لماذا يراد للمسلمين وحدهم عدم الاستقواء بالدين؟ (فتحى أبو الورد)

By :

استقر أمر المجتمعات فى الغرب المسيحي ــ بعد صراع طويل ــ على فصل الدين عن السياسة، وعزل الكنيسة عن الحكم وشؤون الدولة، وغدا هذا الوضع مرضيًا ومقبولًا فى ثقافة القوم.

ولكن بدأ نوع من التراجع والمراجعات فى السنين الأخيرة لفائدة إعادة الاعتبار للدين فى الحياة ــ كما يقول الدكتور أحمد الريسونى ـ  ولعل آخر مظهر لهذا التوجه هو النقاشات التى دارت فى أوربا حول صياغة الدستور الموحد للاتحاد الأوربى وموقع الانتماء المسيحى فيه، وكذا رفض كثير من الأوربيين انضمام تركيا إليهم لكونها مسلمة وهم مسيحيون، مما جعل كثيرًا من المعلقين يصفون الاتحاد الأوربى بالنادى المسيحيي.

كما أن الأحزاب الغربية تتنادى اليوم، ويتنادى ساسة أوربا بالاهتمام بالمتدينين، وكسب ثقتهم انطلاقًا من منطق المكسب والخسارة، ومنظور المصلحة، حتى يستفيدوا من هذه الكتلة التصويتية فى المعارك الانتخابية، كما يُعدُّ هذا تقديرًا من جانبهم للناخب الذى يؤثر بصوته فى رفع أقوام وخفض آخرين فى عالم السياسة. حيث يشكل المتدينون نسبة تصويتية عالية، ترجح كفة من يميلون إليه.

وأيا ما كانت دوافع الساسة الأوربيين لتقربهم من الدين والمتدينين فإنى أحترم مسعاهم من حيث إنهم يقرءون الواقع قراءة صحيحة، ويقدرون عواقب الأمور، ويذعنون لإرادة الجمهور الذى يتمتع بحريات تجعله يذهب بمن لا يريد ويأتى بمن يريد.

نقلت صحيفة الجارديان البريطانية الثلاثاء 23/2/2010 مقتطفات من كلمة لأحد الساسة الأسكتلنديين يدعى (جيم مورفى) ألقاها أمام مجلس العموم البريطانى [الغرفة الثانية من البرلمان البريطانى] يشير فيها إلى أن أكثر من خمسة ملايين شخص زاروا أماكن العبادة الشهر الماضى، ما يجعل المتدينين أحد أكبر التشكيلات السكانية فى المعركة الانتخابية المقبلة يقول مورفى: [إن الدين لعب دورًا محوريًا فى السياسة الأمريكية لفترة طويلة، ولكن من الخطأ الاعتقاد بأنه لا يلعب دورا فى السياسة البريطانية، وذلك بالنظر إلى أن أكثر من خمسة ملايين شخص ذهبوا لمسجد أو كنيسة فى الشهر الماضى، ويضيف [إن هذا الرقم ضخم، لذلك فالدين يمثل الطريق السريع للوصول إلى الناخبين أو أى مجموعة سكانية أخرى، نريد تكرار فوزنا فى انتخابات عام 2005، ويمكننا تحقيق ذلك إذا أبدينا احترامًا لقيمهم وتطلعاتهم فى سياساتنا، وأعتقد أنه ينبغى أن نفعل ذلك.

إن القوم يتمتعون بقسط كبير من الحريات هناك، فلا حجر على أحد أن يقول رأيه حسب ما يقتنع ويعتقد، ولرأيه وزنه وقيمته فى موازين القوى، كما أنه لا تزوير عندهم يقلب الحقائق ويهدر أصوات الناخبين، فلماذا إذن لا يهتمون بالمتدينين؟ أو كيف يغفلون عن وضعهم فى الاعتبار؟

أما فى بلادنا التى كانت منكوبة بالديكتاتوريات، فإن المتدينين من المسلمين كانت تلاحقهم أجهزة الدولة الأمنية، وتعدّ عليهم أنفاسهم، وتؤصد أمامهم المنابر المختلفة حتى لا يسمع لهم أحدُُ همسًا، وفق رؤية أمنية عرفت حينذاك  بسياسة تجفيف المنابع، دونما مراقبة أو متابعة أو محاسبة، وكانت  جرائمهم ضد حقوق المواطنين تمر دونما حساب أو عقاب. فلماذا إذن تهتم أنظمتنا المستبدة  بالمتدينين، أو تعيرهم بالًا؟ لقد صموا آذانهم، وأغمضوا أعينهم عما يجرى فى العالم من حولهم، فلا هم يريدون الاستفادة من تجارب الآخرين فيسلكوا طريق الناجحين، ولا هم يرغبون فى تطوير ذواتهم أو إصلاح سياستهم فيلحقوا بالعقلاء " الذين يستمعون القول فيتبعون أحسنه  " (سورة الزمر  18 )، حتى قامت ثورات الشعوب ضد الفساد والاستبداد فى منطقتنا العربية فيما أطلق عليه الربيع العربى ، وصدق من قال: علة الشرق الأصيلة، إنما هى فساد أنظمته السياسية، وتأخر تفكيره السياسى ، كما كان يردد الدكتور محمد ضياء الدين الريس.

والمشهد الدولى الماثل يعبر بأفصح بيان وأبلغ فعال عن استقواء الغرب بالدين، وتوظيف الدين فى سياسته الداخلية والخارجية، لقد وظفت الدولة الصهيونية الدين اليهودى فى إقامة دولتها وتجميع اليهود فى العالم على نصرتها، حتى العلمانيون من ساسة الصهيونية، كانوا يؤمنون بضرورة الاستفادة من الدين، وهم لا يؤمنون به مرجعًا موجهًا للحياة.

ورأينا كذلك الرئيس الأمريكى السابق " جورج بوش " الابن وجماعته من اليمين المسيحى المتطرف، كيف يستخدمون الدين فى تأييد سياستهم الطغيانية المستكبرة فى الأرض بغير الحق، حتى رأينا " بوش " يتحدث وكأنه نبى يوحى إليه: أمرنى ربى أن أحارب فى العراق، وأمرنى ربى أن أحارب فى أفغانستان. إلى آخر ما أعلنه من صدور أوامر إلهية إليه.

ــ ورأينا أحزابا علمانية الفكر فى أوربا تستقوى بالدين، فتنسب نفسها إليه ــ أى إلى المسيحية، فرأينا أحزابًا مسيحية ديمقراطية واشتراكية تقوم فى عدد من دول أوربا، وتحصل على أكثرية أصوات الناخبين، وتتولى الحكم عدة مرات ، كما يعلق الشيخ القرضاوى.

ومن هذه الأحزاب التى تنسب نفسها للدين: الحزب المسيحي الاجتماعى البافارى فى ألمانيا، والحزب المسيحي الديمقراطى بألمانيا، وحزب الاتحاد الاجتماعى المسيحى بألمانيا، والحزب الديمقراطى المسيحي فى بلجيكا وغيرها.

فى الغرب إذن يستقوون بالدين، وينتسبون للدين، ويُسمع للمتدينين، ويصغى إليهم، فلماذا يراد للمسلمين وحدهم أن يفصلوا السياسة عن الدين؟


اترك تعليق