الرد على من دعا إلى زيارة القدس والأقصى تحت الاحتلال

By : مروان محمد أبو راس

الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه.. وبعد:

لقد أثار خطاب محمود رضا عباس حفيظتي كثيرًا في محاولته إقناع المستمعين بجواز زيارة المسجد الأقصى والقدس وهما يرزحان تحت الاحتلال البغيض، وهذه الدعوة التي ألحَّ عليها عباس والتي استند فيها إلى أدلة شرعية عديدة، تحمل في ثناياها ملاحظات متعددة، منها ما يثير الشبهة، ومنها ما يستوقف أولي الألباب، ومنها ما يدعو إلى العجب..

 

كان الأولى بعباس بدلاً من أن ينصِّب نفسه مفتيًا يقول في الدين ويفتي في أحكامه أن يكلف من كتبها له أن ينشرها بين الناس من علماء السلاطين المأجورين حوله؛ ليبقى هو في منأى عن النقد والمآخذة، ولكن جرأته على الوطن أهَّلته ليتجرأ على الدين ويفتي فيه.

 

ولأن من كتبها له لا يجرؤ أصلاً أن يعلن عن نفسه؛ لأنه سيكون محط المحاججة التي ستؤدي في النهاية إلى اتهامه بما هو فيه. وأمَّا تطوع أحدهم في الرد على شيخ الأمة وأستاذها الشيخ يوسف القرضاوي، فلا يرقى أن يكون رجل دين؛ لأنه أصلاً باع دينه بدنيا غيره، وأصبح بوقًا من أبواق ابن سبأ، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

وسأوضح بالدليل إن شاء الله ما جاء على لسان عباس في مؤتمر الدوحة عن ضرورة زيارة المسلمين والمسيحيين لمدينة القدس، وأن أدلته لا تنهض أبدًا للاستدلال، وإنما جيء بها لمزيد من الخدمة المجانية أو بالأجرة للاحتلال البغيض.

 

أقول وبالله التوفيق:

 

أولاً: يقول عباس: "فالقدس تخصنا جميعًا ولن يستطيع أحد منعنا من الوصول إليها".

 

نعم القدس تخصنا جميعًا، فماذا فعل عباس لحمايتها والدفاع عنها ومنع تهويدها؟! وهل استخدم قواته الموجودة في الضفة الغربية لهذا الغرض أم أنه استعمل قواته لملاحقة المقاومة واعتقالها ومحاصرة الطلبة في الجامعات، وطرد المنتخبين في البلديات، والتآمر على الانتخابات التشريعية؟! وهل رائحة التنسيق الأمني التي أزكمت الأنوف حتى أنوف الغيورين من أبناء فتح -وهم قلة- قد أوقفها عباس ردًّا على ما يجري في القدس من تهويد وفي الأقصى من تدنيس؟!

 

وإن مقولة عباس: "ولن يستطيع أحد أن يمنعنا من الوصول إليها". فإذا كان الأمر كما تقول، فلماذا لا ترسل الجحافل الجرارة من الضفة الغربية التي تديرها إلى القدس وأنتم أقرب ما يكون إليها، وأولى من يكون عليها كما تزعم؟! ولماذا يتوعد عباس دائمًا أن من يلقي حجرًا على قوات الاحتلال أو مستوطنيه، فإن عباس سيعتقله؟ وهل هذا له تأصيل شرعي أفتاك من يزوِّرون لك الفتاوى من أجل القليل من المال أو الزائل من عرض الدنيا؟!

 

ثانيًا: لقد كرر عباس ثلاث مرات في خطابه الاستدلال بزيارة السجين: "وأنها ليست تطبيعًا". أقول: إن زيارة السجين من أهل فلسطين ليست تطبيعًا، وأما زيارة السجين من أناس من خارج فلسطين بأخذ تأشيرة من المحتل، والاعتراف به - فهو أمر خاضع لمدى الضرورة، وما يتعلق بصحة هذا السجين ومدى تعرضه للخطر، فإذا دعت الضرورة زيارة طبيب أو محام فله ذلك، وإذا لم تدع الضرورة فليس له ذلك؛ لما يترتب على هذه الزيارة من أضرار على المسلمين ومنفعة للمحتل.

