العلاج بالقرآن 2/2

By : سلمان بن فهد العودة

إتماماً لأشفية القرآن السابقة أشير إلى:

الشفاء الرابع: وهو أن في القرآن توجيهاً منهجياً للبحث والوصول إلى الأسباب والحلول كنوع من المعرفة البشرية، و علينا أن ندرك أن القرآن ليس كتاب طب ليُشخّص الأمراض الجسدية التي يعانيها البشر والعلاجات المناسبة، لكنه جاء ليرسم منهج البحث ويحفز إلى المحاولة والكشف وحين يقول سبحانه عن العسل:(يَخْرُجُ مِنْ بُطُونِهَا شَرَابٌ مُخْتَلِفٌ أَلْوَانُهُ فِيهِ شِفَاءٌ لِلنَّاسِ) (النحل: من الآية69)، فهذا يوحي بأن فيما خلق الله تعالى من النباتات والمشروبات وغيرها ألواناً من الشفاء، وعلى البشر أن يكتشفوا هذه الأدوية، ويسعوا في تحصيلها بحسب ما تمكنهم المعرفة المتاحة لهم في زمنهم، وهكذا لما يقول -صلى الله عليه وآله وسلم-: «مَا أَنْزَلَ اللَّهُ مِنْ دَاءٍ إِلاَّ وَأَنْزَلَ لَهُ دواء عَلِمَهُ مَنْ عَلِمَهُ وَجَهِلَهُ مَنْ جَهِلَهُ»، يصف الطب بأنه علم وضده جهل، ويؤكد أن على ظهر هذه البسيطة علاجات وأشفيه لكل الأمراض؛ للإيدز، للسرطان، لتليف الكبد، للفشل الكلوي.. إلخ.

قد نجهله اليوم وبعد سنوات ربما يكون معروفاً ومتاحاً في الصيدليات.

هي دعوة للعقل أن يبتكر ويكتشف، وللتجربة أن تأخذ حقها ومداها، وكذلك لما يأمر النبي -صلى الله عليه وسلم- بالتداوي كما في قوله: « فَتَدَاوَوْا وَلاَ تَدَاوَوْا بِحَرَامٍ »، فهذه دعوة إلى تعلم الطب وتعليمه والاستشفاء، وتوفيره لمن يحتاجه.

الخامس: القرآن دعوة إلى النظام العام القائم على الصحة وعلى العافية، ومن ذلك ما يسمى بالطب الوقائي فالطهارة والوضوء والاغتسال والنظافة في البدن والثياب وسنن الفطرة في جسد الإنسان كما في حديث: « الْفِطْرَةُ خَمْسٌ» و «عَشْرٌ مِنَ الْفِطْرَةِ»؛ كالاستحداد والختان وقص الشارب وتقليم الأظفار.

وفي قوله تعالى (وَلا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ) (البقرة: من الآية195) تحريم المخاطرة والمغامرة بما يؤدي إلى الهلاك، ومنه تجنب أسباب المرض كأكل الميتة وشرب الخمر، وأكل الخنزير، وارتكاب الزنا، وارتكاب الفواحش.. وهذه لها آثار نفسية وآثار اجتماعية فليس تحريمها مقصوراً على الجانب الطبي فحسب.

ومثله الحجر الصحي في الأوبئة المعدية « إِذَا سَمِعْتُمْ بِالطَّاعُونِ بِأَرْضٍ فَلاَ تَدْخُلُوهَا، وَإِذَا وَقَعَ بِأَرْضٍ وَأَنْتُمْ بِهَا فَلاَ تَخْرُجُوا مِنْهَا » وقصة عمر والصحابة مشهورة لما جاؤوا إلى الشام في طاعون عمواس، فالإسلام سبق إلى الحَجْر الصحي.

السادس: القرآن رسم أصول الطب كالاعتدال وعدم الإسراف في الاستهلاك كما في قوله تعالى: (وَكُلُوا وَاشْرَبُوا وَلا تُسْرِفُوا) (الأعراف: من الآية31)، وتجنب ما يزيد المرض حيث أباح الفطر في السفر والمرض (فَمَنْ كَانَ مِنْكُمْ مَرِيضاً أَوْ عَلَى سَفَرٍ فَعِدَّةٌ مِنْ أَيَّامٍ أُخَرَ) (البقرة: من الآية184)، وشرع استخدام التيمم بالتراب بدل الماء للمريض (وَإِنْ كُنْتُمْ مَرْضَى أَوْ عَلَى سَفَرٍ أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنَ الْغَائِطِ أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيداً طَيِّباً)(النساء: من الآية43).

