خلاف بعض الدعاة الكبار في بعض قضايا الفكر (الدكتور يوسف القرضاوي)

By :

بيروت/ موقع الإتحاد العالمي لعلماء المسلمين

وهناك مَن ينتقدون الأستاذ المودودي لخلافهم له في الرأي في بعض القضايا والموضوعات، لاختلاف زاوية النظر عنده وعندهم، مع تسليمهم له بالمنزلة والفضل، وصدق النية، وطول الباع، في نقد الحضارة الغربية، والفلسفات المادية، وفي الدعوة إلى الإسلام، وفضح خصومه، وتزييف أفكارهم وتوجُّهاتهم، وإنما خالفوه في بعض مسائل العلم، أو بعض قضايا الفكر، أو في مناهج العمل الإسلامي العام.

وهذا لا حرج فيه، وسيظلُّ الناس يختلفون في مثله، ولكلٍّ وجهة هو مولِّيها، ولكلِّ مجتهد نصيب، والمصيب في اجتهاده مأجور، والمخطئ معذور بل مأجور، وإن كان دون أجر المصيب.

نقد الشيخ أبي الحسن الندوي:

وأحسب من هؤلاء الداعية الإسلامي الكبير السيد أبا الحسن علي الحسني الندوي، الذي انتقد بعض ما كتبه الأستاذ المودودي، ولا سيما في كتابه (المصطلحات الأربعة في القرآن).

ولستُ هنا في مقام الفصل بين الرجلين الكبيرين، ولكني فقط أسجِّل هنا ثلاث ملاحظات:

الأولى: ذكرتُها للعلاَّمة الندوي حين سعدتُ بلقائه في الدوحة عاصمة دولة قطر، إبَّان انعقاد المؤتمر الثالث للسيرة والسنة النبوية، وهي أن الأستاذ الندوي سمَّى كتابه حين نشره بالعربية (التفسير السياسي للإسلام)، فقلتُ له: إن هذه التسمية فيها شدَّة وعنف، وقد تُوهِم غير ما قصدتَ إليه، وكان من إنصاف الشيخ أنه أقرَّ بهذا، وقال: ليتني سمعتُ هذا قبل نشره. وأنه يخشى أن يُستغلَّ هذا في بلاد العرب من ينادون بفصل الدين عن السياسة! أو على حدِّ تعبيرهم بـ(تسييس الدين). وأذكر أن أحد الإخوة في الهند نبَّهه أيضا إلى هذه الملاحظة، وأن الكتاب حينما نشر بالأوردية كان له عنوان آخر.

الثانية: أن هناك أناسا أخذوا كلام المودودي، ورتَّبوا عليه نتائج لم يرتِّبها المودودي نفسه، وإن كانت قد تلزم من مفهوم كلامه، ولكن المعروف عند المحقِّقين من علماء الأمة: أن لازم المذهب ليس بمذهب. وأن العالم لا يؤاخذ إلا بما التزمه صراحة من الأقوال والأفكار. فقد يرى العالم الرأي، ويؤمن به، ويدعو إليه، ولا يخطر له لازمه على بال.

فإذا وجدنا بعض الغلاة من منتحلي بدعة (التكفير) وأشياعهم، أخذوا كلمات معيَّنة مما كتبه الأستاذ المودودي، مستشهدين بها لما ذهبوا إليه من تطرُّف في الفكر، وغلو في الدين، وكفَّروا بها جماهير المسلمين، فالمودودي ليس مسؤولا عن ذلك؛ لأنه لم يرِد بكلامه نفس ما أرادوا، ولم ينتهِ به إلى ما انتهوا إليه من نتائج في الاعتقاد والسلوك.

ولقد أساء الناس قديما وحديثا فَهم كلام الله تعالى وكلام رسوله صلى الله عليه وسلم، ولم يكن هذا عيبا في كلام الله جلَّ شأنه، ولا في كلام رسوله الكريم، بل كان عيبا فيمن ساء فَهمه، وانحرف عقله، من الذين يحرِّفون الكلم عن مواضعه، على نحو ما قال أبو الطيب:

وكم من عائب قولا صحيحا                وآفته مـن الـفَهم السقيم! 