 

وفي المحصلة النهائية فإنه لا يصح الاستدلال بزيارة السجين على زيارة الأقصى والقدس، والأصل أننا ندعو لتحريرها ومقاطعة المحتل، لا أن ندعو إلى التطبيع معه والاعتراف به والذهاب لسفاراته؛ للحصول على تأشيرة والمرور من بين يديه، كما يفعل عباس ويدعو إليه.

 

ثالثًا: يقول عباس: "(لا تشد الرحال إلا إلى ثلاثة مساجد: المسجد الحرام، والمسجد الأقصى، ومسجدي هذا)[1]، ولم يكن المسجد الأقصى حينها تحت حكم المسلمين، بل كان تحت حكم الرومان، والحكم عام في كل الظروف والأحوال والأوقات".

 

والرد هنا في نقاط:

- لماذا لم يحمل عباس هذا الحديث على أنه مخاطَب به؟! ولماذا يدعو إليه الأمة ولا يدعو إليه نفسه وأبناء فلسطين؛ ذلك لأنه يريد خدمة المحتل وليس خدمة القدس والأقصى وفلسطين.

 

- إن قياس الزمن الذي ورد فيه هذا الحديث مع هذا الزمان قياس مع الفارق؛ حيث إن الوصول للأقصى كان ممكنًا دون الحصول على اعتراف من الغاصب المحتل المجرم، ولا ينبغي أن يغيب فهم الواقع عن المفتي، إلا إذا كان له غرض آخر غير المعلن.

 

- إن الرومان لم يحتلوا الأقصى من المسلمين، إنما جاء ذلك في حقبة تاريخية ممتدة، ولا أعرف كيف لا يفرِّق عباس بين الحالين: الرومان واليهود في فلسطين.

 

- إن فَهْم الحديث يدل على أنه دعوة للاهتمام بالأقصى وضرورة العناية به بكل طريقة ممكنة؛ إما بالسفر والصلاة فيه، أو بإرسال زيت لقناديله.. فماذا أرسل عباس ليوقد في قناديل الأقصى؟

 

أما الاعتراف بالمحتل والتطبيع معه وأخذ تأشيرة منه، فلا يصح الاحتجاج له بهذا الحديث أبدًا عليه.

 

- هل يخبرنا عباس من الذي ذهب من الصحابة للصلاة أو لوضع الزيت في الأقصى وهو تحت حكم الرومان وبإذن منهم، وبالخضوع إليهم؟ وهل نسي عباس أو أنه لا يعرف أصلاً أن التزام المسلمين بهذا الحديث كان فتحًا لبيت المقدس التي فيها الأقصى، وليس تذللاً ولا خضوعًا ولا هوانًا كما يريد عباس لأمتنا أن تكون؟

 

- هل نسي عباس أنه لم تكن هناك حرب بين المسلمين وأهل إيلياء، وأنهم سلموها للمسلمين في عهد عمر -رضي الله عنه- طواعية، وإنهم يعلمون أن هذا زمان النبي صلى الله عليه وسلم الذي سيستلم أبناء دينه مفاتيح القدس منهم، وهذا ما كان؟ وهل هذا ممكن أن يحدث مع بني صهيون الذي يتحالف معهم عباس، ويوقِّع معهم الاتفاقيات والتنسيق الأمني ضد المقاومة والشرفاء من أبناء أمتنا؟!

 

رابعًا: استدل محمود رضا عباس بمعجزة الإسراء والمعراج، وأن النبي صلى الله عليه وسلم صلَّى في المسجد الأقصى "ولم يكن الأقصى تحت حكم المسلمين بل تحت حكم الرومان".

 

أقول: وهل يصح هذا الحديث أن يكون مستندًا أو حجة للحصول على تأشيرة من المحتل ليدخل الأقصى؟ وهل يستطيع أن يخبرنا عباس من كتب له هذه المقالة العجيبة من أي سفارة رومانية حصل منها رسول الله صلى الله عليه وسلم على تأشيرة لدخول الأقصى؟ وهل يستطيع أن يثبت لنا عباس وكتبته أن الرومان كانوا يعلمون بدخول النبي صلى الله عليه وسلم الأقصى فرضوا أم غضبوا؟

 

ولا شك أن هذا الاستدلال أوهى من سابقه، فحسبنا الله ونعم الوكيل.

