صباح بنغازي! (سلمان بن فهد العودة)

By :

مزيج رائع من العراقة الإنسانية والحضور الإسلامي والعربي،كما الساعات الجميلة تمر سراعاً، كما البرق إذ يومض، وكما الذكريات حين تسنح وتتداخل فيها الأزمنة، ما الماضي؟ ما الحاضر؟ ما القادم؟.. الآثار الرومانية، إلى قبور الصحابة، إلى شواهد مقاومة المستعمر في الجبل الأخضر تطلع من كل ثنية أو شجرة!

منذ القِدَم، منذ الإغريق، تزعَّمت حركة المعارضة للأطماع التوسعية.

يجد أحدهم دليلاً من اسمها « برقة » لانتسابها لأسرة فينيقية ينتمي إليها «هنيبعل» قائد الجيوش القرطاجية الشهير.

أهي كلمة يونانية أو فينيقية، أو تنتمي إلى اللغة الليبية القديمة؟

آخرون يرونها تسمية معرَّبة أطلقت على الإقليم الشرقي كله نسبة لعاصمته «Barce» باللاتينية.

"قورينا" اسم آخر يستعيد انفاسه.

«زيارة مليئةٌ بالمفاجآت.. لم أكن أتصوَّر أن أجد نفسي بينكم في هذا البلد الطيب، وأرى الجمعَ الحافل و الوجوهَ المباركة.

كنا في غاية الاندهاش، وكأننا في عالم من العجائب والغرائب.

قابلت الكثير من شباب ليبيا في أوروبا، وإفريقيا، وفي مكة والمدينة، وبلدي (بريدة)، ورأيت أخلاقًا كريمةً ونُبلًا وفضلًا، عندما أتَيْت إلى هذا البلد وجدتني على المصبِّ والمنبَع».

مهرجان فرح وعرس واحتفالية نادرة، حشد ضاق به المسجد والشارع والأحياء المحيطة في حدث لم تكن القبضة الأمنية لتسمح به من قبل، وهي تسمح به الآن على توجس وخيفة، الصفوف الأولى كلها كانت من رجال الأمن بلباس مدني عادي وكانوا يحيطون بضيفهم لمقاصد شتى!

الأمل أن يكون المستقبل شاهدًا على ما هو خير وأفضل وأوسع من المناشط والبرامج، وأن يتكرر المشهد مع آخرين.

قالوا لي بالدنيا وازي                   قلت لهم نبّو بنغازي

نبّو بالعامية: نريد، المدينة محببة عند أهلها أثيرة لديهم فحب الأوطان فطرة.

الوادعة الجميلة الرائعة (بنغازي) تستحق الكثير، فهي "ربّاية الذايح" تؤوي الغريب، وتربيه ليكون من أهلها، لذا شهدت تعايشاً بين أسر وعائلات وأعراق وأجناس من داخل ليبيا وخارجها لتكون نموذج انصهار وتلاحم.

لا غرابة أن تجد الوجوه المبتسمة، والنفوس الكريمة، وتلمس أن الناس هنا أسرة واحدة.

التجانس دليل على الجو والبيئة واللطف والمناخ الواسع الذي تتميز به المدينة، وهو تعبير عن جمالية التعايش والانفتاح الفكري والثقافي حتى كادت أن تكون العاصمة الثقافية لليبيا بتميزها وعمقها ورسوخها..

شوقي إلى أهل الكرام حجازي       أهوى هواكم يا بني بنغازي

الشعر حار فما القصيد بمسعفي          وكأنه ضرب من الألغاز

والحب معنى في الضمير مفصّل      عذب فلا يقوى على الإيجاز

ها قد أتينا داركم وعيوننا              في جنة من صنعة الإعجاز

والأذن تسمع كل لحن صادق            من فتية في قمة الإعزاز

باقة من الصغيرات كما الورود والرياحين، هتفن بأجمل الأغنيات وأعذب الألحان حين حطّت الطائرة في المدرج.

منزل محمد بن عمر المختار، ذكريات البطولات التاريخية لشيخ المجاهدين البطل العظيم ولرفاقه الأبرار، ممن واجهوا الاستعمار الغاشم الذي قتل نصف الشعب، (ما يقرب من سبعمائة وخمسين ألفاً من مليون ونصف)، وهجّر عددًا آخر إلى آفاق شتى، وحاول أن يفرض سياسة استيطانية يحلُّ بموجبها أناسًا غرباء الدين والسحنة واللغة محل أهل البلد.

هل بقي من هؤلاء الغزاة أحد؟! كلا. إلا الندرة الذين دخلوا في الإسلام وصبغتهم ثقافة هذا البلد واندمجوا في أهله وأصبحوا جزءًا من مكوناته، {وَاللَّه غَالِبٌ عَلَى أَمْرِهِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ} (يوسف 21).