وقال:

ومَن يك ذا فم مُرٍّ مـريض                يجد مرًّا به الماء الزلالا! 

الثالثة: تتعلَّق بموقف الإمام المودودي من هذا النقد الموجَّه إلى كتابه، وهو الموقف اللائق بمثله، أمانة وتواضعا وإنصافا، فقد ذكر الأستاذ الندوي في كلمته المخلصة التي رثى بها المودودي في مجلة (البعث الإسلامي)، التي تصدر عن ندوة العلماء بالهند: أن الأستاذ المودودي رحَّب بنقد الأستاذ الندوي، وشكره عليه، وتمنَّى لو كتب ملاحظاته على جميع مؤلَّفاته، فليس في العلم كبير، والمؤمن مرآة أخيه، والمسلمون نصحة بعضهم لبعض.

نقد د. محمد عمارة:

وممَّن انتقد الأستاذ المودودي في حديثه عن الجاهلية والتكفير: المفكِّر المصري المسلم الدكتور محمد عمارة، الذي يرى أنه غلا في وصف المجتمعات المسلمة المعاصرة، بل ضمَّ إليها التاريخ الإسلامي، والحضارة الإسلامية كلها، فوصفها بالجاهلية، ويرى ذلك ضربا من المجازفة: يقول في بحثه الذي قدَّمه لندوة اقرأ الإعلامية في رمضان 1424هـ: (لكن المودودي قد انطلق من دعوى غيبة الحاكمية الإلهية عن المجتمعات الإسلامية والدول الإسلامية - فضلا عن مجتمعات الحضارة الغربية - فذهب من هذا المنطلق إلى الحكم على كلِّ المجتمعات الإسلامية ودولها بالجاهلية - ومن ثمَّ بالكفر - وذلك دون أن يكفِّر الأفراد أو الأمة.

بل ذهبت به المجازفة إلى الحكم بسيادة الجاهلية في التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية منذ السنوات الأخيرة لخلافة الراشد الثالث عثمان بن عفان (47هـ : 35هـ - 577 : 656م)!

لقد وصف جاهلية الغرب، إنه عصر الجاهلية المحضة .. الجديدة .. والمعاصرة .. والمتحضِّرة.

وكتب عن ارتداد حضارتنا الإسلامية وثقافة أمتنا الإسلامية، والنظام الاجتماعي الإسلامي إلى الجاهلية منذ عهد عثمان بن عفان، وذكر أن الغايات التي حقَّقها النبي صلَّى الله عليه وسلم، قد سار على نهجه فيها أبوبكر الصديق (52 ق هـ : 13هـ - 573 : 634م) وعمر الفاروق (40 ق هـ : 23 هـ - 584 : 644م).

ثم انتقل الأمر بعدهما إلى سيدنا عثمان رضي الله عنه، وبقي على ما أقامه عليه النبي إلى عدَّة من السنين في صدر ذلك العهد .. ولكن الخليفة الثالث كان لا يتَّصف بتلك الخصائص التي أُوتيها العظيمان اللذان سبقاه .. فلقد كان ينقصه بعض تلك الصفات اللازمة للحكم والأمر، التي كانت على أتمِّها في أبي بكر وعمر .. (فوجدت الجاهلية سبيلها إلى النظام الاجتماعي الإسلامي، وإن تيارها الجارف، وإن حاول عثمان صدَّه ببذل نفسه ومهجته، إلا أنه لم ينكفئ.

ثم خلفه علي (23 ق هـ : 40 هـ - 600 : 661م) كرَّم الله وجهه، واستفرغ جهده لمنع هذه الفتنة، وصيانة السلطة السياسية في الإسلام من تمكُّن الجاهلية منها، ولكنه لم يستطع أن يدفع هذا الانقلاب الرجعي المركوس حتى ببذل نفسه، فانتهى بذلك عهد الخلافة على منهاج النبوة، وحلَّ محلَّها الملك العضوض (Tyrant Kingdom)، وبدأ الحكم والسلطة يقومان على قواعد الجاهلية بدلا من قواعد الإسلام) (1).

