التدرج من الاستضعاف إلى الحوار ومنهما إلى التمكين 1 /2 (صلاح سلطان)

By :

الإصلاح والتغيير فرض عين منذ اللحظة الأولى التي بها صار النبي محمد –صلى الله عليه وسلم- رسولاً بقوله تعالى: {قُمْ فَأَنْذِرْ} - المدثر:2- فالدعوة إلى الله وحمل أمانة الإصلاح والتغيير فرض قبل الصلاة بعشر سنوات، وقبل الزكاة والصيام بخمسة عشر عاما، وقبل الحج بثمانية عشر عاما.

وسورة الكهف هي نسيج متكامل متوازن متدرج في الإصلاح والتغيير، فالقصص الواردة فيه هي عبارة عن تيار من الإصلاح من السيئ إلى الحسن ومنه إلى الأحسن، من خلال القصص التالية:-

1- أصحاب الكهف.
2- الصاحبان.
3- موسى والخضر.
4- ذو القرنين.

وجميع هذه القصص تشترك في كونها عبارة عن مشوار متدرج واضح المعالم في الإصلاح والتغيير، إما من السيئ إلى الحسن ثم الأحسن في القصص الثلاثة

(أصحاب الكهف والصاحبين وذي القرنين)، أو من الحسن إلى الأحسن في قصة موسى والخضر.

ولكي نركز على المنهجيات لا التفصيلات لابد من ملاحظة ما يلي:-

أولاً: هناك ثلاث قصص فيها صراع بين الحق والباطل وهي أصحاب الكهف، والصاحبان، وذو القرنين، وقصة واحدة فيها تعاون بين أطراف الخير وهي قصة موسى والخضر.

ثانياً: يبدأ الحق ضعيفاً، مظلوماً، مطارداً، مضطهداً، والباطل قويا، منتفشا، متغطرسا، يطارد حريات التدين، والحركة، والدعوة، والكلمة، و...، وذلك في قصة أصحاب الكهف، حيث إن فتية آمنوا بربهم فتعرضوا للتهديد بالقتل رجماً إن لم يعودوا ــ مثل بقية الناس ــ عباداً لغير الله تعالى ويتضح ذلك في قوله تعالى: {إِنَّهُمْ إِنْ يَظْهَرُوا عَلَيْكُمْ يَرْجُمُوكُمْ أَوْ يُعِيدُوكُمْ فِي مِلَّتِهِمْ وَلَنْ تُفْلِحُوا إِذًا أَبَدًا} -الكهف:20-، وأمام هذه الحالة ليس من الشجاعة أن يقف هؤلاء المستضعفون القلة عددا وعدة في مواجهة هذه الأنظمة القوية الفاسدة، بل الحكمة والشجاعة هي في اتباع منهج: {ولْيَتَلَطَّفْ وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} -الكهف:19-.

منهج الإصلاح والتغيير

أعتبر أن هذه الآية هي آية المنهج في القصة، فهي تلخص المنهج في الإصلاح والتغيير في أية حالة تتكرر فيها هذه الظروف نفسها، ويعتبر تجاوزاً من الدعاة أن يتخطوا هذه الآية إذا انطبقت عليهم الظروف نفسها ، وهذا ما فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- في المرحلة المكية التي استأسدت قوى الكفر على جماعة الإيمان فأذاقوهم ألواناً من العذاب والمطاردة حتى لما هاجروا إلى الحبشة وكان المنهج آنئذٍ: {كُفُّوا أَيْدِيَكُمْ وَأَقِيمُوا الصَّلاة} -النساء 77-، وقتلت سمية بحربة في قُبُلها ، وكذا زوجها قتل شهيدا، ولا يملك الرسول –صلى الله عليه وسلم- إلا قوله: "صَبْرَاً آلَ يَاسِرٍ فَإِنَّ مَصِيرَكُمْ إلى الْجَنَّةِ"1.، ولما استعجل سعد بن أبي وقاص –رضي الله عنه- في رد الاعتداء قال : "لم نؤمر بذلك بعد"، على حين أن النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد تغيير الظروف، وتعديل موازين القوى، فاجأ بني قينقاع بالغزو عندما كشفوا عورة امرأة مسلمة واحدة في سوق بني قينقاع في المدينة؛ لأنه هنا معه دولة وقوة، وحماية الأفراد جزء من سيادة وكرامة الدولة، والإمكانات القانونية والأعداد البشرية كلها توجب اتخاذ موقف مختلف،هذا مع بساطة جريمة كشف عورة امرأة مسلمة إذا قيست بقتل سمية بحربة في قُبُلها.

