حمص العدية.. عاصمة الثورة السورية

By : سعد العثمان

تعتبر محافظة حمص أكبر محافظات القطر العربيِّ السُّوريِّ، وثالثة المدن في القطر من حيث الأهميَّة، وتقع في وسطه، مشكِّلةً حلقة وصل وربط بين مدنه، وترتفع عن سطح البحر بحدود (450م)، وتبعد عن مدينة دمشق بحدود (160 كم) شمالاً، ويبلغ عدد سكان المحافظة حوالي (2087000) نسمة، موزعين على مساحة قدرها (4.8) ألف هكتار.

 ويوجد في حمص مدينة قديمة، مبنيَّة فوق المدينة الرُّومانية القديمة، وتتميَّز بشوارعها الضَّيقة والملتوية، وبيوتها المبنيَّة من الحجر والخشب والطِّين، وبأسواقها التِّجارية الضَّيقة والمسقوفة والمغلقة. ويمرُّ فيها نهر العاصي الذي تغنَّى به الكثير من الشُّعراء، ويقسمها لقسمين، يفصلهما عن نهر العاصي منطقة بساتين خضراء، تشكِّل حزامًا أخضر للمدينة، ولا يُسمح بالبناء فيها. وتشتهر مدينة حمص بهوائها العليل، ولها مكانة أثريَّة مهمَّة؛ نظرًا لموقعها وتعدُّد وتنوُّع آثارها التي تعود إلى مختلف العصور.

 إنَّ مدينة حمص مدينة قديمة جدًّا، يرجع تاريخها إلى ما قبل ميلاد السَّيد المسيح بحوالي 2300 سنة، وشهدت الحضارات والممالك المختلفة التي مرَّت على منطقة بلاد الشَّام بكلِّ أنواعها، وظلَّت زمنًا تعرف بأسماء مختلفة: (صوبا - أميسا - حمس). والظُّهور الحضاري الثَّابت والواضح للمدينة، كان عام 64 قبل الميلاد، حين دخلها الرُّومان أثناء اجتياحهم لبلاد الشَّام، وحظيت برعاية خاصَّة منهم، وتزوَّج القادة العسكريُّون الرُّومان من نسائها، اللواتي أنجبن عددًا من القياصرة الذين حكموا الإمبراطوريَّة الرُّومانيَّة.

 وقد دخلها العرب المسلمون بعد معركة اليرموك على يد خالد بن الوليد، وأبو عبيدة عامر بن الجراح -رضي الله عنهما- عام 633م الموافق لعام 16هـ. ودخلت التَّاريخ الإسلاميَّ لبلاد الشَّام منذ ذلك الوقت وحتَّى يومنا هذا.

 من المعالم الأثرية والتراثية في مدينة حمص
قلعة حمص: وتقع في الجنوب الغربيِّ من مدينة حمص القديمة، على تل ارتفاعه (32م)، وفيها برجان يعودان إلى العهد الأيوبيِّ. أمَّا باقي تحصيناتها فتعود إلى العهدين المملوكيِّ والعثمانيِّ، وقد لعبت دورًا مرموقًا في التَّاريخ، وخاصَّة في عهد الدَّولة الأيوبيَّة والمماليك.

 سور حمص: يعود تاريخ بناء السُّور في أصله إلى الحثيين والآراميين، وقد رمَّمه الرُّوم، وأولاه الأيوبيون عنايتهم، وقد تعاقبت عليه الكثير من الحضارات، وكان يعتبر السُّور الحصن المتين لحماية المدينة من الأعداء في السَّابق. وحاليًّا تظهر آثار السُّور في الجهة الشَّرقيَّة من المدينة، وللسُّور أبراج دفاعيَّة، وله سبعة أبواب، لا تزال من حيث الموقع محافظة على وظيفتها التَّاريخيَّة، وهي التي تربط المدينة القديمة بالمدينة ككل، وهي: باب تدمر، وباب السِّباع، وباب الدريب، وباب التركمان، وباب هود، وباب المسدود، والسُّوق.

 وفي حمص مساجد أثرية مشهورة منها:

جامع الصَّحابي الجليل خالد بن الوليد رضي الله عنه: ويعرف بجامع (سيدي خالد)، ويقع في الجهة الشَّمالية الشَّرقيَّة من مدينة حمص القديمة، ويعود بناؤه بوضعه الحاليِّ إلى العهد العثمانيِّ، إذ أقيم على أنقاض المسجد القديم؛ الذي كان قائمًا وفق الطِّراز العثمانيِّ ممزوجًا بطراز عربيٍّ، ويتميَّز بمئذنتيه العاليتين، وقبابه التِّسع، ويضمُّ ضريح الصَّحابي خالد بن الوليد رضي الله عنه.

