منهج النظر في الحالة الثورية العربية (1-3)

By :


د. طه جابر العلواني 


عندما نتقدم بعقلية رصينة لتقييم هذه الظاهرة التي تعم المشهد العربي الآن تثور لدينا عدة تساؤلات لابد وأن نجيب عنها بين يدي محاولة بناء فقه الثورات الشعبية. ومن قبيل الأسئلة التي تثور أمامنا: كيف يمكن أن نعرف ونصنّف الثورات الشعبية؟ وهل يمكن النظر إليها بمعيار التمييز عن الفتن؟ وما هي ملامح الفارق بين الثورة الشعبية والفتنة؟ أين يلتقيان؟ وأين يفترقان؟ 


وكذا تثور تساؤلات حول: ما الفروق بين الثورات الشعبية والانقلابات العسكريّة؟ وهل يمكن النظر إليها في إطار فضاء العصيان المدنيّ؟ ومتى يصبح العصيان المدنيّ ثورة شعبيّة؟ وما الأسباب التي تؤدي إلى احتقان الشعوب وتوترها في أجيال مختلفة لتنفجر فيما بعد فيما يعرف بالثورات الشعبيّة؟ وما هي الشروط التي تتوافر في الشعوب التي تفجّر ثورات شعبيّة؟ وما تأثير العوامل التالية في تهيئة الناس للانخراط في ثورات شعبيّة؟ 


وأخيرا تثور التساؤلات: كيف نقيّم عمليّات المشاركة في مختلف العناصر في الثورات الشعبيّة؟ وهل يمكن لثورات شعبيّة أن تفرز قيادتها في الثورة وفي البديل الَّذِي تقدمه لمن ثارت عليه من بين صفوفها؟ أم أنّها مهدّدة دائمًا باقتناص بعض الانتهازيين والطامعين فيها في مراحلها الأخيرة وتحويل اتجاهها إلى مصالحهم؟ وهل يمكن لهذا المحظور المظنون أن يخذّل عن المشاركة في هذه الثورات؟


ما المراد بالثورة الشعبية؟


الثورة الشعبية هي ثورة وانفجار يقوم به شعب مظلوم مضطهد سلبه مستبد أو مستبدون حقوقه الخاصة والعامة، أو تدخلوا فيها بشكل يؤدي إلى مصادرتها وحرمان أصحابها منها، وسلبوا مع ذلك خصوصيات أبناء الشعب، وانتهكوا حرماته، وجعلوا منه كلًّ على المستبد؛ يتلاعب به كيف يشاء، يستعلي عليه وحاشيته، ويتسلطون على ماله وبشرته وسائر حقوقه وشخصيته. وليس له أن يرفض أو يستنكر أو يجترئ بالشكوى؛ لأن المستبدين يرون أنه وماله وعرضه وكل مقدراته مِلك خاص للمستبد، له أن يتصرف به كيف يشاء. 
وحين يجد الإنسان أنه قد فقد كيانه وحقيقة إنسانيته واستلب لصالح المستبد وسخّر لصالح أعوانه ونظامه يحتقن كل ما لديه من عوامل غضب ورفض لينتظر لحظة تاريخية أو لحظة فارقة ينفجر فيها بوجه ذلك الطاغية دون مبالي بتهديداته ولا تهديدات أعوانه. 