إن المندفعين اليوم في بلاد شتى لابد أن يُعيدوا قراءة المنهج الصحيح للإصلاح والتغيير في سورة الكهف مستلهمين الوسيلة المناسبة في الإصلاح التي تتوافق مع موازين قوى الحق والباطل، ولعله تفسير لقوله تعالى: {وَقُل لِّلَّذِينَ لاَ يُؤْمِنُونَ اعْمَلُواْ عَلَى مَكَانَتِكُمْ إِنَّا عَامِلُونَ. وَانتَظِرُوا إِنَّا مُنتَظِرُونَ. وَلِلّهِ غَيْبُ السَّمَاوَاتِ وَالأَرْضِ وَإِلَيْهِ يُرْجَعُ الأَمْرُ كُلُّهُ فَاعْبُدْهُ وَتَوَكَّلْ عَلَيْهِ وَمَا رَبُّكَ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ}-هود: 121-123-، وهو ختام أكبرِ حشدٍ من قصص الصراع بين الحق والباطل في سورة هود.

منهج الدعوة في حالة التساوي

ثالثاً: في قصة الصاحبين هناك تساوٍ في السلطة – لا القدرات المادية والبشرية – بين الصاحبين، فهما أصحاب، بمعنى لا سلطان لأحد على الآخر وقد اختار أحدهما الكفر، واختار الآخر الإيمان.

وقد كان أمام الصاحب المؤمن مع الكفر البواح من صاحبه الذي قال: {مَا أَظُنُّ أَن تَبِيدَ هَذِهِ أَبَدًا % وَمَا أَظُنُّ السَّاعَةَ قَائِمَةً وَلَئِن رُّدِدتُّ إِلَى رَبِّي لَأَجِدَنَّ خَيْرًا مِّنْهَا مُنقَلَبًا} (الكهف 35، 36)، منكراً قدرة الله على إهلاك حديقته، ونفي البعث والنشور، وأنه لو فرض وجود يوم القيامة فسوف يحتفظ بوجاهته وماله في الآخرة، قد كان أمام الصاحب المؤمن ثلاثة اختيارات: -

1- الاعتزال، مثلما حدث من أصحاب الكهف: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ وَمَا يَعْبُدُونَ إِلَّا اللَّهَ} -الكهف: 16-.

2- الاعتداء باستعمال القوة، بأن يقوم بقتله أو ضربه أو نهره جزاء كفره وعناده.

3- الحوار والإقناع، وهذا بالضبط ما حدث ليكون منهج الدعوة في حالة التساوي في السلطة بين الأصدقاء، والشركاء، والجيران، والأعضاء في نقابة أو هيئة أو مؤسسة تكون الحقوق فيها متساوية، وهنا لا يجوز غير الحوار.

ولذا أعتبر أن الآية الوحيدة التي تعبِّر بصدق وواقعية عن منهج الإصلاح والتغيير هنا هي: "وَهُوَ يُحَاوِرُهُ" -الكهف: 34،37- وهي الكلمة الوحيدة المكررة مرتين في القصة حيث أظهر الكفر عند الحوار، فبادله صاحبه حوارا بحوار.

وهنا لا يصلح بحال أن يستخدم هذا الصاحب التواري والاعتزال والتخفي، كما لا يصلح أن يتجاوز صلاحياته وسلطاته في استخدام القوة في الإصلاح والتغيير، بل لا يجوز غير الحوار.

الحوار المفتوح مع المجتمع المدني

ويمكن التعبير عن ذلك بالحوار المفتوح مع مؤسسات المجتمع المدني، واستخدام الصلاحيات والفرص القانونية المتاحة بحكم قانون المواطنة، كي يقوم كل إنسان بواجبه في تحسين مجتمعه والارتقاء به من السيئ إلى الحسن ومنه إلى الأحسن، ولعل هذه هي الحالة الأكثر مناسبة للجماعات والتيارات والهيئات الإسلامية في عالمنا الإسلامي ، بل وللأقليات المسلمة في الدول غير المسلمة. وإنني أدعو جميع المسلمين في المجتمعات الغربية التي تتاح فيها أكبر مساحة من الحريات والحقوق المدنية أن يبادروا إلى فتح مؤسسات تقوم على فعل الخير ونفع الغير ــ مسلما ً أو غير مسلم ــ وتحاور أبناء المجتمع فيما ينفعهم في دينهم ودنياهم، وأن يشاركوا بفاعلية كبيرة في بناء مجتمعهم، وإيجابية تبنى على التعمير لا التدمير، والنفع لا الضر، والخير لا الشر، وأن يتركوا جميع الأعمال السرية التي يتبناها بعضهم.

