قانون تطوير الأزهر أم تدمير الأزهر؟

By : صفوت حجازي

أرسل قانون تنظيم الأزهر الجديد إلى المجلس الأعلى للقوات المسلحة لإقراره، وهو القانون الذي سيلغي قانون سنة 1960م الذي صدر في عهد الرئيس الراحل جمال عبد الناصر.

 وقبل الشروع في تقييم مشروع القانون المقترح، أودُّ أن أذكر أنه بعد الثورة بدأ الجميع يتحدث عن المرجعية الإسلامية التي تحتضن جميع الطوائف الإسلامية بين جنباتها، سواء كانت هذه التيارات أحزابًا أم جماعات أم ائتلافات ثورية.

 وأود التأكيد في بداية حديثي على أن الأزهر الشريف؛ جامعًا وجامعة، هو المرجعية الفاصلة التي نسعى لأنْ تفصل في أي اختلاف قادم بحكم عمق فهمه لطبائع وخصائص هذا الشعب المصري العريق، الذي يعدُّ الإسلام أهم ما في وجدانه.

 ولا خلاف على أن الأزهر الشريف يجب أن يملك قراره ويتمتع باستقلالية تعفيه من أي أعباء أو ضغوط سياسية؛ لكي يصبح منارة للعالم الإسلامي أجمع، لا لمصر فحسب؛ لما يتمتع به من مكانة روحية وأدبية فعلاً في ضلوع وقلوب المسلمين في شتي بقاع الأرض، إلا إنه لم يشف صدورهم وطموحاتهم خلال العقود الماضية لأسباب نعرفها جميعًا، ولا مجال لذكرها هنا.

 ولكن بقراءة متأنية للقانون المقترح نجد أنه يحتوي على عورات كثيرة كنا نأمل تلافيها؛ لكي يعود هذا الصرح الإسلامي الشامخ إلى مكانته الطبيعية المستحقة، وأودُّ هنا أن أستعرض أبرز النقاط التي يتناولها القانون المقترح.

 المادة رقم 6 تنص على "عند خلوّ منصب شيخ الأزهر يتم اختياره بطريق الانتخاب من بين أعضاء هيئة كبار العلماء بالأزهر وفقًا للشروط التالية:

 - أن يكون مصريًّا من أبوين مصريين مسلمين، وألا يكون قد اكتسب جنسية أي دولة أخرى في أي وقت من الأوقات.

 - أن يكون من خريجي إحدى الكليات الأزهرية المتخصصة في علوم أصول الدين والشريعة، وأن يكون قد تدرج في تعليمه قبل الجامعي بالمعاهد الدينية الأزهرية.

 - أن يكون ملتزمًا بمنهج الأزهر علمًا وسلوكًا، وهو منهج أهل السنة والجماعة.

 وينص القانون المقترح على أن تنتخب هيئة كبار العلماء من بين أعضائها ثلاثة مرشحين لتولي منصب شيخ الأزهر عن طريق الاقتراع السري بشرط حضور ثلثي عدد أعضائها، ثم تنتخب الهيئة من بين هؤلاء الثلاثة شيخ الأزهر، ثم يصدر قرار من رئيس الجمهورية بتعيين شيخ الأزهر الذي تم انتخابه، وتنتهي مدة ولايته ببلوغه سن الـ 80 أو بالوفاة.

 ولم يذكر نص القانون المقترح أي تفاصيل عن منصب شيخ الأزهر الحالي، وهل سيتركه أم لا، في حين أشار إلى أن شيخ الأزهر الحالي هو من سيقوم بتعيين هيئة كبار العلماء التي سيكون من بعض أدوارها ما يلي:

 - انتخاب شيخ الأزهر عند خلو منصبه.

 - ترشيح مفتي الجمهورية.

 - البتّ في المسائل الدينية ذات الشأن المهم.

 - دراسة التطورات المهمة في مناهج الأزهر الشريف.

 - ينص القانون المقترح على أن يتم اختيار هيئة كبار العلماء، وفقًا للشروط التالية:

 - ألاّ يقل سن عضو هيئة كبار العلماء عن 60 عامًا.

 - أن يكون معروفًا بالتقوى والورع في ماضيه وحاضره.

 - أن يكون حائزًا لشهادة الدكتوراه وبلغ درجة الأستاذية في العلوم الشرعية أو اللغوية.

 - أن يكون قد درس في المعاهد الأزهرية وكليات جامعة الأزهر الشريف.

 - أن تكون له بحوث ومؤلفات.

 - أن يقدِّم بحثين فكريين.

 - ألا يكون قد وقعت عليه عقوبة في حياته.

 - أن يكون ملتزمًا بمنهج الأزهر علمًا وسلوكًا.

 ولشيخ الأزهر الحالي الصلاحية لاختيار أعضاء هيئة كبار العلماء من ذوي الكفاءات، ويصدر بتعيينها قرار من رئيس الجمهورية.

 وينص القانون المقترح على أنه في حال خلوّ مقعد في هيئة كبار العلماء يتم اختيار عضو آخر خلال ثلاثة أشهر، من أعضاء هيئات التدريس أو من علماء الأزهر يرشحه شيخ الأزهر.