ومن أهم نماذج الثورات الشعبية التي سجلها القرآن الكريم نموذج ثورة بني إسرائيل ممثلين بالسحرة في وجه فرعون حين خروا ساجدين، وقالوا آمنا برب موسى وهارون، فدهش الطاغية وفقد صوابه، ونسي أنهم من أعوانه الذي كان يعتمد عليهم قبل لحظات، فإذا به يقول: "آمَنْتُمْ لَهُ قَبْلَ أَنْ آذَنَ لَكُمْ إِنَّهُ لَكَبِيرُكُمُ الَّذِي عَلَّمَكُمُ السِّحْرَ فَلَأُقَطِّعَنَّ أَيْدِيَكُمْ وَأَرْجُلَكُمْ مِنْ خِلَافٍ وَلَأُصَلِّبَنَّكُمْ فِي جُذُوعِ النَّخْلِ وَلَتَعْلَمُنَّ أَيُّنَا أَشَدُّ عَذَابًا وَأَبْقَى (71) قَالُوا لَنْ نُؤْثِرَكَ عَلَى مَا جَاءَنَا مِنَ الْبَيِّنَاتِ وَالَّذِي فَطَرَنَا فَاقْضِ مَا أَنْتَ قَاضٍ إِنَّمَا تَقْضِي هَذِهِ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا (72) إِنَّا آمَنَّا بِرَبِّنَا لِيَغْفِرَ لَنَا خَطَايَانَا وَمَا أَكْرَهْتَنَا عَلَيْهِ مِنَ السِّحْرِ وَاللَّهُ خَيْرٌ وَأَبْقَى" (طه:71-73)، فترى ذلك الخانع الذي كان يسترضى فرعون بشتى الطرق ويسأله عن الأجر الذي سيتقاضاه إذا هزم موسى إذا به يتحول إلى إعصار في وجه فرعون، ومثل ذلك ثورة أصحاب البروج.


والثورات الشعبية ليست بطائفية ولا حزبية ولا طبقية ولا فئوية لأن المفروض بها أن تضم سائر الفئات الشعبية المضطهدة دون نظر إلى انتماء طبقي أو حزبي أو طائفي أو ما إليها، فإن هي لم تتصف بهذه الصفة فيمكن أن يطلق عليها اسم آخر، تسمى انتفاضة حزبية أو طائفية أو عمالية أو ما إلى ذلك.


الإطار العربي كوعاء للثورة.. تاريخ 
بلادنا العربيّة المحيطة بـ"إسرائيل" كانت تعيش في ظلّ نظام عثمانيّ أنقذ بقاياها من غزوات متصلة من الصليبيّين ثم المغول، وأعاد جمعها تحت رايته موظفًا الانتماء المشترك إلى الإسلام، وبعد عقود أربعة من حكم العثمانيّين وتراجع الدولة العثمانيّة في الداخل والخارج أمام المدّ الأوروبيّ؛ بعد اكتشاف طرق المواصلات الحديثة البريّة والبحريّة، وقبلهما اكتشاف البارود، حاولت الدولة العثمانيّة اللّحاق بأوروبا بأشكال مختلفة لكنها كانت متأخّرة، ولذلك فقد أصبحت محاولات التحديث بالدولة العثمانيّة محاطة باستمرار بعوامل إفشال وفشل لم تسمح لها بأن تؤتي نتائج مثل النتائج التي حصلت أوروبا عليها أو أقل منها بكثير.


والأكثر من ذلك، أن أدت تلك المحاولات إلى بروز إشكالات جديدة عديدة أدت إلى تعميق التفكك في المجتمعات التقليديّة وبناها التحتيّة وصناعاتها التقليديّة؛ دون أن تتمكن من نقل الحداثة ودخول العصر وتحديث البلاد، فلا هي حافظت على مكان ولا حصلت على مَا تطلعت للحصول عليه. وقد فشلت محاولات مُحَمَّد علي في مصر، وإصلاحات خير الدين التونسيّ، كما فشلت محاولات سليم الثاني ومحاولات أخرى بأنحاء مختلفة من العالم الإسلامي. 


فيما يتعلق بالنظام العربيّ؛ كانت الحرب العالميّة الأولى وانضمام تركيا العثمانيّة إليها بمثابة الرمق الأخير الَّذِي لفظت الخلافة العثمانيّة أنفاسها بعده، وبعد أن انتصر الحلفاء على ألمانيّا وحلفائها ومنهم الأتراك، وجاءت ثورة (9 شعبان 1916) لتمهّد لقيام نظام عربيّ جديد في ظلّ نظام دوليّ تولت قيادته بريطانيا وفرنسا وتحوّل العالم العربيّ إلى دويلات مستقلة أو تحت الحماية أو الانتداب أو النفوذ لبريطانيا أو فرنسا، فأقيمت ممالك وسلطانات وحكومات هشّة وزّع عليها التاريخ العربيّ كما وزّعت من قبل ذلك عليها الجغرافيّا، ولو مع كمّ هائل من مشكلات حدوديّة، وخلال ذلك أعطى وزير خارجيّة بريطانيا بلفور عام (1917) وعده لقيادات الحركة الصهيونيّة بفتح أبواب الهجرة لفلسطين تمهيدًا لقيام دولة إسرائيل فيها.


