دور الأئمة والخطباء في الانتخابات (أبوالعزايم عبد الحميد دسوقي)

By :

إمام المسجد في مفهومنا الإسلامي ليس هو رجل الدين الذي يحيط نفسه بهالة من القداسة والغموض ليعيش بين الناس كانه سر مكنون يلتمسون منه البركة فإذا رضي عليهم حلت أرضهم وديارهم وأموالهم وان غضب منهم نزل العذاب بساحتهم. لا.. ليس امام المسجد في ديننا شيء من ذلك , بل هو واحد منهم , نشا بينهم يعرفون نسبه وحسبه, يعيش بينهم كآحادهم يأكل مما يأكلون منه ويشرب مما يشربون ,لا يتميز عنهم الا بعلمه, فيؤمهم في الصلاة ,ويعلمهم امور دينهم, يلجا اليه المتخاصمون فيصلح ذات بينهم, ويستفتيه السائلون فيفتيهم بما علم من دين الله , ويقصده الحائرون فيهديهم بهداية الله  إلي صراطه المستقيم, هو وارث النبوة و قائم في الأمة مقام الرسول صلي الله عليه وسلم, فليس عنده خزائن الله ,ولا يعلم الغيب ,ولا يتاجر بالخرافات , ولا يملك عليهم سلطة إلا سلطة الحجة والبرهان فهو مصدر اشعاع للهدي النبوى الى الناس, وهو مع هذا ليس له عصمة, فيخطئ ويصيب فيراجع إن أخطا حتى لو كان في الصلاة ,ومن اول ما يتعلمه المسلمون من امور العبادات انهم ان تابعو الامام في الصلاة على الخطا مع علمهم بذلك دون ان يذكروه بطلت صلاتهم , فاذا وقع منه خطا سواء في تلاوته او في شيء من سائر اركان الصلاة راجعوه  بل وجب عليهم أن يراجعوه فكيف إن أخطا خارج الصلاة؟

خوف غير مبرر وابتزاز رخيص

 ومن ثم فان المطالبة بتحييد الإمام في العملية الانتخابية والزعم بان تدخل إمام المسجد في أمور الانتخابات ينافي المنافسة  الشريفة ويؤثر في ميزان القوى بين المرشحين المتنافسين زعم باطل قائم على الجهل بمفاهيم الإسلام  لأنه لا يملك سلطة دينية ولا يتمتع بشيء من القداسة ولا يملك سوى الحجة والبرهان والدليل فالذي لا يعجبه كلام إمام المسجد  عليه أن  يرد على حجته بحجة وعلى دليله بدليل بدلا من أن يلجا إلى الأساليب الرخيصة من التحريض عليه لدي السلطات أو لدى  رؤسائه لنقله أو فصله  وإلحاق الأذى به بأي لون من الألوان.

 إن التحريض الرخيص على إمام المسجد من وسائل الإعلام المشبوهة  والنخب العلمانية الحاقدة التي تكره الدين وتبغض كل ما يمت إليه بصلة إنما هو ابتزاز مكشوف ,والقرارات السياسية التي تكبل عمل الإمام أو توجهه لأغراض معينة ,لا محل لها وليس لها أساس لا من الإسلام ولا من القانون وهي باطلة ويستطيع  المتضرر منها الطعن عليها لدي القضاء لمنافاتها لأصول الإسلام ومن ثم منافاتها لدستور الدولة.

 إن أحدا لا يجرؤ على التدخل لدي القاضي  للحكم بكذا وعدم الحكم بكذا  ولا يستطيع وزير العدل آو رئيس الجمهورية  ولا ادني من ذلك ولا اكبر إصدار توجيهات للقاضي للحكم بأمر معين في موضوعات معينة  فالقاضي على منصة القضاء لا سلطان عليه إلا من ربه وضميره ومن باب أولى إمام المسجد فهو على منبر رسول الله لا سلطان عليه إلا من ربه وضميره  ولا يرد كلامه إلا إلى كتاب الله وسنة رسوله فان وافقهما فليذهب الغاضبون إلى الجحيم وان خالفهما رد إليهما وصحح له ما وقع من خطا أو نسيان وهذا هو منهج الإسلام  ولا تملك الأوقاف ولا غيرها من السلطات توجيه  الإمام ليتكلم في كذا ويمتنع عن الكلام عن كذا  بما يخالف ما ثبت عنده من علم أو بيان و اطمئن إليه ضميره من موافقة الحق , فتنظيم عمل المساجد شيء و التدخل في مضمون الخطاب الديني شيء آخر فمضمون الخطاب يحكمه علم الإمام المستمد من منهج الإسلام.
   إن تدخل الأئمة والخطباء في شئون الحياة العامة  ليس حقا لهم بل هو  من اخص واجباتهم بما استحفظوا من كتاب الله وكانوا عليه شهدا وبما اخذ الله عليهم من ميثاق الكتاب أن يبيننه للناس ولا يكتمونه.