 الجامع النُّوريُّ الكبير: يقع وسط مدينة حمص، وقد كان في القديم معبدًا وثنيًَّا، وتحوَّل بعد الفتح الإسلاميِّ إلى مسجد، رمَّمه وجدَّد بناءه الملك (محمود نور الدين الزنكي) فحمل اسم (النُّوري). وقد اعتبر هذا الجامع جامعة القرن الماضي وبداية هذا القرن، حيث كان يتمُّ التَّدريس فيه، ويعدُّ من أقدم أماكن العبادة في المدينة. ومن المساجد أيضًا مسجد أبي ذر الغفاري، ومسجد الخليفة عمر بن عبد العزيز.

 وفي حمص كنائس أثريَّة مشهورة منها: كنيسة أم الزنار، وكنيسة مارليان، وكنيسة الأربعين.

 وفي حمص حمامات أثريَّة مشهورة منها: الحمام العثمانيُّ، وحمام الباشا، وحمام السِّراج، إضافةً للعديد من الأسواق والخانات القديمة.

 وفي المجال الثَّقافيِّ تعتبر مدينة حمص من أنشط المحافظات السُّوريَّة في مجال الفنِّ والأدب، وتشتهر بمهرجاناتها الثَّقافيَّة والفنيَّة، وكثرة النَّدوات الأدبيَّة والشِّعريَّة التي تقام على أرضها.

 كما تشتهر المدينة بالزِّراعة والتِّجارة والصِّناعة، حيث يوجد بها الكثير من المنشآت والمعامل الصِّناعيَّة.

 أمَّا في مجال التَّعليم، فيوجد بها جامعة تضمُّ عددًا كبيرًا من الكليَّات، والمعاهد المتوسطة باختصاصات متعدِّدة.

 وتمتاز المدينة بقربها من مواقع أثريَّة مهمَّة نذكر منها: مدينة تدمر، قصر الحير الشَّرقي، قصر الحير الغربي، قلعة فخر الدين، قلعة الحصن، دير مارجرجس.

 ومواقع سياحية مهمة نذكر منها: نبع الفوَّار، مشتى الحلو، كفرون.

 حمص العدية.. عذرا سامحينا!
أقف اليوم إجلالاً وإكبارًا لحمص العديَّة، حمص التي غيَّرت وجه التاريخ السوري.

 نعم، درعا أطلقت الشَّرارة، لكنَّ حمص هي التي أذكت نار الثَّورة، حين خرج أبطال حمص، ومزَّقوا بأقدامهم صورة الطَّاغية المقبور حافظ، فوق نادي الضُّباط، بعدها سقط الخوف من قلوب السُّوريين إلى الأبد.

 إنَّ أبطال حمص يسطِّرون بدمائهم يوميًّا أروع الملاحم، ويخطُّون الطَّريق إلى حريَّة سوريَّة، واستعادة كرامتها التي سلبها آل الأسد طوال أربعين عامًا.

 قلبي إذا ما قيل: حمـصُ فزَّ منتفضًا *** يا غضبةَ الله فلتُخزي أعاديها

حمص الكرامةِ لُبُّ القلب يحضِنها *** يا رحمةَ اللـه فلتسقي أهاليها

 أرسل ثائر من ميدان دمشق برسالة مؤثِّرة إلى حمص الأبيَّة العديَّة، عنونها بعنوان: عذرًا يا حمص! جاء فيها: من دمشق.. عذرًا يا حمص!

 لا أدري أيحقُّ لنا نحن أهل دمشق مخاطبة حمص الكريمة، حمص الإباء، حمص العزَّة، حمص الجهاد، حمص الصُّمود، حمص الثَّورة، حمص ابن الوليد؟!

 وكيف لأهل دمشق أن يخاطبوا أهل حمص؟! وهم مَنْ هم.. أهل حمص من أظهروا الجهاد بمعناه الحق، من أظهروا التَّضحية بمعناها الحقيقيِّ.

 والله لا أدري أنبكي على شهداء حمص، أم نبكي على صبر حمص، أم نبكي على عناء حمص، أم نبكي على دمشق وأهلها.. نبكي على دمشق ونومها.. نبكي على دمشق وبعدها.. نبكي على دمشق وحصارها.. نبكي على دمشق واحتلالها..؟!

 وليشهد التَّاريخ أنَّنا أهل دمشق، نعترف بالتَّقصير أمام أهل حمص، نعترف بأنَّنا لسنا على قدر المسئوليَّة، ونعترف بأنَّنا نشهد لأهل حمص بأنَّهم شرفاء أحرار، وأنَّهم لا يحتاجون لشهادتنا هذه؛ فدماؤهم تشهد لهم، والتَّاريخ يشهد لهم، والله من قبل يشهد لهم.

