التقدم الذي يطلبه الإسلام (الشيخ د. يوسف القرضاوي)

By : أ. د. يوسف القرضاوي

بيروت/ موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

كلمة <تقدم> كلمة مطاطة، قابلة لأكثر من تفسير، والحضارة الغربية اليوم تزعم لنفسها أنها حضارة التقدم، وأن مجتمعاتها مجتمعات متقدمة، وأن مجتمعات المسلمين وغيرهم من أبناء ما يسمونه <العالم الثالث> كلهم من المتخلفين، وقد يتلطفون معهم، فلا يسمون بلادهم البلاد <المتخلفة>، وإنما يسمونها <النامية>.

ولا بد لنا أن نجيب بصراحة هنا عن موقفنا من التقدم ـ أو بعبارة أدق ـ عن موقف الإسلام من التقدم.

إن الإجابة عن هذا السؤال تقتضي منا أن نحدد أولا مفهوم التقدم، فالحكم للشيء، أو عليه، فرع عن تصوره.

والتقدم في معناه البسيط: أن يكون الإنسان قدام غيره، أي في جهة الإمام، ويقابله: التخلف، وهو أن يكون الإنسان في الخلف.

والأمامية والخلفية من الأمور النسبية، فقد تعتبر في الإمام بالنسبة لشخص وراءك، وتعتبر في الخلف بالنسبة لشخص أمامك، وقد تكون أمام مجموعة كلها من المتخلفين، فأنت حينئذ أسبق المتخلفين، كالسابق بين العرجان!

ولكن التقدم قد يقاس بالنسبة لهدف يريد الإنسان أن يبلغه، فكل حركة في اتجاهه تقرب إليه، تعد تقدما، بخلاف أي حركة في عكس الاتجاه الموصل إلى الهدف، لأنها حركة إلى الوراء حتما.

وكذلك التوقف والجمود في موضع واحد لا يعدوه صاحبه، لا إلى أمام ولا إلى وراء، هذا في حد ذاته تخلف، لأن توقفك يعطي غيرك فرصة ليخطو خطوة أو خطوات إلى الأمام، وأنت واقف في مكانك، فستتخلف أنت بقدر ما يتحرك هو• وخصوصا أن الأصل في الإنسان أنه حي متحرك، والحركة دليل الحياة.

وهنا يبرز السؤال الكبير، ما الهدف أو الأهداف التي يجب على البشر أن يبلغوها ويحققوها في حياتهم؟ حتى يكون القرب منها أو البعد عنها مقياسا للتقدم أو التخلف.

إن الإسلام يجعل لحياة البشر على الأرض أهدافا أساسية، وأبرزها كما جاء بها القرآن العظيم ثلاثة، ذكرها الإمام الراغب الأصفهاني في كتابه القيم <الذريعة إلى مكارم الشريعة>، وهي:

1• العبادة لله، وإليها يشير قوله تعالى: {وما خلقت الجن والإنس إلا ليعبدون}•

2• الخلافة لله في الأرض، وإليها يشير قوله: {إني جاعل في الأرض خليفة}، وقوله: {ويستخلفكم في الأرض فينظر كيف تعملون}•

3• والعمارة للأرض، وإليها الإشارة بقوله: {هو أنشأكم من الأرض واستعمركم فيها}•

إن التقدم الذي يطلبه الإسلام للحياة: تقدم متكامل، روحي ومادي، أخلاقي وعمراني، دنيوي وأخروي، علمي وإيماني، ولا يجد أي تعارض بين هذه المتقابلات، بل هو يجمع بينها في توازن واتساق•

إنه تقدم في الأهداف والغايات، وتقدم في الوسائل والأساليب معا، فالإسلام أحرص ما يكون على نظافة الوسيلة، حرصه على شرف الغاية، ولا يقبل بحال الوصول إلى الغايات النبيلة بوسائل خسيسة أو قذرة، بل هو يرفض الوصول إلى الحق بطريق الباطل، يرفض أكل الربا وكسب الحرام لبناء المساجد، وتشييد المدارس، فإن الله طيب لا يقبل إلا طيبا•

وفي ضوء هذا المفهوم المتكامل للتقدم قامت الحضارة الإسلامية الشامخة التي جمعت بين الروائع المادية التي تمثلت في مبدعات العمارة والفنون وغيرها، وبين المعاني الإيمانية والأخلاقية التي كانت هي الدوافع الحقيقية وراء هذا الإبداع، وكانت هي السند الروحي والمعنوي لهذه الحضارة التي لا تخطئ العين في عامة مظاهرها ومنجزاتها: إنها حضارة ربانية، محورها الإيمان، وركيزتها الأخلاق•


اترك تعليق