ومنذ ذلك التاريخ وما عُرف بالنظام العربيّ الرسميّ الَّذِي تقاسمته اثنتان وعشرون دولة وحكومة من صغيرة إلى كبيرة، ومن فقيرة إلى غنيّة يعاني من مجموعة من التناقضات والمشكلات والأزمات التي حرمته رغم الموارد البشريّة والماديّة والمواقع الجغرافيّة المتميزة من أبسط الحقوق التي يستحقها، ومع ذلك فقد حاولت تلك الحكومات المنضوية في إطار ذلك النظام أن تأخذ أشكال الدولة وأن تصنع مجموعة مؤسّسات تشير إلى أنّها دولة بالفعل، ملك أو رئيس أو شيخ أو سلطان ودستور ومجلس أمّة أو شورى أو كلاهما، وجيش وشرطة ووزراء ومجالس وزاريّة يُبالغ في أعدادها أحيانًا ويقتصد بحسب ظروف كل بلد والموازنات والترضيات التي يحرص على القيام بها. 


أمّا الجيوش فقد أقبلت على تشكيلها الحكومات، وأحسنت الشعوب استقبالها وأيدتها وشجّعتها على ذلك؛ لأنّ بها تعبير عن ذكريات كامنة في الثقافة تشير إلى معاني القوة والمنعة وما إلى ذلك، وكان الناس يشعرون بالسعادة حينما يكونوا لدى الأسرة والعشيرة أو الحي بعض الضباط أو الرجال الذين ينخرطون في السلك العسكريّ.


وبالنسبة للغرب كان حريصًا أن لا تأخذ هذه الجيوش مداها في البناء والتنظيم والتسليح؛ لأنّه لم يكن واثقًا من أنّ الشعوب العربيّة لن يأتيها يومًا تسترد فيه وعيها وتنتبه لتميز هويّتها، وآنذاك قد تصبح هذه الجيوش خطرًا على الوجود الغربيّ، ومصالح الغرب ونفوذه في المنطقة، ولذلك حرص الغرب على أنّ تكون هذه الجيوش دائمًا في حاجة إليه في تسليحها وتدريبها وتكوينها، فذلك هرم يضمن له منع أيّ ضرر محتمل قد يأتيه من ناحيتها. بل إنّ الغرب اعتبر وجود تلك الجيوش في بعض البلدان وسيلة ناجحة نافعة له لتغريب عناصر لا يمكن للنظم التعليميّة أن تقوم بتغريبها أو تهيئتها لدخول العصر.


إن القطاع الغالب من أبناء القبائل في بعض البلدان ورثوا نفرة ورفضًا للانخراط في الجيش لأسباب عديدة. وهؤلاء قد يحافظون على تقاليدهم القبليّة وأنماط حياتهم، ويبتعدون عن قبول تقاليد الحداثة الغربيّة. والقبائل في بعض البلدان مثل العراق كانت بطبيعتها تعيش حالة تحالف بين القيادات القبليّة وعلماء الدين والقادة السياسيّين. وهذا التحالف كثيرًا مَا يؤدّي إلى متاعب للدول الراغبة في بسط نفوذها على هذا البلد أو ذاك من بلداننا العربيّة، فكانت عمليّة فك الارتباط بين زعماء القبائل ورجال الدين هدفًا يسعى إليه المحتلون أو أصحاب النفوذ في بعض الممالك الجديدة، فشعروا أنهم بذلك سيتمكنون من تغيير الولاءات. فبدلا من أن يكون ولاء أبناء القبائل لشيوخ عشائرهم أو قبائلهم؛ يكون الولاء للضباط والقائد، وتكون المجموعة العسكريّة فوجًا أو فصيلة أو سريّة هِيَ البديل عن القبيلة، وفي الوقت نفسه يكون الجيش مستودعًا قادرا على أن يقدم بدائل عن الحكام الذين يفشلون في الهيمنة على شعوبهم أو تنفيذ السياسات المختلفة المتفق عليها مع تلك الدول الحليفة أو ذات النفوذ في بلداننا.