 عذرًا يا حمص، فدمشق محتلة.. عذرًا يا حمص فدمشق حزينة.. عذرًا يا حمص فأهل دمشق مقصرون.. عذرًا يا حمص فأهل دمشق لم يستطيعوا منع نسائهم وأطفالهم من فرحة العيد.

 عذرًا يا أهل حمص فما زال في دمشق من يعتقد أن الثَّورة "زعرنة"! عذرًا يا حمص فما زال في دمشق من لم يتخلَّ إلى اليوم عن قليل من رفاهيته! عذرًا يا أهل حمص فما زال في أهل دمشق من لم يتب إلى الله عزَّ وجلَّ من ذنوبه! ويسأل الله النَّصر على عدوِّ الدِّين والشَّعب.

 عذرًا يا أهل حمص فما زال في أهل دمشق من لم يتخلَّ إلى اليوم عن "سيران" يوم الجمعة! عذرًا يا أهل حمص فما زال في أهل دمشق من لم يتخلَّ عن "الأركيلة"! عذرًا يا أهل حمص فما زال في أهل دمشق من لا يرضى أن يشارك في مظاهرة؛ خوفًا على نفسه من الغاز المسيِّل للدُّموع!

 أقول: حسبي الله ونعم الوكيل! ربنا لا تجعلنا خدمًا للظالمين.. اللهم إنَّا نبرأ إليك من كلِّ خوَّان، ومن كلِّ جبان، ومن كلِّ متخاذل، ربَّنا لا تحرمنا نعمك بذنوبنا، ربَّنا لا تحرمنا نعمك بتقصيرنا، ربَّنا عجِّل نصرنا.

 وجَّه أهالي حي بابا عمرو نداء استغاثة إلى المؤسَّسات الإنسانيَّة، وإلى المجلس الوطنيِّ السُّوريِّ؛ لإنقاذ ما تبقى من بابا عمرو، وقال بيان الأهالي: إنَّ النِّظام يحشد قواته في حي الإنشاءات، وينتظر الأوامر ليقتحم بابا عمرو مجددًا.

 وأشار البيان إلى تدهور الوضع الإنسانيِّ للحيِّ، وسط نقص حادٍّ في المواد الطِّبيَّة والإغاثيَّة وأكياس الدَّم، ونقص في الغذاء وخاصَّة الخبز، في ظلِّ انقطاع تامٍّ لكافَّة وسائل الاتِّصال والإنترنت.

 ومن جانبه، وجَّه النَّاشط خالد أبو صلاح نداء استغاثة للعالم الإسلاميِّ بأسره؛ لنجدة الشعب السوري، وخاصَّة أبناء حمص المنكوبة، التي تتعرض للقصف المتواصل، وسط نقص في كلِّ المواد الأوليَّة، سواء غذائيَّة أو طبيَّة.

 وتعهد أبو صلاح، وهو يعاني من إصابات خطيرة جراء قصف الأمس، بعدم الاستسلام لإرادة نظام الأسد قائلاً: "ما راح نستسلم يا بشار، ولو قتلتنا جميعًا".

 ناشدنا العالم لكنَّه أصمَّ أذنيه، لا أحد يقوى على "إله الأرض"! العرب اجتمعوا بعد سبعة أشهر ليختبئوا وراء أصابعهم، حسن نصر اللات على الملأ يقول لجنبلاط: لن نترك سوريَّة.

 لهذا العرب اختفوا، ارتعدوا وخرجوا بقرار ترخيص للأسد ليقتل المزيد، يطالبون بإيقاف القتل.. كم طالبتم؟! وكم طالب العالم؟! لكنَّه وضع كلَّ تلك المطالبات تحت قدميه! لقد تحدَّى العالم؛ لأنَّه يعلم أنَّ الجميع من تحت الطَّاولة يمدُّون أيديهم إليه، وأمريكا على رأسهم، وإسرائيل، وروسيا، والصِّين، وإيران التي تنقل السِّلاح ليل نهار إلى سوريَّة عبر المطارات. لن تعرف البشريَّة ظلمًا أكثر ممَّا عرفه السُّوريُّون في هذه المرحلة.

 يا الله ليس لنا من مساعد سواك، صرخت النِّساء، وصرخ الأطفال، وصرخ الرِّجال لكن.. ما من مغيث!! يا رب أنت تسمعنا، أنجدنا من الطَّاغوت، يا صاحب الملك والقوة والجبروت.


اترك تعليق