والذين يتدخلون في ماذا يقول الامام ومالا يقوله على المنبر هم قوم معتدون على منبر رسول الله والله لا يحب المعتدين ومن تابعهم من الأئمة آو الخطباء فقد شاركهم في الاعتداء على منبر رسول الله  وخشي الناس والله أحق أن يخشاه.

إن إمام المسجد مبلغ عن الله وعن رسوله ولا يستطيع ولا يملك أن يكتم شيئا  من البيان أو يحرف كلما عن مواضعه وقد توعد الله أقواما بالخزي في الدنيا والعذاب الشديد في الآخرة لمن امن ببعض الكتاب وكفر ببعض فقال تعالي أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَلِكَ مِنكُمْ إِلاَّ خِزْيٌ فِي الحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ القِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَى أَشَدِّ العَذَابِ وَمَا  اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ (85)البقرة. فهذا الجزاء لمن كتم البعض واظهر البعض وليس جزاء من ادخل المسجد في السياسة كما يقول وكيل وزارة الأوقاف !! 

نطاق الخطاب ألمسجدي في الانتخابات  

الانتخابات سواء كانت برلمانية أو رئاسية أو غيرها هو أمر عام يخص المصلحة العليا للأمة كما راينا في دراستنا عن المساجد وليس شانا خاصا يخص المرشح ولا يستطيع إمام المسجد أن يلتزم الصمت أمام تلك القضايا العامة  إذ كيف يعلم الناس ان اماطة الاذي عن طريق المسلمين شعبة من شعب الإيمان ثم يقصر ذلك على حجر او حفرة في الطريق ولا يتعداه إلى كل أذي في طريق المسلمين من فساد أو ظلم أو استبداد يجب إزالته أيضا أليست هذه أيضا من شعب الإيمان؟ حتى لو اقتصر في تفسير الحديث على حفر الطريق أو الأحجار أو الأحراش التي  يتعثر فيها المشاة ووجوب إزالتها ألا يعني هذا التطرق للمسئولين عن هذه الطريق ؟  وهل السياسة غير ذلك؟

اذكر في طفولتي انه كان هناك خطيب عندما يأتي إلى مسجد الحي لخطبة الجمعة وكان كفيف البصر يسير منفردا بلا قائد لعلمه بشوارع المدينة فإذا تعثر في الطريق انقلبت خطبة الجمعة على استهتار المسؤلين في البلدية عن تعبيد الطرق وصب جام غضبه على المسئولين من الحكومة  وخرج الناس يتحدثون عن جرأة الإمام وحديثه في السياسة  على المنبر غير عابئ بأمن الدولة  وكم كان المصلون يستحسنون ذلك لأنه قد مس مصالح الناس وعالجها من على المنبر واشهد ان المسئولين كانو يعملون حساب لذلك.

بعض الفضلاء الذين تحدثوا عن نطاق تناول الإمام والخطيب لموضوع الانتخابات تحدثوا عن تناول الموضوعات العامة مثل وجوب المشاركة والذهاب إلى الانتخابات واختيار الأصلح ومراعاة الأمانة والكفاءة في الاختيار وحرمة تزوير الانتخابات إلى غير ذلك مما يتعلق بالعملية الانتخابية وقد رايتهم يحجمون أو يتوقفون عن تناول شرعية تناول الخطيب  تزكية شخص بعينه أو حزب بعينه في حديثه ألمسجدي  مع الناس فضلا عن رفض ذلك من آخرين ممن نحبهم ونعتمد قولهم.

غير أني رأيت انه لا أساس ولا مبرر لهذا التوقف وهذا الإحجام فربما يكون ذلك بسبب الإرهاب الفكري والابتزاز الذي يمارسه العلمانيون وسماسرة الثقافة وقنواتهم الفضائية حسدا من عند أنفسهم على المصلحين من هذه الأمة.

كيف يطلب من إمام المسجد أن يكون على مسافة واحدة من جميع المرشحين لا يفضل بعضهم على بعض مهما اختلفت برامجهم؟

 كيف لإمام المسجد أن يجعل المسلمين كالمجرمين أم كيف يجعل المتقين كالفجار ؟!!

وهل من الأمانة إذا سئل عن فلان وقد احتكم السائل إلى ذمته ألا يخبره بما يعرفه عنه من صلاح آو فساد ؟ ألا يعد ذلك غشا في الدين من هذا الإمام لأتباعه؟

وحتى لو لم يسأله احد كيف يجوز له أن يلتزم الصمت إذا علم أن المرشح الفلاني أو الحزب الفلاني   سيقودهم إلى الخير أو إلى الهاوية ؟! ألا يأمرهم بالمعروف وينهاهم عن المنكر؟

كل هذه الأسئلة الم تدر بخلد الذين توقفوا عن حكم تناول الإمام لشخص بعينه أو حزب بعينه ؟  فيتجاوزوا الأمر إلى بحثه وبيان حكم الشرع فيه.