رؤية في المشهد العربي المعاصر


وبعد إنشاء الحركة الصهيونية دولة لليهود فعلا في فلسطين المحتلة، أخذ بعض الضباط مواقعهم في قصور الحكم بدلا من الثكنات العسكريّة، وذلك بانقلابات عسكريّة لم يكن من الممكن لسواهم أن يفعلها، وبدأت سلسلة الانقلابات العسكريّة قبل انتهاء النصف الأول من القرن الماضي، واستمرت حتى نهاية السبعينات. وفي عام (1979) تفجّرت ثورة إيران، وكانت أوّل ثورة شعبيّة، لكنّها جاءت في أعقاب محاولات كثيرة سبقتها لم تنجح، ونجحت هِيَ بقيادة رجال دين استطاعوا توظيف التطورات اللاحقة لتلك المرحلة إلى أن بلغوا مستوى القدرة على تفجير ثورة شعبيّة عارمة انتهت بإسقاط الشاه؛ بعد بدء اندلاع تلك الثورة الشعبيّة بحوالي شهرين.


والملاحظ أن موجة الانقلابات العسكريّة قد توقفت، ومؤشرها قد وقف عند ضباط جاءوا بعد سلسلة من الانقلابات جعلت أولئك الضباط متوسطيّ الرتب يصلون إلى سُدّة الحكم ويمسكون بها بيد من حديد، ويقيمون نظمًا شموليّة ويحكمون الشعب بنوع من الصرامة والقوة التي تضمن لهم السيطرة على شعوبهم وسائر مناطق القوة فيهم، وبعد أن استمرأ أولئك الحياة في قصور الحكم، وفضّلوها على العيش في الثكنات العسكريّة، تحول بعضهم إلى مَا يشبه الملوك؛ فنادوا بالبقاء في السلطة مدى الحياة؛ بل أطمع استسلام الناس لهم وترك السلطة في أيديهم طويلا أن الناس قد تم ترويضهم وتقبلوا الأوضاع كما هِيَ ولم يعد لدى الكثيرين منهم اعتراض على بقاء هؤلاء مدى الحياة ولا على توريثها لأبنائهم إن شاءوا بعد ذلك. 


حدث ذلك في سوريا، وقد كان هناك ترتيب أن يحدث مثل ذلك في مصر واليمن وليبيا، وقبل ذلك في العراق، وإذا بلحظة فارقة تطلّ على العرب تبشّر بموجة جديدة للتغيير بعيدة كل البعد عن الموجات التي سبقت العشائريّة، ثم العسكريّة؛ ألا وهي موجات الثورات الشعبيّة، بدأتها تونس التي حكمها ابن علي بعد أَبُو رقيبة الَّذِي فرض على التونسيين حكمًا مستبدًا يزيد عن ثلاثين عامًا، منذ أن تسلّم راية الحكم من فرنسا بعد دماء وثورات كثيرة من الشعب التونسيّ الَّذِي فرض على فرنسا أن تنحني أمامه وتعطيه الاستقلال، لكن هذا الاستقلال كان أداة بيد أَبُو رقيبة لإخضاع الشعب التونسيّ لحكم وتهميش سائر القيادات الأخرى التي لولاها لما حدث الاستقلال ولما وقع، حدثت تلك الثورة بعد أن أخليت الساحة من المعارضة والمعارضين الذين نثروا بين المنافي والسجون وطال عليهم الأمد حتى نسى الناس بعضهم وتناسوا البعض الآخر.


