الريسوني يدعو إلى الاحتفاء بعلم مقاصد الشريعة

By :

اعتبر العلامة أحمد الريسوني أولمبياد المقاصد من المناسبات المتميزة التي أضحت تحتفي بعلم مقاصد الشريعة وتعتني بالتعريف به وبأعلامه ومباحثه. جاءت هذا التنويه في سياق كلمة علمية له ضمن رسالته الموجهة للمشاركين في أولمبياد المقاصد المنظم من طرف مركز التجديد للبحث العلمي التابع لمنظمة التجديد الطلابي - فرع أكادير- بتنسيق مع عمادة كلية الشريعة ومركز الدراسات الفقهية والاقتصادية والقانونية ومركز المقاصد للدراسات البحوث- الذي يديره ويشرف عليه فضيلته .

وفي ما يلي نص الرسالة العلمية :

علم مقاصد الشريعة من الولادة الكامنة إلى الولادة الكاملة      

عرفت الدراسات المقاصدية نموا سريعا مطردا متعدد المسارات في هذا العصر، وخاصة منذ نشرِ كتاب (الموافقات) للشاطبي، ثم بعد تأليف ابن عاشور لكتابه (مقاصد الشريعة الإسلامية)، وهو الكتاب الذي دعا فيه إلى تأسيس علم جديد، قال: "ونسميه عِلمَ مقاصدِ الشريعة" .

كثير من الدارسين يعتبرون أو يصرحون بأن الشاطبي هو مؤسس علم مقاصد الشريعة، وأن هذا العلم قد ولد فعلا في كتابه (الموافقات). ففي هذا الكتاب الفذ نجد قسما مستقلا مخصصا للمقاصد. وهذا القسم لا يتميز فقط بمباحثه وتبويبه ونظرياته ومصطلحاته وقواعده، وبكونه هو أكبر أقسام الكتاب، بل يتميز حتى بمقدمة وخاتمة خاصتين به، مما يعني استقلاله الواضح داخل كتاب الموافقات. ولكن المؤلف من جهة أخرى جعل كتاب المقاصد جزءا من كتاب الموافقات، مما يعني أن (علم المقاصد) ظل كامنا في أحشاء علم أصول الفقه.

وإذا جاز لنا أن نعتبر أن ولادة علم المقاصد على يد الإمام الشاطبي كانت وظلت "ولادة كامنة"، فإننا اليوم نستطيع أن نقرر ونعلن أن علم المقاصد قد ولد في هذا العصر "ولادة كاملة".

فالمؤلفات الخاصة بمقاصد الشريعة تعدُّ اليوم - على الأقل - بالمئات، باللغة العربية وبغيرها من اللغات. وقد فتحت هذه المؤلفات أبوابا متنوعة وآفاقا رحبة لقضايا مقاصد الشريعة، تأصيلا وتفصيلا وتفعيلا.

وإلى جانب ذلك انتشر التدريس الجامعي لمقاصد الشريعة باعتبارها مادةً مستقلة، حتى عم كافةَ الجامعات والكليات الإسلامية وأقسامَ الدراسات الإسلامية عبر العالم. ثم بدأ تأسيس المراكز البحثية المتخصصة في مقاصد الشريعة، ونُظمت - وما تزال تنظم - ندوات ومؤتمرات ودورات علمية كثيرة للمقاصد، إلى غير ذلك من وجوه الحفاوة والعناية بها، من مثل ما نشهده في هذه المناسبة المتميزة.

كما شهد حقل الدراسات المقاصدية تطورا نوعيا آخر، هو ظهور البحث في مجال (قواعد المقاصد)، وذلك باستخراجها من مناجمها ودراستها وبيان أهميتها وآثارها. ولعل أهم عمل علمي تم في هذا الباب - لحد الآن - هو ما تضمنته (معلمة زايد للقواعد الفقهية والأصولية) . ففي هذه الموسوعة نجد قسما خاصا بقواعد المقاصد يقع في ثلاثة مجلدات، ويحوي أكثر من مائة قاعدة مقاصدية، من ضمنها قواعد تخص طرق الكشف عن مقاصد الشريعة. ومعلوم أن ظهور قواعد خاصة بأي علم من العلوم هو أقوى تجلّ لنضجه واستقلاله.