 

خامسًا: لقد استدل عباس بصلاة النبي صلى الله عليه وسلم في المسجد الحرام قبل الهجرة، وقال: "ولم يكن هناك اعتراف منه بشرعية الأصنام، بل كان تأكيدًا لحقه المشروع في المسجد الحرام".

 

أقول: كيف لنا أن نقارن بين من يعيش في بلده يصلي في مسجده ويطوف في بيته ويتجرع ألم المعاناة والعذابات مقابل دينه، بمن يريد أن يذهب زائرًا إلى المسجد مُقِرًّا للمحتل على مقدسه، وحاصلاً على تأشيرة من سفارته؟! إن هذا الاستدلال يصلح لسكان القدس والأراضي المحتلة، والضفة الغربية ممن هم تحت الاحتلال أصلاً، ويبذلون الجهد للتخلص منه، لا من يطبعون معه، ويفرحون لكل عاصمة تخفق فيها راية المحتل!!

 

وهل نسي عباس أم أنه لا يعرف أن هذه كانت مرحلة الاستضعاف في مكة التي كان يعيش فيها النبي صلى الله عليه وسلم ومن آمن معه، وأنهم كانوا في مرحلة التأسيس والدعوة وليس في مرحلة التغيير والقوة؟ وهل يريد عباس أن تكون الأمة كلها في هذه المرحلة الآن أم أنه لا يفرِّق بين الأمرين؟

 

سادسًا: يقول عباس ما نصه: "وعندما أرادوا أن يزوروا المسجد الحرام بعد الهجرة، اضطر إلى الحصول على موافقة مشركي قريش الذين كانوا يسيطرون على مكة المكرمة، ولا يجرؤ أحد أن يدعي أنه عليه الصلاة والسلام قد طبّع علاقته معهم".

 

أقول: وهذا مع الأسف الشديد الجهل المطبق بالتاريخ، ألم يقرأ عباس قول الله تعالى: {لَقَدْ رَضِيَ اللَّهُ عَنِ الْمُؤْمِنِينَ إِذْ يُبَايِعُونَكَ تَحْتَ الشَّجَرَةِ} [الفتح: 18]؟ وهل يعلم عباس ما أصل هذه البيعة؟ فعليه إذن أن يسأل الكتبة إن كانوا يعلمون..

 

فهذه البيعة كانت لما ذهب النبي لأداء العمرة مع عدد من المسلمين، ورفض المشركون السماح له بدخول مكة، وصمَّم النبي على أداء العمرة ومكث ينتظر، وإلاّ فإنه سيدخلها عنوة، وطلبوا التفاوض مع عثمان، وانتشر خبر أن عثمان قُتل، فتعاهدوا على القتال وبايعوا النبي صلى الله عليه وسلم، ولما رأى المشركون ذلك طلبوا كتابة صلح بينهم وبينه سُمِّي بصلح الحديبية، والذي يعتبر نصرًا للمسلمين؛ لأنه اعتراف من العدو القوي بالمسلم الضعيف عندئذٍ، وإقرار بحقه في دخول المسجد، ودخله فعلاً في العام التالي رغمًا عنهم. ومنهم من لم يستطع أن يشاهد منظرهم وهم يطوفون، فهرب إلى الجبال، فهل هذا دليلاً على ما تقول أم أنه مجرد الاقتناع بالباطل؟

 

سابعًا: يسأل عباس "هل حرّم أحد من فقهاء المسلمين زيارة القدس والأقصى عندما كان تحت حكم الصليبيين".

 

أقول: أما علم عباس والمروجون لما يخدم المحتل الذي هو وليّ نعمتهم إن القدس كانت مغلقة على المسلمين وأن الحروب استمرت فيها سنوات طويلة وأن المسجد الأقصى توقفت فيه صلاة الجمعة عقودًا من الزمن، وأن المنطقة برمتها كانت تحت الحكم الروماني، وأن أمثاله من المتعاونين مع المحتل كانوا يقيمون إمارات في بلاد الشام، وكانوا يتعاونون مع المحتل الغاصب كما يفعل عباس، وأن عماد الدين زنكي بدأ بتطهير البلاد منهم قبل تحريره للأقصى، والفقهاء لم يشغلهم أمر الذهاب إليه كما يشغل عباس وكتبته، وإنما أشغلهم تحريره كما هو حال شيخ الأمة القرضاوي، وهذا هو الفرق الذي لا يراه عباس وكتبته.