في المشهد الثوري العربي الراهن


بدأت تلك الثورة بشاب لم يجد مَا يفعله للاحتجاج على حرمانه من العمل، أو مضايقته حينما ترك التفكير بعمل لدى الدولة أو بواسطتها، فحمل بعض الخضر والفاكهة ووضعها على عربة خشبيّة يدفعها بيديه لعلّه يرجع إلى أهله بقوتهم، وحين لم تسمح له عناصر البلديّة بأن يبيع على تلك العربة، لكي لا يشوّه الشارع بمنظرها ومنظر البضائع التي عليها، فصادرتها، وهي كل مَا يملك ويضع فيها آماله وطموحاته، فصار تحت نوع من الضغوط النفسيّة الهائلة أدت به إلى إحراق نفسه أمام بلديّة لم ير رئيسها أو يقابله لعله يرأف بحاله ويسمع شكواه، ويأمر بإعادة عربته المتواضعة إليه، فلما لم يستطع أصيب بنوع من جنون وقتي دفعه إلى إشعال النار في نفسه أمام تلك البلديّة.


سرى دخان جسد محمد البوعزيزي المحترق سريان النار في الهشيم ليدخل إلى كل رئة تونسيّة لا في منطقته وحدها؛ بل في تونس كلها وفي المهجر، فكان كبت السنين الَّذِي كانت الصدور لا تستطيع إظهاره أو التعبير عنه بأي شكل من أشكال التعبير، فإذا برائحة الجسد المحترق تحوّلت إلى مَا يشبه الغاز المحترق الذي أشعل كوامن الغضب المكبوت في تلك النفوس التي طال عليها الأمد، وإذا بتونس كلّها تتقدم هاتفة بسقوط الطاغية وحياة صاحب الجسد المحترق، حتى وجد الطاغية نفسه في وضع لا يحسد عليه، وتحوّل إلى مَا يشبه جندي إطفاء مستجد حديث لا خبرة له يحاول إطفاء الحرائق من حوله؛ لكنّه لا يعرف كيف يفعل، وماذا يفعل، فذهب لزيارة البوعزيزي المحترق في مستشفاه وهو غير مصدّق أنّ شابًا عاطل عن العمل يهزّ العرش من تحته وهو وارث لعرش فرعون أَبُو رقيبة من قبله. 


مجرد شاب بسيط من منطقة فقيرة من مناطق تونس كان كل طموحه أن تترك له عربته الصغيرة ليرجع ببعض أرغفة من الخبز يطعم بها الأفواه الجائعة من أسرته، ووقف ابن علي خاشعًا واضعًا يده على الأخرى يتأمل ذلك الجسد الَّذِي كان محاطًا بلفافات غمرته حتى لم يكد يظهر منه غير جزء يسير من الوجه، لم نسمع من الطاغية أي تعبير عن مشاعره، ولا ماذا كان يعتمل في نفسه وهو كان يتأمل هذا الجسد المحترق الذي كان احتراقه نارًا التهمت قوائم عرشه الَّذِي استمر يعتليه (23 عامًا)، ولم تمض سوى أيامًا قليلة فنجده يستدعي أسرة ذلك الشاب الَّذِي عجز عن مقابلة رئيس بلديّة، وإذا بالقصر يفتح أبوابه يحاول استرضائها وتعويضها عن ذلك الجسد الذي احترق وأشعل الأرض التونسيّة تحته، ثم لم يجد الطاغية بدًا من الفرار، ففرّ في ليلة سوداء يبحث وهو في الطائرة عن ملجأ يأوي إليه، فتجهمه الأصدقاء، وتنكّر له الحلفاء، وبدأت اللحظات الحرجة التي يواجه الطاغية فيها نفسه فقط دون حاجز أو مرآة.