لك يا بلاد الفاتحين تحية               أحفاد مختار تحدى الغازي

أنا ما وقفت على الحياد بحبكم         فلينعتوني الدهر بالمنحاز

حديث التغيير كان حاضراً، فحق على الله ألا يرتفع شيء من الدنيا إلا وضعه، وإحساس الناس بسرمدية وضع ما، لا يعني أن حركة التاريخ قد توقفت، «وَلَكِنَّكُمْ قوْمٌ تَسْتَعْجِلُونَ»!

صبرًا لليل الظالمين نهاية          وسيرحلون كما رحيل الغازي

وسيفرح المستبشرون بنصره      إذ ليس تحجبه قوى استفزاز

آمنت بالتغيير لا شيء على الدنيا         يدوم ولو رقا كالباز

التغيير حتم، ولاشيء يدوم، هل كان الظن أن يحدث بهذه الوتيرة المتسارعة وأن ينهدم هذا البناء  المرسخ أمنياً بين عشية وضحاها؟

«مع المصطفى» كان عنوان المحاضرة في جامع الأنصار، تفاعل وتأثر شديد، بمجرد ذكر اسم الرسول –صلى الله عليه وسلم- أو اسم الله تعالى، أو كلمة جميلة، كانت الأصوات ترتفع تجاوباً وتفاعلاً وكأنها انتفاضة الغيب القادمة تطل من صدور الناس وتنبعث من أفواههم!

المشاعر محتدمة وذات جاهزية عالية.

أما حين تحدث الخطيب المفوَّه عبد الوهاب فكاد الناس أن يقفوا على أقدامهم وصار التكبير يسمع من بعيد وترتج له أرجاء المكان.

جامعة «قار يونس» تشهد تجمعاً طلابياً نادراً جاء يستمع إلى «صناعة المستقبل»، وسمع أثناءها أن الأشياء الصغيرة تحدث ثورة كبيرة! وتضمَّن الحديث دعوة إلى الانفتاح السياسي والإعلامي والإلكتروني، وأهمية الاندماج في مشروع نهضوي حضاري.

إلى الجبل الأخضر ومدينة البيضاء وفي "جامع عثمان بن عفان" كان المحط والملتقى الكبير.

مدينة درنة، حيث يداعب البحر شاطئها الرملي الجميل، ويلطف من غضب أهلها الناقمين على الطغيان والاستبداد. الحضور والتفاعل كان شيئاً غير عادي، محاضرة في ضحوة النهار، وعلى غير إعلان تشهد حشداً في مسجد الصحابة، فتاة كاملة الحجاب تقتحم الصفوف وتقف بجرأة لتمد خطاباً مظروفاً لم تقبل أن يستلمه شخص آخر فتخطفه من يده بسرعة لتتأكد منه أنه وقع في اليد التي تريد.. ماذا هناك؟

في الفندق وقت لفض المظروف كانت خلاصته: ارجعوا من حيث أتيتم.. لا نريدكم، أبناؤنا قتلوا في سجن أبو سليم وشردوا ولا زالوا.. عودوا أدراجكم! حروف ساخنة وقاسية ولكن يظل الحديث "إن لصاحب الحق مقالاً" ولا تطلب من المظلوم أن يكون أبداً محافظاً على هدوئه واتزانه!

النهاية في درنة، أما البدء فكان من طرابلس.

زيارة صباحية لأكاديمية الدراسات العليا حيث يدرس طلبة الماجستير والدكتوراه، كانت دعوة إلى الإيجابية والتفاؤل والأمل.

في المساء ندوة في جامع "عبد الناصر" وسط العاصمة، كاتدرائية بناها الإيطاليون لتكون مركزاً للتنصير في إفريقيا. في سقف المسجد صور للكاتدرائيات في العالم، وفي جوانبه صور للمبشرين الذين يجولون في ربوع ليبيا للتنصير، تحول إلى قلعة إسلامية تنظم فيه الدروس والدورات للعلم والقرآن.

بمعية الشيخ عبد الوهاب الطريري، والدكتور صادق الغرياني، كبير فقهاء ليبيا، والدكتور حمزة أو فارس، وهو من الفقهاء، و الشيخ عبدالحكيم بلحاح أحد القيادات الشبابية، كانت الندوة عن كتاب "المراجعات" وتصحيح الأفكار ورصد التجربة.

حيث قامت الجماعة المقاتلة بمراجعة أفكارها داخل السجن وقرأت وأعدت كتابًا سمته "المراجعات " وأقرّه عدد من العلماء منهم الشيخ صادق الغرياني، والشيخ يوسف القرضاوي و د.أحمد الريسوني وكاتب السطور اتفقوا على الصيغة التي أعدت، وأنها صيغة اعتدال وواقعية والتزام بمنهج أهل السنة في قضايا الكفر والحكم وحرمة الدماء والأموال.

الجماعة المقاتلة كانت شيئاً آخر غير تنظيم القاعدة، هي اكتشفت مبكراً أن الطاغية يجب أن يرحل، ولم تراع ظروف الواقع وتوازن القوى..

من الغد زيارة سجن أبو سليم الذائع الصيت، ومقابلة السجناء السياسيين كانوا نحو أربعمائة وخمسين، محاضرة وحوارات وأسئلة حرة شاركت فيها بعض القنوات الفضائية. وتم تصوير السجناء وضباط السجن ومسؤوليه.