ويمضي المودودي فيقول عن هذه الردَّة إلى الجاهلية: (كان من الطبيعي أن يصحب ذلك كلَّه رواج فلسفة الجاهلية وآدابها وفنونها، فتدوَّن العلوم والمعارف على طرازها) (2) .. فالحضارة التي أزدهرت في قرطبة وبغداد ودلهي والقاهرة لا دخل للإسلام فيها ولا صلة .. وتاريخها ليس إسلاميًّا، بل الأجدر أن يكتب في سجل الجرائم بمداد أسود) (3).

تعقيب متمهل:

ولا ريب أن حكم المودودي على الحضارة الغربية بالجاهلية: حكم صحيح، نظرا للاتجاه العام فيها، والروح الغالبة عليها، فهي – كما قال ليوبولد فايس - محمد أسد - لا تجعل لله مكانا في نظامها الفكري الحالي، وفلسفتها العامة تقوم على المادية المجحفة، والإباحية المسرفة، والنفعية المتطرِّفة، فالاعتبار الأخلاقي لا مكان له في اقتصادها ولا سياستها، ولا في سلمها ولا في حربها، وهي كلُّها تتبنَّى مبدأ : (الغاية تبرِّر الوسيلة).

أما حكمه على التاريخ الإسلامي والحضارة الإسلامية فهو حكم قاسٍ، بل شديد القسوة، وقد ناقشناه في كتابنا (تاريخنا المفترى عليه)، وبيَّنا خطأ هذه النظرة السوداء إلى تاريخنا وحضارتنا، وذكرنا هناك: أن المودودي وغيره من الكُتَّاب والمفكِّرين الإسلاميين، مثل سيد قطب والشيخ محمد الغزالي، وأبي الحسن الندوي - إلى حدٍّ ما - كانوا ضحية مصادرنا التي نقلت إلينا صورة غير صادقة تماما عن تاريخنا الإسلامي، كما بيَّنا مسؤولية المؤرِّخين المسلمين، ومسؤولية علماء الحديث، ومسؤولية مؤرِّخي الأدب: في تشويه هذه الصورة، وإعطاء هذا الانطباع الزائف عن تاريخنا.

بيد أن الإمام المودودي - غفر الله له - كان أقسى المتحدِّثين عن تاريخنا عبارة، وأشدُّهم حرارة، لذا كان نقد الدكتور عمارة له في هذا الموقف شديدا مرًّا، برغم دفاعه المجيد عنه فيما كتبه من قبل.

لقد اعتبر الأستاذ المودودي عصر الصحابة والتابعين وأتباعهم من العصور التي وثبت عليها الجاهلية، وحرفتها عن مسارها الإسلامي، مع أن هذه العصور هي العصور التي استفاضت فيها الأحاديث الصحاح، بأنها خير قرون هذه الأمة: "خير القرن قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم" (4) . وذلك لأن نور النبوة كان لا يزال قوي التأثير في هذه القرون، أو هذه العصور، وهي عصور الفتوحات التي شرَّقت وغرَّبت، ودخلت فيها الأمم في الإسلام، وكان لبني أمية فيها إسهام كبير لا ينكره مكابر، ففي عصرهم دخل الإسلام إلى الهند وسمرقند والصين شرقا، وإلى الأندلس (أسبانيا) غربا.

وانظر إلى الرُّوح التي كتب بها العلامة المودودي عن الحضارة الإسلامية، والرُّوح التي كتب بها علاَّمة آخر، هو الداعية الإسلامي مصطفى السباعي في كتابه الرائع البديع (من روائع حضارتنا)، وما قدَّم فيه من إنجازات هذه الحضارة وخدماتها للمسلمين وللبشرية كلِّها بصفة عامة.

ضمُّ كلام المودودي بعضه إلى بعض:

على أني أنصح دائما: ألا يُحكم على المودودي بما يكتبه في موضع من كتبه، حتى نطَّلع على تراثه كلِّه، فإن ما أطلقه في كتاب يقيِّده في آخر، وما عمَّمه في رسالة خصَّصه في رسالة أخرى، وما أجمله في محاضرة أو خطبة قد فصَّله في محاضرة أو كتاب أو مقال آخر.

وإذا كنا نفعل ذلك في فَهمنا لكلام الله الحكيم، وفي فَهمنا للقرآن الكريم، فكيف لا نفعله في فَهمنا لكلام المخلوقين، وحكمنا لهم أو عليهم؟!