 

ثامنًا: يسأل عباس "وهل توقف المسلمون عن زيارة القدس إبان الانتداب البريطاني والمندوب السامي يسكن القدس على قمة جبل المكبر المطل على المسجد الأقصى ويشرف على المدينة المقدسة".

 

ورغم أن هذا السؤال العجيب أغرب من كل ما سبق، إلا أنني أقول: هل علم عباس أن المنطقة كلها كانت محتلة إما للبريطانيين أو الفرنسيين؟ فماذا كان حال الأردن وسوريا ولبنان؟ وهل كانت هناك دول في ذلك الوقت لها هذا التقسيم؟ وماذا كان حال مصر؟ ومتى تحررت ومتى استقلت العراق وليبيا والجزائر واليمن وغيرها؟ الدنيا كانت غير الدنيا، أم أنك تعيش في دنيا غير الدنيا!!

 

وإنني أنظر إلى هذا السؤال الذي طرحه محمود رضا عباس وكأنه يريد أن تسيطر دولة الاحتلال على المنطقة؛ لتصبح شبيهة بالحال التي عرضها أو أنه في أحسن الأحوال يقول: أنتم محتلون مثلها، فلا تتظاهروا بأنكم دول مستقلة، لكم رأي وحكومات وجيوش.. وهل تقبل الأمة هذا من رجل باع القدس والأقصى وفلسطين، وفي حماه انتشرت المستوطنات، وازدادت الأنفاق تحت الأقصى...؟! وغيره الكثير.

 

تاسعًا: بعد كل ذلك يعلن عباس عن نفسه صلاح الدين الأيوبي وعمر بن الخطاب اندمجا معًا في شخصيته الهلامية، ولعل ذلك كان في لحظة انحناءة طويلة بين يديه من الكاتب حيث قال: "نحن أهل الأرض المقدسة، أهل الرباط، ندرك حجم المسئولية التاريخية الملقاة على عاتقنا، ويشرفنا حفظ الأمانة التي أودعنا إياها، ولنا الفخر أننا نقف في قلب المعركة وعلى خط الدفاع الأول عن القدس"!

 

ولعل هذه الجملة الطويلة استوقفت الكثيرين حتى ممن أطال التصفيق له، حيث إن عباس صوَّر نفسه في هذه العبارة بطلاً مغوارًا ممتشقًا سلاحه يضرب رقاب العدو، ويقود المعركة من قلب الجيش الجرار الذي سيَّره للتحرير!!! وكأن عباس ليس هو من يريد التطبيع مع المحتل والاندماج فيه!! وكأنه ليس هو من يعتبر اعتقال المقاومة وإخبار المحتل عنها بتقارير أمنية عملاً وطنيًّا!!

 

وكأنه ليس هو من تآمر على غزة أثناء الحرب وما زال يحاصرها حتى الآن!! وكأنه ليس هو من تنازل عن حق العودة، واعترف بدولة الاحتلال على أرضنا الحبيبة فلسطين!! وكأنه ليس هو من يمنع المشاركة في أي فعالية ضد المحتل ومستوطنيه من أهلنا في الضفة الغربية المحتلة!! وكأنه ليس هو من وقّع مع العدو الذي يحتل الأرض ويدنس المقدسات الاتفاقيات الأمنية والاقتصادية والسياسية...

 

وهل صاحب هذه الأفعال يصدق على صاحب هذه الأقوال؟

 

وفي الختام فإنني أحترم وبكل تقدير مفتي فلسطين الشيخ محمد حسين على فتواه التي بيّن فيها الحقيقة أنه يجب العمل على تحرير القدس وفلسطين وتعزيز صمود أهلها بكل الطرق والوسائل المتاحة، مع اعتبار أنه لا يجوز التطبيع مع المحتل بأي شكل من الأشكال، أو إقراره بأي حق علي أي جزء من فلسطين.

 

هذا وبالله التوفيق، وهو الهادي إلى سواء السبيل.


اترك تعليق