بعد أن انحسر المشهد التونسيّ عمّا انحسر عنه، كان الناس ينظرون مندهشين مَنْ سيهرب بعد ابن علي من الدكتاتوريّين الذين احترف الشعب العربيّ ولادتهم وتصنيعهم منذ عهد معاوية بن أبي سفيان وولده يزيد، فهي الصناعة الوحيدة التي أتقنها العرب واختصوا بها وببضاعتها المزجاة، هي المنتج الوحيد الَّذِي أنتجته أيديهم، وما تزال أيدي منافقيهم من أنصاف مثقفين وأرباع متعلمين تنتجه وتحاول تصديره، فلا تجد من يرغب في تلك البضاعة فترتدّ به خاسئة. 


كان إعلان الرئيس مبارك الَّذِي جاوز به الثالثة والثمانين وحكم ثلاثين عامًا وبدأ يفكّر في توريث ولده جمال ويعدّه لذلك، وكأنّه يردّ على هواجس نفسيّة برزت في نفس رأس النظام والراغبين في وراثته لتقول: إنَّ مصر تختلف عن تونس، وأنَّ فرعون مصر غير فرعون تونس وأنّ ما حدث في تونس لا يمكن بل يستحيل أن يحدث مثله في مصر، وقبل أن يمضي شهر على انتصار الثورة التونسيّة إذا بثورة شعبيّة في مصر لم تفجّرها هذه المرة دخانات جسم محترق؛ بل فجرتها أجسام لمعتقلين عذّبوا حتى الموت؛ لم يكن آخرهم خالد سعيد بل واحد منهم.


كانت الأجهزة الرهيبة التي خطفت لقمة الفرد المصريّ العادي من فمه لتوضع في أفواههم؛ لا لأنّهم شرفاء، ولا لأنّهم سيقدّمون للشعب المصريّ خدمات، ولكن لأنّهم حرّاس الطاغية والقادرين على منحه طاقات الاستمرار، وإذا بهذه الأعداد الهائلة من الأجهزة تزيد النظام خبالا على خبال، واضطرابًا على اضطراب. 


ومنذ اليوم الثالث لانطلاق الثورة الشعبيّة، ثورة يهيئ لها شباب متعلم ينتمي إلى الطبقة المتوسطة لا الطبقة المطحونة، يعرف كيف يتعامل مع التكنولوجيا الحديثة ويعرف كيف يوظفها، فإذا بهم يشعلون ثورة لم يأخذ بها أحد مأخذ الجدّ إلا بعد انطلاقها. إذا، هناك تغيير قد حدث ليعلن سقوط نظام عربيّ، وسقوط عدة مراحل تاريخيّة ارتبطت بهذا النظام، فلم يكن هناك شيء اسمه الانقلابات العسكريّة، فينتظر الناس خروج ضابط من الجيش يخالف سيده فيقرر السطو على الحكم، وإذا بهذه الثورة الشعبية تعلن سقوط النظام الحزبيّ الَّذِي قام في إطار مَا يسمى بالتعدّديّة وتداول السلطة تقليدًا شكليا شائها للغرب في ليبراليّته. 


فهل هذا الذي حدث في تونس ومصر يصنف في إطار الثورات الشعبية أم كما يطرح بعض العلماء الشرعيين في بعض البلدان من أنه من قبيل الفتن التي تذر الحليم حيرانا؟ 


الحق أنّ الفرق كبير جدا بين هذه الثورات الشعبية بقطع النظر عما سيحدث فيما بعد وبين الفتن التي تذر الحليم حيران، وفي الصفحات التالية ستجد أيها القارئ العزيز مصداق ما قلنا ويتبن لك الفرق الدقيق بين ما يسمى بالثورة الشعبية وبين الفتنة، وأنّ من حاولوا أن يستوردوا من التاريخ والتراث مصطلح الفتنة ليسموا بها هذه الثورات وينفروا الناس من المشاركة فيها أو الإقدام عليها أخطأوا في المنطلق وفي الفهم وفي التحليل ولم يحالفهم الصواب فيما ذهبوا إليه.


---------------- 
** هذه الورقة الجزء الأول من دراسة للدكتور طه جابر العلواني سنوالي نشر بقيتها تباعا. 



اترك تعليق