الأنبياء فضلاء السياسيين (2) د. فتحي أبو الورد

By :


أرسل الله تعالى الرسل مبشرين ومنذرين، ليأخذوا بأيدى أقوامهم إلى طريق الهداية، ويجنبوهم طريق الغواية. 

وفى تبليغ رسالات ربهم كانوا يسوسون أقوامهم إلى صلاح دينهم ودنياهم، فمن الناس من آمن ومنهم من كفر، ومنهم من أقبل ومنهم من أعرض، وفى الحديث "كانت بنو إسرائيل تسوسهم أنبياؤهم".

وكان من البدهى أن يقع صدام بين أتباع الرسل والمناوئين لهم، وتصدر المناوأة زعماء وقادة على مر التاريخ، وكان الأنبياء يقودون دفة الصراع مع هؤلاء المعارضين ، وحيثما وجد الصراع، ووجدت القيادات، ووجد الأتباع فثم عراك سياسى، وصدام سياسى و كان الأنبياء يتلمسون أفضل السبل، وأنسب الطرق لإدارة المعركة السياسية. 

 لقد كانت دعوة الأنبياء وتبليغ رسالات ربهم لأقوامهم حراكًا سياسيًا بأدق وصف له، [لقد كان الأنبياء هم فضلاء السياسين، وأوائل السياسيين، والشرائع المنزلة أعظم السياسات وأرقاها فى تاريخ البشرية قاطبة].

 ولنقف مثلًا عند قول الله تعالى لنبيه فى سورة القصص عن موسى وفرعون: ﴿نَتْلُو عَلَيْكَ مِن نَّبَأِ مُوسَى وَفِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ (3) إِنَّ فِرْعَوْنَ عَلا فِي الأَرْضِ وَجَعَلَ أَهْلَهَا شِيَعًا يَسْتَضْعِفُ طَائِفَةً مِّنْهُمْ يُذَبِّحُ أَبْنَاءَهُمْ وَيَسْتَحْيِي نِسَاءَهُمْ إِنَّهُ كَانَ مِنَ المُفْسِدِينَ (4) وَنُرِيدُ أَن نَّمُنَّ عَلَى الَّذِينَ اسْتُضْعِفُوا فِي الأَرْضِ وَنَجْعَلَهُمْ أَئِمَّةً وَنَجْعَلَهُمُ الوَارِثِينَ (5) وَنُمَكِّنَ لَهُمْ فِي الأَرْضِ وَنُرِيَ فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَجُنُودَهُمَا مِنْهُم مَّا كَانُوا يَحْذَرُونَ (6). 

إن الآيات السابقة لهى حوار سياسى، وتقرير سياسى، وبيان سياسى ورصد لوقائع سياسية، وإرادة من الله تعالى للذين استضعفوا بتمكين سياسى. 

 قال الطبرى: [إن فرعون علا فى الأرض وجعل أهلها من بنى إسرائيل فرقًا يستضعف طائفة منهم (و) نحن (نريد أن نمن على الذين) استضعفهم فرعون من بنى إسرائيل "ونجعلهم أئمة" أى ولاة وملوكًا "ونجعلهم الوارثين" أى نجعلهم ورَّاث آل فرعون يرثون الأرض من بعد مهلكهم).

يقول الدكتور الريسونى [لقد تصدى موسى لفرعون، وتصدى فرعون لموسى، وتواجهت السياسة النبوية مع السياسة الفرعونية، فهل يشك أحد فى أن موسى كان يؤدى عملًا سياسيًا، وأنه كان يواجه تحديًا سياسيًا؟].

وإذا تأملنا الآيات التى تتحدث عن بعثة موسى عليه السلام نجد بوضوح طبيعة الصورة التى طغت على مسيرة الأحداث. 

 فحينما نقرأ قوله تعالى: ﴿ثُمَّ بَعَثْنَا مِنْ بَعْدِهِم مُّوسَى بِآيَاتِنَا إِلَى فِرْعَوْنَ وَمَلَئِهِ فَظَلَمُوا بِهَا فَانظُرْ كَيْفَ كَانَ عَاقِبَةُ المُفْسِدِينَ﴾

وقوله تعالى: ﴿وَلَقَدْ أَرْسَلْنَا مُوسَى بِآيَاتِنَا وَسُلْطَانٍ مُّبِينٍ (23) إِلَى فِرْعَوْنَ وَهَامَانَ وَقَارُونَ فَقَالُوا سَاحِرٌ كَذَّابٌ (24)﴾. 

 وقوله تعالى: ﴿اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى﴾

 حينما نقرأ ذلك [نٌحس وكأن موسى لم تكن له إلا رسالة سياسية، أو كأنه لم يبعث إلا لفرعون وبعض أصحابه المقربين). 

أما عن سيدنا سليمان فقد قال ابن خلدون : [كان لداود ولسليمان ــ صلوات الله وسلامه عليهما ــ الملك الذى لم يكن لغيرهما. 

والمتأمل لملك سيدنا سليمان فى القرآن الكريم يجد أنه (كان رجل دولة لا مثيل له) ويتضح له كذلك أن موسى عليه السلام [لم يكن حالة استثنائية فى عمله السياسى، وكل الأنبياء كانوا سياسيين بدرجة أو بأخرى) .

نستطيع أن نقرر إزاء التجاذبات بين الزعماء، والاحتكاكات والمناوشات بين القادة، والمساجلات والحوارات المشحونة بدفاع كل طرف عن قضيته، نستطيع أن نقرر أن هذا عمل سياسى بامتياز وإذا أردنا أن نضع تعريفًا للقضايا السياسية نقول [كل قضية يكون الزعماء والسياسيون طرفا فيها، فهى قضية سياسية، وحيثما وجدنا الزعماء السياسيين يتصدون للأنبياء فمعناه أن القضية سياسية، أو ذات أبعاد سياسية).


اترك تعليق