الاسلام والديمقراطية

By :

د.سعود الفنيسان

لفظ (الديمقراطية) محرف عن اللغة اليونانية (ديموكراتيا)، فهي مركبة من كلمتين: (ديمو) وتعني: الشعب، و(كراتيا ) وتعني: حكم، فهي (حكم الشعب) بتقديم الصفة على الموصوف خلافاً للغة الأجنبية حيث يقدم الموصوف (الشعب) على الصفة (حكم) وأبدلت القاف (كافاً) والتاء (طاءً) والألف الأخيرة (هاءً) في النطق بعد الترجمة فصارت (ديموقراطية) ، ويجب أن يعلم أن المشاركة الفعلية المباشرة للشعب في الحكم متعذرة جداً، حتى في المجتمع اليوناني القديم مع صغره ومحدوديته، وهي في المجتمعات الكبيرة في العصر الحاضر أشد تعذراً، ونظراً لهذا جاءت (الديمقراطية) تقوم على ممثلين عن الشعب يتحدثون باسمه ويمارسون الصلاحيات التشريعية وغيرها نيابة عنه، ويزعمون دوما رغبة من يمثلونهم، والديمقراطية لا تتحقق إلا في مناخ الحريات الفكرية وتعدد الأحزاب والجمعيات السياسية، وبما أن إجماع هؤلاء النواب الممثلين للشعب مستحيل، ولا سيما في القضايا السياسية المتجددة، فإن الديمقراطية اليوم – تعني حكم الأغلبية المؤلفة من عدد قليل من النواب، ومع هذا كله لا يوجد في العالم اتفاق على تحرير بعض مصطلحات تعتمدها (الديمقراطية)؛ كالحرية في الرأي، هل هي للأفراد والشعب حق واجب أو جائز؟ وتحديد من يحق له الانتخاب أو الترشيح، يمثل هذا هامشاً كبيراً تتفاوت فيه الدول المسماة بالديمقراطية، فبعض الدول تمنع الشباب من الترشيح أو الانتخاب فيما دون سن الثامنة عشرة، أو العشرين أو الحادية والعشرين، وبعضها يخرج فئة النساء من الانتخاب والترشيح، والبعض الآخر يمنع رجال السلك العسكري أو غير المثقفين، أو الملونين أو الفقراء .. إلخ . حتى لبست الديمقراطية الحد يثة ألبسة سياسية عجيبة، فهناك ديمقراطية جمهورية، وأخرى ملكية، أو ديمقراطية رئاسية، أو برلمانية، أو نيابية ... إلخ. بل استخدم لفظ (الديمقراطية) في غير ما وضع له، فأخرجت من مصطلح سياسي للحكم إلى وصف ذم أو مدح للفرد أو الجماعة، أمام الطرف الآخر، فيقال هذا الرأي أو الحزب ديمقراطي أو غير ديمقراطي، وهكذا أصبحت (الديمقراطية) تنسب إلى الشعب المسكين وهو لا يمارسها حقاً. بل لا يملك من أمره نحوها شيئاً، فليس له منها سوى مجرد الوصف والإضافة لا غير، وصار ممثلها عن الشعب حزب أو جماعة متسلطة على الشعب باسم الشعب، وربما اختصر هذا الحزب في السكرتير الأول أو الرئيس الجمعي أو الجماعة.  

حكم الديمقراطية:

وبعد هذا السرد الموجز لمفهوم (الديمقراطية) في التاريخ والواقع يسهل النظر في حكمها الشرعي، فنقول:

أولاً: إن اللغة - أي لغة - هي أحد الأسلحة في تصارع الحضارات لأنها الوعاء الذي يحمل المفاهيم والأفكار، فالأمة الغالبة تفرض لغتها بالقوة على الأمة أو الشعب المغلوب على أمره، فعندما كانت الأمة الإسلامية قوية في عهد التشريع وما بعده عملت على استقلال هويتها الشخصية بين الأمم والشعوب، فجاء النهي النبوي عن التشبه بالكفار في عموم الأحوال، ومنه محاكاة الكفار في لغاتهم دون حاجة أو ضرورة ملحة؛ كقوله – صلى الله عليه وسلم – : "من تشبه بقوم فهو منهم" أبو داود (4031) جوَّد سنده ابن تيمية وحسنه الألباني، وورد عن السلف من الصحابة والتابعين ومن بعدهم النهي عن رطانة الأعاجم، بل عدوا التكلم بغير العربية لغير حاجة أو ضرورة نفاقا، فاللغات لها تأثير في العقل والدين والأخلاق، كما يقول شيخ الإسلام ابن تيمية، وكان الإمام الشافعي رحمه الله يكره أن يسمى التجار (سماسرة)؛ لأن لفظ السماسرة من أسماء العجم، ويقول: (لا نحب أن يسمى رجل يعرف العربية تاجراً إلا تاجراً(أي لايسمى سمساراً) وينبغي لكل أحد يقدر على تعلم العربية أن يتعلمها، لأنها اللسان الأولى بأن يكون مرغوباً فيه، من غير أن يحرم على أحد أن ينطق بالعجمية)أ.هـ، وهذا النهي من أجل ألا ينجر المسلمون أو بعضهم عند استعمال لغة الكفار إلى تقبل ما تحمله من أفكار وعادات وتقاليد، كل ذلك خشية أن يصل الأمر إلى تقليدهم في العقائد والشعائر، أما إذا كانت الأمة قوية مرعوبة الجانب، غازية غير مغزية كما هي حال المسلمين في القرون الثلاثة الأول،ى فلا بأس بتعلم لغات الغير وأخذ ما عندهم من علوم ومعارف، فقد أخذ المسلمون عن الكفار في هذه العهود نظم التراتيب الإدارية في مجالات شتى، ووسعوا لغتهم العربية بتطوير اشتقاقها الذاتي، بما يعرف بالتوليد والتعريب والترجمة، وقعدوا في ذلك قواعد شرعية عامة، كقاعدة (الأمور بمقاصدها) و(الوسائل لها حكم الغايات)، و(العبرة بالمعاني لا بالألفاظ والمباني).

