يَنْتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلًا (23)} (الأحزاب).

 

- الداعية الذي يؤمن بأن أجله ورزقه بيد الله، فلا يتقلب مع كل تيار، من أجل لقمة العيش، ولا يأكل على كل مائدة من أجل أن يعيش، بل إن الموتة الشريفة أحب إليه من الحياة الذليلة.
إن شعاره ما قاله الشاعر:

فإما حياة تسر الصديق             وإما ممات يغيظ العدا

- الداعية القدوة الذي يتمثل دعوته في حركاته وسكناته، وسره وعلانيته، في ليله ونهاره، في سفره وترحاله، في صمته وكلامه (الذي يتكلم فتتكلم أسرار الدعوة في ألفاظه ونبراته، لا يثيرهم إلى باطل، بل يهيئهم لقبول الحق الذي يألفه العقل والفطرة)- تذكرة الدعاة صـ29-.

 

- الداعية الذي يدرس فقه الدعوة، ويعرف كيف يدعو الناس، ويؤثر في نفوسهم، ويرقى بها إلى أعلى درجة من الإصلاح: (الداعية يدخل على مشاعر الجمهور في حكمة فيحرك وجدانهم، ويستثير عواطفهم إلى الله، فإذا تأتّى له ذلك ولانت نفوسهم لقوله، ليصنع منهم ما يشاء صنعه فيبين لهم عن غرضه، ويبعث بآمال قلوبهم إلى ما يحب أن يصلوا إليه)- تذكرة الدعاة صـ 34 بتصرف-.

 

إن المطلوب ليس إعداد الداعية وفقط، وإنما يريد الإسلام الداعية الفقيه الذي يفقه الإسلام عقيدة وشريعة وأخلاقًا وسلوكًا، الذي يعرف واقع الحياة المعاصرة بهمومها ومشاكلها، ويقدم لكل مشكلة ما يناسبها من الحلول الإسلامية في ضوء مصادر التشريع الإسلامي الذي يعرف ما يموج به المجتمع من تيارات فكرية متباينة، وافدة من الغرب لإضعاف قوة الإسلام، والتأثير في عقول أبنائه، بتصدير الشبهات، وإثارة الخلافات فيسد هذه المنافذ، ويردها على أعقابها من حيث أتت.

 

إنه الداعية (القادر على الإيصال والتأثير بدعوته وفكرته في الناس كل الناس، على اختلاف مشاربهم وطبائعهم ومستوياتهم، وعلى اجتذاب مساحة كبرى من الجماهير واستيعابها فكريًّا وحركيًّا) - الاستيعاب في حياة الدعوة والداعية أ. فتحي يكن صـ9-.

 

- نريد الداعية الذي تتحقق فيه كل مواصفات الداعية، وقد جمع الشيخ البهي الخولي أوصاف الداعية المنشود في قوله: (الداعية مؤمن بفكرة يدعو إليها بالكتابة والخطابة والحديث العادي، والعمل الجدّي في سيرته الخاصة والعامة، وبكل ما يستطيع من وسائل الداعية، فهو كاتب وخطيب ومحدث قوي، يؤثر في الناس بعمله وشخصه، والداعية أيضًا طبيب اجتماعي يعالج أمراض النفوس، ويصلح أوضاع المجتمع الفاسدة، فهو ناقد بصير، يقف حياته على الإصلاح إلى ما شاء الله.. وهو رفيق وصديق وأخ للغني والفقير، والكبير والصغير.

 

ومن هذه الصفات تشيع المحبة في قلبه، وتتدفق الرحمة في عينيه، وتجري المواساة على لسانه ويديه، وهذا ضروري جدًّا للداعية، وهو من مواهب الروح والجنان، لا من صفات البلاغة وملكات اللسان.

 

والداعية... لا بد له من التأثير النفساني، والهيمنة الروحية، والاتصال بالله، واستعانة العقل بما حصل من تجارب التاريخ وأحوال الناس)- تذكرة الدعاة باختصار صـ5-.

 

والدعوة الإسلامية في عصرنا الحاضر إذا توفر لها دعاة صادقون، يأخذون بأسباب التبليغ والهداية في دعوة الناس، يكتب لها النجاح، وتكون قوية بدعاتها، ثرية في عطائها، غنية في آثارها، فمهمة الدعاة هداية الناس إلى طريق الله عزَّ وجلَّ وتقريبهم إليه، وترغيبهم فيما عنده، قال تعالى: {وَمِمَّنْ خَلَقْنَا أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (181)} (الأعراف)، وقال تعالى: {وَمِنْ قَوْمِ مُوسَى أُمَّةٌ يَهْدُونَ بِالْحَقِّ وَبِهِ يَعْدِلُونَ (159)} (الأعراف).

 

إن هذه الصفات السابقة إنما هي صفات الدعاة الصادقين، الذين اصطفاهم الله لحمل دعوته، وتبليغ رسالته، ودلالة الناس على الله، يعيش أحدهم في سبيل فكرته فينشرها، ويستعذب الآلام في سبيل التمكين لها، يتعب نفسه ليريح الآخرين، ويفدي دعوته وأتباعه بنفسه، إنه من ذلك الصنف الرباني الذين عناهم القرآن الكريم في قوله تعالى: (الَّذِينَ يُبَلِّغُونَ رِسَالاتِ اللَّهِ وَيَخْشَوْنَهُ وَلا يَخْشَوْنَ أَحَدًا إِلاَّ اللَّهَ وَكَفَى بِاللَّهِ حَسِيبًا (39)) (الأحزاب).

 

فما أحوج أمتنا إلى هذا الصنف من الدعاة، لينشروا الدعوة في الداخل والخارج، وليقودوا الأمة إلى العزة والسيادة، والنصر والتمكين، ويكونوا طلائع الإصلاح المنشود، قال تعالى: {وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ (20)} (إبراهيم).

 

نسأل الله أن يجعلنا منهم.


اترك تعليق