إن جرح الشخصيات العامة وتزكيتهم أو تعديلهم ليس غريبا على ثقافتنا الإسلامية ,فقد عرف علماء الحديث علم الجرح والتعديل وارسوا قواعده وهم يتناولون الأشخاص الذين يتلقون عنهم حديث الرسول صلي الله عليه وسلم.

كما عرف فقه المرافعات الإسلامي وجود مزكين للشهود في ساحات القضاء فلا يقبل القاضي شهادة مجهول إلا عند تزكيته من مزكين لديه يرجحون قبول شهادته أو ردها.

إننا نقول بصراحة انه لا مجال  للحديث عن الشخصنة وحق الشخص في عدم تناول ما يكره في غيبته  طالما أن الشخص قد تقدم لخدمة عامة فان صفحته تظل مفتوحة للجميع وسيرته يباح فيها الجرح والتعديل لأنه سيقوم بخدمة عامة.

إن إمام المسجد لم يأتي بشخص جلس في بيت أبيه وأمه وأغلق عليه بابه فهتك ستره بل تعرض لشخص تقدم للناس ليقوم بخدمة عامة لم تقبل وزارة الداخلية ترشيحه إلا بعد أن قدم صحيفته الجنائية بيضاء خالية من أحكام مخلة بالشرف ومن ثم فان من حق الجميع أن يقدم صحيفته الاجتماعية بيضاء أيضا ومن حقهم آن يتناولوا سيرته الاجتماعية للوقوف على كفاءته وإخلاصه وأمانته.                  

إن حماية مصلحة المجتمع في هذه الحالة تعلو على حق الشخص في حماية سيرته الذاتية.

فعن طلحة بن عبيد الله قال سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: (إن عمرو بن العاص من صالحي قريش ) رواه الترمذي وقال: ليس إسناده بمتصل.‏ 

‎‎ وعن إسماعيل بن صالح بن عليّة قال: الجرح أمانة وليس غيبة.‏ 

‎‎ وعن عاصم الأحول قال: "جلست إلى قتادة  فذكر عمرو بن عبيد فوقع فيه ، فقلت: لا أرى العلماء يقع بعضهم في بعض ، فقال: يا أحول، ألا تدري أن الرجل إذا ابتدع فينبغي أن يذكر حتى يحذر".‏ 

‎‎ وكان شعبة يقول: "تعالوا حتى نغتاب في دين الله ".‏ 

‎‎ وذكر ابن المبارك رجلاً فقال: يكذب ، فقال له رجل: يا أبا عبد الرحمن تغتاب ؟ قال: اسكت، إذا لم نبين كيف يعرف الحق من الباطل.‏ 

فالجرح والتعديل والبحث في شئون الرجال ثابث عن رسول الله صلى الله عليه وسلم، ثم عن كثير من الصحابة والتابعين رضوان الله عليهم، ثم من بعدهم. والجرح والتعديل قد بدأ في عصر النبوة المبارك واستمد شرعيته من حكم الرسول صلى الله عليه وسلم على بعض الرجال بما يخدش في عدالتهم، فعن عائشة رضي الله عنها: أن رجلاً استأذن على النبي صلى الله عليه وسلم فلما رآه قال: بئس أخو العشيرة. وبئس ابن العشيرة، فلما جلس تطلق النبي صلى الله عليه وسلم في وجهه وانبسط إليه، فلما انطلق الرجل قالت له عائشة: يا رسول الله حين رأيت الرجل قلت له كذا وكذا، ثم تطلقت في وجهه وانبسطت إليه ، فقال رسول الله صلى الله عليه وسلم: (ياعائشة متى عهدتني فاحشاً، إن شر الناس عند الله منزلة يوم القيامة من تركه الناس اتقاء شره ) رواه البخاري.‏ 

إن هذه المشكلة لم تثر من مفكرين أو علماء بل أثيرت من سماسرة الثقافة والنخب الضالة وقد بدت البغضاء من أفواههم وما تخفي صدروهم اكبر بعد ان ذاقوا مرارة مواقف شامخة لعلماء وخطباء في تبيان الحق للناس في قضايا وطنية عديدة .فأفسدت عليهم خططهم الجهنمية وقنواتهم الفضائية  فاعتبروا خطيب المسجد من أدعياء الإسلام مستغلا منبره بوقا للدعاية الحزبية ومسجده مقرا حزبيا واعتبروا المسجد بركان الفتن الدينية، كبرت كلمة تخرج من أفواههم إن يقولون إلا كذبا.


اترك تعليق