ثانياً: إن لفظ (الديمقراطية) مصطلح أجنبي وافد لم تعرفه لغة العرب ولا المسلمين على مدار التاريخ، فمن غير المعقول أن تلبس بلباس الإسلام – دون تحفظ أو تحديد، فكيف تشبه بـ(الشورى) في نظام الإسلام السياسي، مع وجود اختلافات كثيرة بين اللفظين في 1. المنشأ  2. والحقيقة،  3. والمآل!؟

ثالثاً: تعتمد (الديمقراطية) اعتماداً كلياً على حرية الكلمة، أو ما يعرف بـ(حق التعبير)، والحق كما هو في القانون الوضعي: هو ما كان ثابتاً واجباً معيناً كحق المال، أو قابلا للتعيين كحق التملك وحق التعبير، وهذا الحق القابل للتعين ليس من الحقوق الواجب التقاضي والخصومة بها  أمام القضاء، بل هو رخصة، أي حق جائز مباح لا يلزم فيه التقاضي عادة أمام القضاء، هذا كله في نظر القانون الوضعي. 

أما في الحكم الشرعي فحق التعبير – ومنه حق الاعتقاد والأمر بالمعروف والنه يعن المنكر– قد يكون حقاً واجباً معيناً تقام فيه الدعوى أمام القاضي، كحق إقامة حد الردة على المرتد؛ لحديث "من بدل دينه فاقتلوه" البخاري (3017)، أو حق دفع الأذى عن العرض بسب أو شتم، لقوله تعالى:"وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاءَ فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ إِلا الَّذِينَ تَابُوا مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ وَأَصْلَحُوا فَإِنَّ اللَّهَ غَفُورٌ رَحِيمٌ" [النور:4- 5].

وقد يكون (حق التعبير) جائزاً مباحاً وهو الأكثر وجوداً في مجالات الحياة، وعليه فإن (حق التعبير) من الثوابت الشرعية، فردياً و جماعياً، دليل ذلك عامة نصوص الدعوة إلى الله، كحديث "بلغوا عني ولو آية" البخاري (3461)، و"نضر الله امرأ سمع مقالتي فوعاها فأداها كما سمعها فرب مبلغ أوعى من سامع" الترمذي (2658) وغيره وصححه الألباني، وحديث "من رأى منكم منكراً فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وليس وراء ذلك مثقال حبة خردل من إيمان" مسلم (49)، وبهذا تبين أن (حق التعبير) في الإسلام  ليس من المستجدات الشرعية، بل أصل ثابت من أصول الشريعة، وإنما المستجد فيه وسائل التطبيق لا غير.

رابعاً: لا يجوز للمسلمين أن يستعملوا (الديمقراطية) كما هي عند الكفار اليوم؛ نيابية كانت أو رئاسية أو برلمانية – إذا استلزمت تشريع ما لم يأذن به الله، من تحليل الحرام وتحريم الحلال، فهي حينئذ حكم كفري طاغوتي، قال تعالى: "إِنِ الْحُكْمُ إِلا لِلَّهِ أَمَرَ أَلا تَعْبُدُوا إِلا إِيَّاهُ" [يوسف:40] وقال: "أَفَحُكْمَ الْجَاهِلِيَّةِ يَبْغُونَ وَمَنْ أَحْسَنُ مِنَ اللَّهِ حُكْماً لِقَوْمٍ يُوقِنُونَ" [المائدة:50]، وقال تعالى: "وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ وَلا مُؤْمِنَةٍ إِذَا قَضَى اللَّهُ وَرَسُولُهُ أَمْراً أَنْ يَكُونَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ مِنْ أَمْرِهِمْ" [الأحزاب:36].

خامسا: أما إذا استخدم لفظ (الديمقراطية) في التعريفات والانتخابات التي لا تنطوي تحتها مخالفة حكم منصوص من الشارع، وإنما اقتصر فيها على الأمور الاجتهادية العامة مما يدخل عادة تحت (المصالح المرسلة) فلا بأس حينئذ من استخدامها وسيلة من وسائل التعبير عن مجرد الرأي الذي لا يصادم نصاً عملا بالقواعد الشرعية السابق ذكر بعضها،والكل يعلم أن اللغة العر بية من أوسع اللغات في اشتمالها على كلمات أجنبية (أعجمية الأصل غير عربية) فصارت بالتعريب عربية مثل: (سندس، سلسبيل، زنجبيل، أباريق، وأسماء الأعلام: كإبراهيم، وموسى، وعيسى، ويوسف، وإسماعيل، وإسحاق، ويعقوب...) ولعله هذا من لازم كون القرآن أنزله الله لجميع الخلق، ومحمد صلى الله عليه وسلم أرسل الله لكل الأمم ، ومن لازم البلاغ فصاحة لسان المبلغ {وما رأسلنا من رسول إلا بلسان قومه ليبن لهم...} وفهم الرسول للسان غير قومه معجزة تضاف إلى إلى معجزة كونه صلى الله عليه وسلم أمياً لايقرأ ولايكتب {فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهدون} الأعراف.


اترك تعليق