والحق أننا هنا لابد أن نستحضر حالة الحوار التي فتحت بين المسلمين المهاجرين إلى الحبشة والنجاشي ومن حوله، حيث أسلم وحسن إسلامه، وأصلح الله به قوماً كثيرين. وأيضا حالة الحوار التي فتحها النبي بعد صلح الحديبية مع ملوك الأرض ورؤساء القبائل وقادة العشائر، مما وسع دائرة الدعوة والقبول لهذا الدين العظيم.

وإعداد النفس لهذه المرحلة من الحوار وتحويل الأعمال السرية إلى مؤسسات عامة تتحاور وتنفع الجميع هذا قطعاً له أساليبه التي تختلف عن منهج: {وَإِذِ اعْتَزَلْتُمُوهُمْ} (الكهف: 16) أو {وَلا يُشْعِرَنَّ بِكُمْ أَحَدًا} (الكهف: 19).

رابعاً: في حالة ذو القرنين وصلت قوة الحق إلى الذروة، حيث قال سبحانه: {إِنَّا مَكَّنَّا لَهُ فِي الأَرْضِ وَآتَيْنَاهُ مِنْ كُلِّ شَيْءٍ سَبَبًا} (الكهف:84)، هنا وجدت كل عناصر القوة والأسباب التي يستطيع بها أن يفعل ما يشاء (وفق المنهج الرباني)، وهنا تتضح الصورة المثالية للملك الصالح حيث: (أَتْبَعَ سَبَبًا) (الكهف: 89 ،92) أي استفاد من هذه الإمكانات الهائلة في الأخذ بالأسباب، والنزول إلى الناس في مغرب الشمس ومشرقها وما بين ذلك ، ودخل إلى مناطق الأنهار والبحار والسدود ، كي يحقق العدل في هذا الإعلان الواضح: {أَمَّا مَنْ ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذِّبُهُ ثُمَّ يُرَدُّ إِلَى رَبِّهِ فَيُعَذِّبُهُ عَذَابًا نُكْرًا وَأَمَّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحًا فَلَهُ جَزَاء الْحُسْنَى وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْرًا} (الكهف : 87،88) وهو أعلى مستويات الإصلاح والتغيير بأكبر الإمكانات المتاحة ، واستخدام السلطة القضائية والتنفيذية لإقرار العدل ومكافأة المحسنين الصالحين.

وعندما يشكو قوم من ظلم يأجوج ومأجوج لا يكون الرد هو التلطف وعدم إشعار الناس بهم أو حوارا فقط، بل كان المنهج هنا: (فَأَعِينُونِي بِقُوَّةٍ) (الكهف : 95)، هذه القوة تمثل قوة العلم والمادة، قوة اتخاذ القرار، قوة البناء والعمران، قوة التصنيع والتصدير، قوة الحماية والرعاية، قوة البذل والعطاء، قوة فعل الخير ونفع الغير ومنع الشر، قوة مواجهة الظلم بزبر الحديد والسبائك المعدنية والأسلحة المتنوعة، لأن هاهنا دولة أو مملكة وصلاحيات وسلطات يجب استخدامها في الأمر بالمعروف إذا ظهر تركه، والنهي عن المنكر إذا ظهر فعله، ونشر العدل بين الناس كل الناس بصرف النظر عن أديانهم وألوانهم وأجناسهم وقدراتهم بل لأنه إنسان يستحق التكريم كما كرمه الرحمن في قوله تعالى: {وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَى كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلا}(الإسراء:70).

وهذا بالضبط ما فعله النبي –صلى الله عليه وسلم- بعد الهجرة وتأسيس الدولة ؛ حيث كان له خطاب مع المارقين مثل قوله بعد غزوة الأحزاب «الآنَ نَغْزُوهُمْ وَلاَ يَغْزُونَنَا» (صحيح البخاري، كتاب المغازي، باب غزوة الخندق وهي الأحزاب، البداية والنهاية، لابن كثير الدمشقي، فصل في دعائه عليه السلام على الأحزاب: 2/111، حلية الأولياء لأبي نعيم، ص7/150-151)، وقتل مئات من ناكثي العهود والمواثيق من يهود بني قريظة ، وعفا عن أهل مكة «اذهَبُوا فَأَنْتُمُ الطُّلَقَاءُ» (البداية والنهاية، صفة دخوله عليه السلام مكة: 2/292)، وعفا عن النساء والأولاد الذين أسروا من غزوة حنين ، ولم يتصرف كما تفعل دول إسلامية برمتها كأنها جماعة مستضعفة في النظام العالمي الجديد.

وللحديث بقية بإذن الله تعالى، وحتى ألقاكم على خير وبركة لكم مني الدعاء وأسألكم الدعاء، وسلام الله تعالى عليكم ورحمته وبركاته.


اترك تعليق