السابع: القرآن شفاء من الضغوط النفسية والحياتية؛ التي هي سبب لكثير من الأمراض الجسدية، حين يتحدثون عن أمراض القلب، وضغط الدم، والسكر، وكثير من الأمراض الشعبية المتداولة يربطونها بالضغوط النفسية، ضغوط العمل والحياة والإخفاقات والمشكلات الأسرية، ولذلك كان جعفر الصادق -رضي الله عنه- يقول: "عجبت لمن خاف ولم يفزع إلى قوله تعالى (حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران: من الآية173)"، (الَّذِينَ قَالَ لَهُمُ النَّاسُ إِنَّ النَّاسَ قَدْ جَمَعُوا لَكُمْ فَاخْشَوْهُمْ فَزَادَهُمْ إِيمَاناً وَقَالُوا حَسْبُنَا اللَّهُ وَنِعْمَ الْوَكِيلُ) (آل عمران:173)، وعجبت لمن اغتم ولم يفزع إلى قول الله تعالى: (لا إِلَهَ إِلَّا أَنْتَ سُبْحَانَكَ إِنِّي كُنْتُ مِنَ الظَّالِمِينَ) (الأنبياء: من الآية87)"؛ لأنه قال سبحانه بعدها: (فَاسْتَجَبْنَا لَهُ وَنَجَّيْنَاهُ مِنَ الْغَمِّ وَكَذَلِكَ نُنْجِي الْمُؤْمِنِينَ) (الأنبياء:88)، وعجبت لمن مكر به وخودع ولم يفزع إلى قول الله تعالى: (وَأُفَوِّضُ أَمْرِي إِلَى اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ بَصِيرٌ بِالْعِبَادِ) (غافر: من الآية44)"؛ لأن الله تعالى قال بعدها(فَوَقَاهُ اللَّهُ سَيِّئَاتِ مَا مَكَرُوا) (غافر: من الآية45)، حينما تقرأ هذه الآيات بهذه الروح ستكون وقاية عظيمة مما تخاف.

الثامن: القرآن شفاء من الأمراض النفسية كالقلق والاكتئاب والتوتر والخوف، واليوم ثمَّ نسبة معتبرة قد تصل 50% ممن يعانون هذه الأمراض أو بعض أعراضها بشكل مستديم أو مؤقت، والغريب أنك حين تتكلم عن الاكتئاب والقلق والتوتر تجد الكبير، والأمير، والصغير، والوزير، والتاجر، والرجل، والمرأة، والشاب وجل الناس يصيخون باهتمام؛ لأنهم يعانون بقدر أو بآخر منها.

ثمَّ تجربة قرأت عنها للدكتور الطبيب أحمد القاضي، في "المركز الإعلامي بمؤسسة العلوم الطبيبة الإسلامية بمدينة بنما سيتي بالولايات المتحدة الأمريكية"، حيث عمل تجربة على عدد كبير من الناس من المسلمين وغير المسلمين، ومن الذين يعرفون اللغة العربية والذين لا يعرفونها، وكان يقرأ عليهم القرآن ويحاول أن يرصد تأثيرات القرآن على ذبذبات داخل أجسامهم وخلاياهم وعقولهم، فوجد أن 97% من الناس يتأثرون ويُحدث لهم سماع القرآن قدراً من الهدوء والسكينة، وسجل تجربته في كتاب سماه "تأثير القرآن على الوظائف الفسيولوجية للجسم"، طبعته دار الرسالة في بيروت.

القرآن يمنح الطمأنينة والسكينة والوعد الطيب والأمل والقوة في الله وكلمة لا حول ولا قوة إلا بالله ذات تأثير عظيم (وَلَوْلا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ مَا شَاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ) (الكهف: من الآية39)، فهي حفظ للشيء القائم والواقع كما هي دعوة إلى التحول إلى حالة أكثر أمناً وطمأنينة ورضا وتوفيقاً وغنى وصحة وسعادة.

التاسع: الشفاء الحسي، وهذه كثيراً ما يتحدث الناس عنها، وهي المعروفة (بالرقية الشرعية)، وذلك لارتباط الجسد بالنفس فعافية النفس عافية للجسد، وقد وجدت كثيراً من الناس الذين يتمتعون بنفسيات سليمة وقلوب طيبة وراحة وهدوء لا يشتكون كثيراً من الأمراض الجسدية، وعلى النقيض فثمَّ أمراض نفسية تتحول إلى أمراض جسمية، ومن الأمراض ما يسمى بالـ "نفس جسمية" بمعنى أنه مرتبط بالجسد والنفس معاً، وربما كان الحديث النبوي الشريف « تَرَى الْمُؤْمِنِينَ فِى تَرَاحُمِهِمْ وَتَوَادِّهِمْ وَتَعَاطُفِهِمْ كَمَثَلِ الْجَسَدِ إِذَا اشْتَكَى عُضْوًا تَدَاعَى لَهُ سَائِرُ جَسَدِهِ بِالسَّهَرِ وَالْحُمَّى »، يرشد إلى هذا المعنى والله أعلم.


اترك تعليق