 ويشير القانون المقترح إلى أنه تسقط عضوية هيئة كبار العلماء في إحدى الحالات التالية:

 - إذا صدر ضد العضو حكم في جناية أو جنحة ماسة بالشرف.

 - إذا صدر عن العضو عمل أو قول بما لا يتلاءم مع صفته كعضو في الهيئة، كالطعن في الإسلام أو إنكار ما علم من الدين بالضرورة.

 وبعد استطلاع ما سبق أرى أن نص القانون المقترح لا يحقق استقلالية الأزهر بالشكل الذي نطمح إليه، وهو أمر غير مقبول بعد الثورة.

 لم يشر نص القانون المقترح المرسل إلى المجلس الأعلى، كيف سيتم التعامل مع شيخ الأزهر الحالي -مع احترامنا وتقديرنا الكامل لشخصه الكريم وعلاقتي الكريمة بفضيلته- فهل سيستقيل أم يظل إلى أن يبلغ الثمانين من عمره؟ مع العلم أنه يبلغ من العمر 64 عامًا حاليًّا.

 وحتى في حال استقالة شيخ الأزهر الحالي بعد إقرار القانون وتعيين هيئة كبار العلماء من طرفه، فمن الطبيعي أن تختاره اللجنة مرة أخرى.

 كما أرى أنه يجب انتخاب هيئة كبار العلماء من كافة علماء الأزهر الذين تتوافر فيهم الشروط لينتخبوا من بينهم شيخ الأزهر، لا أن يتم تعيينها من قِبله، كما يجب أن يتم تحديد الفترة الزمنية لبقاء العلماء في الهيئة، ولا يعقل أن يظلوا بها طوال حياتهم حتى الوفاة.

 وهل سيتم انتخاب هذه الهيئة مرة واحدة؟ وكيف سيتم تجديدها بعد ذلك؟

 في الحقيقة هذا الطرح غير مقبول من وجهة نظري، وأرى أن ما يتم الآن هو محاولة إصدار قانون بمرسوم رئاسي من المجلس الأعلى للقوات المسلحة لاعتماد هذا القانون؛ نظرًا لعدم الرغبة في عرضه على مجلس الشعب خوفًا من مناقشته بشكل فعال.

 إنه من غير المقبول أن يخضع اختيار مرجعية الأزهر وهيئة كبار العلماء لهوى شخصٍ، مهما كان هذا الإنسان، بل يجب أن يتم انتخاب هيئة كبار العلماء من بين كافة علماء مصر، ولمددٍ محددة يتم بعدها التجديد أو إعادة الانتخاب مرة أخرى كمجلس الشعب أو رئاسة الجمهورية.

 لم نعد نريد لأي منصب في مصر أن يظل مرهونًا مدى الحياة، وأرى تحديد مدة هيئة كبار العلماء بخمس أو عشر سنوات، ثم يتم إعادة انتخاب الهيئة مرة أخرى لمدتين على أقصى تقدير.

 إن منصب شيخ الأزهر لدى المسلمين لا يصح أن يكون مثل بابا الفاتيكان، فيظل موجودًا ويرعى شئون المسلمين مدى الحياة، بل يجب أن تكون مدة رئاسة مشيخة الأزهر لفترات محددة، ولا يحق له الترشح بعد ذلك.

 نريد أن يكون عندنا الإمام الأكبر السابق، وأن يكون شيخ الأزهر بالانتخاب الحقيقي من قِبل هيئة تم انتخابها.

 كنا نأمل أن يحتوي مشروع القانون المقدَّم على مادة تعيد دار الإفتاء المصرية إلى مشيخة الأزهر الشريف؛ حيث إننا نرفض جميعًا أن يكون مفتي الجمهورية موظفًا في وزارة العدل.

 وأقترح أيضًا أن تلغى وزارة الأوقاف وتصبح بكل هيئاتها تابعة لمشيخة الأزهر وتحت إدارته، فضلاً عن إعادة أوقاف الأزهر إليه من خلال القانون، وأن يتم اعتماد الوقف الأهلي للأزهر؛ حتى تتحقق استقلاليته الكاملة.

 ويجب أن يشير قانون الأزهر إلى استقلاليته التامة عن رئيس الجمهورية، بحيث لا يحق للأخير عزل شيخ الأزهر أو أي عضو من هيئة كبار العلماء.. هذا ما كنا نأمله من قانون الأزهر الجديد.

 إن القانون الذي أرسل لإقراره من قبل المجلس الأعلى بمرسوم لن يمر، وحتى إنْ تم ذلك فمن حق البرلمان والرئيس القادم إلغاء هذا القانون.

 إن رجال الأزهر الشرفاء لن يقبلوا بهذا العوار، لن يقبلوا بهذا القانون الممسوخ الذي لا يحقق لنا ما نريده من طموح للأزهر الشريف؛ لكي يكون مرجعية لكل المصريين والمسلمين في شتى بقاع الأرض.


اترك تعليق