حسن البنا.. في ذكرى الاستشهاد

By : ثامر سباعنة

"إن كلماتنا وأفكارنا ستظل عرائس من شمع، حتى إذا متنا في سبيلها دبَّتْ فيها الحياة" سيد قطب.

 في مساء يوم السبت 12 من فبراير 1949م عندما كان الإمام حسن البَنَّا يغادر جمعية الشبان المسلمين بشارع رمسيس بالقاهرة، اغتالته يد الغدر والخيانة، ولكنها لم تستطع أن تغتال أفكاره أو تنال من دعوته، التي انتشرت لتملأ ربوع الأرض بنورها، وتهدي قلوب الحائرين بهديها، وتضيء ظلام النفوس بأفكارها وضيائها.

 اغتالوه وهم يظنون أنهم باغتياله وتغيُّبه عن الأرض ستموت أفكاره ومنهجه، لكن الفكرة الصافية والمنهج الحق لا يموت؛ لأنه استمد بقاءه من الدين الإسلامي الحي والباقي إلى قيام الساعة.

 رحل الإمام الشهيد حسن البنا عن الدنيا، ولكن سيرته بقيت في نفوس الملايين من المسلمين الذين خطوا طريقه، وتبعوه يحملون نفس الراية، معلنين بأعلى أصواتهم: في سبيل الله قمنا، نبتغي رفع اللواء، فليعد للدين مجده، ولترق منا الدماء.

 إن حسن البنا يعدُّ نموذجًا فريدًا للزعيم الروحي والمفكر الديني، والمصلح الاجتماعي، والقائد الجماهيري الذي يمكن أن تلتف حوله مختلف الطوائف والمستويات التي يجمعها اتجاه فكري واحد، وتربط بينها أيدلوجية مشتركة، فقد استطاع "حسن البنا" في سنوات قليلة أن يؤسس أكبر جماعة دينية في القرن العشرين بلغ أتباعها الملايين. ويمكن اعتبار "حسن البنا" مزيجًا متميزًا من الفكر السلفي والروحانية الصوفية، فقد كان تجسيدًا فريدًا للروحاني الصوفي، والعالم المسلم، والقائد الحركي الذي امتلك قدرة نادرة على تحريك الجماهير، من خلال ترجمة المبادئ العقدية والفكر السلفي إلى عمل اجتماعي.

 وقد أولى البنا اهتمامًا خاصًّا بقضية فلسطين، واعتبرها قضية العالم الإسلامي بأسره، وكان يؤكِّد دومًا على أن الإنجليز واليهود لن يفهموا إلا لغة واحدة، هي لغة الثورة والقوة والدم، وأدرك حقيقة التحالف الغربي الصهيوني ضد الأمة الإسلامية، ودعا إلى رفض قرار تقسيم فلسطين الذي صدر عن الأمم المتحدة سنة 1947م، ووجه نداءً إلى المسلمين كافة -وإلى الإخوان خاصة- لأداء فريضة الجهاد على أرض فلسطين؛ حتى يمكن الاحتفاظ بها عربية مسلمة، وقال: "إن الإخوان المسلمين سيبذلون أرواحهم وأموالهم في سبيل بقاء كل شبر من فلسطين إسلاميًّا عربيًّا، حتى يرث الله الأرض ومن عليها".

 إمامنا الشهيد، قد أحسنت البناء، وما زال هذا البناء شامخًا قويًّا صامدًا رغم كل الكيد والتآمر.

 اليوم وبعد ثلاثة وستين عامًا على قيام النظام المصري باغتيالك، تعود ذكراك مع رحيل ذلك النظام الذي عاث بالأرض الفساد، ذلك النظام الظالم الذي استعمل كل الوسائل من ظلم واغتيال واعتقال وتعذيب ومصادرة ممتلكات وملاحقات ليُنهِي فكرتك ومنهجك..

 ها أنت تعود يا إمامنا وهم بظلمهم يرحلون.. ها هي نتاج حرثك تزهر في مصر، بل في الوطن العربي كله؛ فأحفادك الآن يقودون الأمة، مستلهمين فكرك وعطاءك.

 حسن البنا، جزاك الله عنا كل خير.


اترك تعليق