وهكذا فنحن نرى أن ميلاد "علم مقاصد الشريعة" قد أصبح واقعا معيشا، لا يقبل المراء. فلهذا العلم اليوم أعلامه وتاريخه، وقضاياه ومؤلفاته، وأبوابه ومجالاته، ومبادئه وقواعده، ووظائفه المميزة له... فلم يعد ينقصه من مقومات "العِلم المستقل" شيء.

وها قد أصبح كثير من أهل الفقه والاجتهاد، وأهلِ الفكر والتجديد، وأهل الدعوة والتربية، وأهل المال والاقتصاد، وأهل السياسة والإصلاح، أصبحوا يُهرَعون إلى مقاصد الشريعة ويستنجدون بها، فيجدون فيها من العطاء والغَناء ما لا يمكن أن يجدوه لا في "علم الفقه" ولا في "علم أصول الفقه" ولا في غيرهما من العلوم القائمة.

لقد كانت الاستنباطات والتوجيهات المقاصدية عند المتقدمين تعتبر ضريا من الحاجيات والتحسينيات العلمية، ولكن البحوث والدراسات المقاصدية في عصرنا أضحت في عداد المتطلبات الضرورية.

وأما القول بأن مقاصد الشريعة لا تستغني عن علم أصول الفقه ولا يستغني عنها، فهو صحيح، ولكنه لا يمنع من استقلال علم المقاصد وتميزه عن علم الأصول. ولا ننس أن العلوم الشرعية كلها لا يستغني أحد منها عن غيره، فكلها متحدة المنبع والمصب، وكلها يَستمد بعضُها من بعض، بل هي "ذرية بعضها من بعض". وحتى ابن عاشور - أولُ الداعين لاستقلال علم المقاصد عن علم أصول الفقه - قد نص على أن الأصول واللبنات الأساسية لعلم مقاصد الشريعة توجد مبثوثة في بحر علم أصول الفقه، ويجب استخراجها منه، ثم تنسيقها وتنميتها والبناء عليها... بل يرى أيضا أن في علم أصول الفقه قواعد إن لم تكن من صميم المقاصد، فهي تصلح أن تستعار وتجعل من المقدمات الأولية لعلم المقاصد، ولذلك دعا إلى أن "نعمد إلى ما هو من مسائل أصول الفقه غير مُنْزَوٍ تحت سرادق مقصدنا هذا من تدوين مقاصد الشريعة، فنجعلَ منه مبادئ لهذا العلم الجليل: علمِ مقاصد الشريعة" .

ومعلوم أن علم الفقه قد خرج من علم الحديث ثم استقل عنه، أي خرج علمُ الدراية من علم الرواية، كما أن علم أصول الفقه قد خرج من علم الفقه ثم استقل عنه، أي جرى تخريج الأصول من الفروع. وبناء عليه فلا غرابة ولا غضاضة في أن يخرج علم مقاصد الشريعة من علم أصول الفقه ويستقل عنه. وفي جميع الحالات تبقى علاقات التكامل ووشائج الرحم وأواصر القربى محفوظة مرعية.

وهذا لو سلمنا بكون علم مقاصد الشريعة إنما تولد وانبثق من علم أصول الفقه، وأن مسائله ومادته العلمية تنحدر من هذا العلم خاصة. ولكن الحقيقة هي أن معظم ما تتضمنه الدراسات المقاصدية منذ عز الدين بن عبد السلام ومن قبله، إلى الشاطبي ومن بعده، هو إما مبتكَر غير مسبوق، ومستمد مباشرة من الكتاب والسنة، وإما مستفاد من علوم شتى؛ كالتفسير، والفقه، وأصول الفقه، والقواعد الفقهية، والسياسة الشرعية، والتصوف، وعلوم العقيدة ومقارنة الأديان...

ولقد أصبح من الثابت ومن الواضح أن للدراسات المقاصدية مجالاتٍ ووظائفَ وقواعدَ تختلف اختلافا بـيِّنا عما في علم أصول الفقه وعما في غيره من العلوم الشرعية الأخرى.   

 

  وإذا كان الإمام الشافعي قد اعتُبر - بحق - مؤسسَ علمٍ جديد - هو علم أصول الفقه - ببضع عشرات من الصفحات حررها، وبمسائلَ أصوليةٍ معدودات قعَّدها، فأَوْلى بنا أن نَعترف ونحتفي اليوم بهذا العلم الجديد: "علم مقاصد الشريعة"، بعد كل المؤلفات والبحوث التي قدمها، وكل المكاسب والإنجازات التي حققها، وكل الآفاق العلمية والعملية التي فتحها.


اترك تعليق