وأودُّ من القارئ المتأمِّل المنصف: أن يقرأ معي هذه الفقرة من نفس كتابه الذي شنَّ فيه الغارة على التاريخ والحضارة الإسلامية، يقول في (موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه) تحت عنوان (الحاجة إلى المجددين): (لا يذهب بأحد الظنُّ في هذا الصدد أن كانت الجاهلية قد محت آية الإسلام تماما وذهبت بآثاره جميعا وملكت عليه أمره من جميع الوجوه، إبَّان هجومها وطغيانها، بل الواقع أن الشعوب التي كانت خضعت لتأثير الإسلام حينئذ أ و خضعت لها فيما بعد، لم يزل باقيا أثر الإصلاح الإسلامي - قليلا أو كثيرا - مدى الدهر.

ولم يكن إلا من تأثير الإسلام أن كان الآمرون المطلقون من الملوك تأتي عليهم من حياتهم أحيان ترتعد فرائصهم من خشية الله، فيرجعون عن غيِّهم إلى الرشد، وعن ظلمهم إلى الإنصاف.

وليس إلا من ثمرات الإسلام أنك تبصر هنا وهناك في الصفحات السود من تاريخ الملكية لمحات من نور الصلاح والأخلاق الفاضلة، ولم يكن إلا من فضل الإسلام أن نبغ في البيوتات الحاكمة رجال مؤمنون متَّقون عادلون، تولَّوا الحكم والأمر، مع الشعور التام بمسئوليتهم على قدر الإمكان، على كونهم يملكون سلطان الملكية.

وكذلك ما زال الإسلام يعمُّ ببركاته وخيراته - ولو على وجه غير مباشر - قصور الدول والحكومات ومدارس الفلسفة والحكمة ودور التجارة والصناعة وزوايا الخلوة والاعتكاف وسائر شُعَب الحياة، واستمرَّ نفوذه في العامَّة على رغم أنف جاهلية الشرك التي كانت فاشية فيهم، وبقي يؤثِّر في عقائدهم وأخلاقهم واجتماعهم من جهتي الأمر والنهي والتوجيه والتحذير، ومن كلِّ ذلك ظلَّ مستوى أخلاق الشعوب المسلمة أعلى وأرفع دائما من أخلاق سائر الأمم، وفوق ذلك كلِّه ما خلا عصر من العصور من أناس استمسكوا بعروة الإسلام، وبقوا يسعون في إحياء هدايته العلمية والعملية في حياتهم أنفسهم، وفي الحلقة المحدودة الواقعة تحت تأثيرهم ونفوذهم، بيد أن ذلك كلَّه لم يكن كافيا لتحقيق الغاية الرئيسية التي بُعث من أجلها الأنبياء عليهم السلام.

فكان الإسلام لا يكفيه أن تكون السلطة بيد الجاهلية، ويقف الإسلام منها موقف التابع المتخلِّف، ولا كان يكفيه أن يكون هنا وهناك رجال متمسِّكون بالإسلام في حياتهم الفردية المحدودة، وتشيع في الحياة الجماعية الواسعة أخلاط شتَّى من الجاهلية والإسلام، ولذلك كان – ولا يزال - الدين الإسلامي في كلِّ عصر في حاجة إلى رجال أقوياء، يأتون ويسدِّدون خُطى الزمان، ويوجِّهون مسيره إلى الإسلام، سواء أكان عملهم في ذلك محيطا شاملا، أو كان على بعض النواحي الأمر مقتصرا. وهؤلاء هم الذين يُدعَون بـ(المجددين)!) (5).

-------------------------

(1) موجز تاريخ تجديد الدين صـ43 - 44.

(2) موجز تاريخ تجديد الدين صـ46.

(3) نفسه صـ39.

(4) متفق عليه: رواه البخاري في الشهادات (2651)، ومسلم في فضائل الصحابة (2535)، كما رواه أحمد (19820)، وأبو داود في السنة (4657)، والترمذي في الفتن (2222)، والنسائي في الأيمان والنذور (3809)، عن عمران بن حصين.

(5) موجز تاريخ تجديد الدين وإحيائه صـ49، 50.


اترك تعليق