مشاعر وعواطف وأحاسيس ودموع وتأثر مشترك، الشيخ علي الصلابي غلبه الوجد وقال كلمتين ثم أجهش بالبكاء.

سجن أبو سليم شهد مجزرة لألف ومائتي شهيد؛ ظنَّ النظام أنها قصة طويت، وظل يحاول استرضاء الأسر المكلومة بالمال والمساعدات؛ التي هي في الأصل جزء من حقوقهم، ولم يعلم أن ثورة مدوية كامنة كانت تتربص به {وَمَا نُؤَخِّرُهُ إِلَّا لِأَجَلٍ مَعْدُودٍ} (هود:104).

خطبة الجمعة في مسجد مولاي محمد وهو أكبر مساجد طرابلس والشيخ عبد الوهاب الطريري  يلقي خطبته في جامع آخر، كان الحديث عن غزة وقافلة الحرية والبشارات والمعاني الإيجابية في الحديث المدوي.

القنوات تغطي الحدث فور وقوعه، فيشارك آخرون أهل ليبيا في العديد من الفعاليات.

أحد المستمعين قال: خطبة حماسية تذكرني بأيام التسعينات!

كأنه يريد أن تظل الحياة كلها خطبة حماسية على وتيرة واحدة لا ترتفع ولا تنخفض.

في ليبيا التقاط جيد للفضائيات، يكفي أن تخرج في فضائية ثلاث مرات لتصبح معروفاً وليسال عنك الناس كأحد المشاهير، ولو كان أهل بلدك لا يعرفونك!

هي مسؤولية حقيقية، علينا ألا نتحدث فضائياً ونحن نستحضر فئة قريبة تحيط بنا ونظن أنهم هم من يسمعنا فحسب، ربما يظن المتحدث أنه يحل مشكلة في بلده ولكنه يصنع مشكلة في بلد آخر، ومع التواصل بدا أن الشعوب وإن كانت متقاربة في قيمها، وأساساتها الفقهية والعقدية إلا أنها متفاوتة في الطبائع والعادات والمسائل والأعراف الاجتماعية، من المهم رعاية القدر المشترك وعدم إقحام التفاصيل المحلية والاختيارات الفقهية الضيقة في الحديث أو الفتوى.

خطاب اليوم أصبح معولماً في مستمعيه، وعليه أن يكون مراعيًا لاتساع الدائرة محافظاً على سكينة المجتمعات الأخرى.

من الناحية الفقهية على المرء أن يراعي اختلاف المذاهب، فيذكر الأقوال، ولا يلزم أن يحسم الأمور بشكل دائم وفق ما تعلمه أو استقر عليه الأمر في محيطه الصغير.

المتلقي يأخذ الأمور بأكثر مما أراد المتحدث، ويبدوا مخلصاً للقول الذي يسمعه أكثر مما يريد من أطلق هذا القول، بسبب المصداقية التي يمنحها للمتحدث، والخطاب خطاب ديني يتكئ على القرآن والحديث وأقوال أهل العلم، والكثير لا يفرقون بين محكمات وأصول عامة وبين فروع وتفاصيل جرى الخلف فيها.

طرائف المقادير تحمل بعد سنتين تقريراً أمنياً سريَّاً بنسخته الأصيلة بعد أن تقوَّض بناء الدكتاتور؛ يحمل تفصيل الرحلة ومجرياتها، والملحوظات الأمنية عليها!

التقرير الأمني المتداول هو كالتقرير الإعلامي المنشور في صحيفة أو موقع. فالسفر ذاك كتاب مفتوح ظاهره و باطنه سواء، ومن المهم أن تكون الأعمال كلها كذلك.

الرفيق الدائم « الحاج صبري » كان رجل الأمن؛ الذي أُحسِنَ اختياره بذكائه وعاطفته التي تسيل معها دموعه، وتعاطيه مع ملف الجماعات الإسلامية ومراجعاتها.. أسرته الصغيرة، مزينة وأمها.. كان محزناً أن تكون قصة النهاية له أن وجد ميتاً على مكتبه، قاتلاً أو مقتولاً في ظروف الثورة وبداياتها!

الليلة الأخيرة كانت سهرة أخويَّة عفوية في منزل الرجل الكريم الممسك بملف الأوقاف آنذاك..

ترى ما مصيره؟ وما مصير أسرته التي شاركت في جزء من الجلسة وسألت عن أحكام، وطلبت الدعاء، وأمَّنت عليه بدموعها الصادقة..

صدقاً يقول الشافعي: "الحرُّ من راعى وداد لحظة".

ويظل الإخاء شعاراً مع أهل ليبيا أجمعين، فقد آن أن تجتمع القلوب من جديد، وتتآلف على قيم الدين ومصالح الدنيا..

إِذا اِحتَرَبَت يَوماً فَفاضَت دِماؤُها    تَذَكَّرَتِ القُربى فَفاضَت دُموعُها!


اترك تعليق