كهنوت "دار القرآن" يهرف بما لا يعرف في الانتخابات (محمد رفيع)

By :

 يبذل الاستبداد المغربي راعي " انتخابات" 25 نونبر في هذه الأيام قصارى جهده لإنجاح محطته المصيرية التي يعتبرها حاسمة في إثبات أسطورة التغيير  في البلد على الطريقة المخزنية لعله بذلك يسلم من مصير السقوط الحتمي الذي يحصد أنظمة العبث والاستبداد الواحد تلو الآخر في العالم العربي، لو كانوا يعقلون.

 وما أشقى حالة من ينتظر مصير درامي قادم لم يعد يشك في قدومه بسبب ما جنت يداه، وهي حالة ارتباك واضطراب تقود أحيانا للبحث عن أي وسيلة ولو تافهة لإطالة عمر الاستبداد، وهذا حال ما قرأناه مؤخرا في مقال نشر بهسبريس لأحد رواد "دور القرآن" خبط فيه يمينا وشمالا وأتى فيه بالعجائب لسبب بسيط هو أن الرجل هرف بما لا يعرف في أحسن الأحوال، ذلك أنه قاد حملة انتخابية غير مباشرة لتعليم الناخبين المغاربة المفترضين القواعد الشرعية في الانتخاب، فسقط الرجل في مقاربة سطحية كاريكاتوية لموضوع سياسي دقيق في واقع معقد وتعميم مبكر قاده ذلك إلى السقوط في تناقضات مضحكة، نذكر منها:

1) أن الكاتب أقر في البداية أن المعهود في الانتخابات المغربية التزوير والتلاعب بالنتائج ولكن المشاركة فيها مستحسنة لتقليل الفساد والعمل على تطبيق الشريعة، ولكن الرجل المسكين الذي زج به في هذا الموضوع من غير سابق علم بدروبه وقضاياه لم يدر أن الانتخابات وسيلة متفرعة عن أصلها الذي هو النظام الديمقراطي الذي ينتفي فيه احتكار السلطة والثروة، ويعتمد فيه مبدأ التداول السلمي للسلطة، وهو الأمر الغائب بقوة في المغرب، ومن تم يصبح اعتماد الانتخابات في الأنظمة الاستبدادية مصادرة على المطلوب وحماية الاستبداد، مع العلم أن الانتخابات المغربية لا تفرز حاكما في البلد كما هو السائد في الأنظمة الديمقراطية، وإنما تفرز حكومة تنفيذية لبرنامج الملك في جميع القطاعات، ولذلك فحديث الرجل عن التصويت لحزب يطبق برنامجه ويعمل على تطبيق الشريعة حديث مثير للسخرية، لأنه مخالف لمقتضيات لدستور الممنوح، فكان يكفي أن يلتفت الرجل إلى الانتخابات التونسية الأخيرة كيف انخرط الناس فيها جملة بجدية وحماس لما شعروا بأنهم يملكون أصواتهم وبها يقررون من يحكمهم، على عكس ما كان عليه الأمر في عهد الاستبداد، فلم التسوية بين المتناقضين ؟

2) أقر الكاتب أن الربيع العربي فتح الباب للمطالبة بالإصلاح والتنديد بالفساد، ويقتضي هذا في نظره ضرورة التغيير لكن ليس التغيير في أجهزة احتكار السلطة والثروة وإنما التغيير الذي يراه الرجل في ظل رياح التغيير الإقليمية هو الإقلاع عن موقف المقاطعة للانتخابات إلى موقف المشاركة.

 لست أدري كيف يقرأ الرجل ما يجري حوله ؟ وكيف جعل الثورات العربية وما أفرزته من تغييرات جذرية في بناء أنظمة ديمقراطية مقدمة تستلزم ضرورة التكيف مع الاستبداد والحفاظ عليه من خلال المشاركة في الانتخابات.

 فهل يفهم الرجل أن الثورات العربية إنما قامت أصلا للإطاحة وإسقاط أنظمة الاستبداد وما تفرزه من وسائل تدافع بها عن نفسها ومنها الانتخابات؟

 3) وثالثة الأثافي عند الرجل أن التناقض الرئيس في البلد والعدو اللدود الذي يجب التعاون والتكاثف لمقاومته ليس من يحتكر السلطة والثروة وأمعن في إذلال وإضعاف المغاربة، وإنما هي الأحزاب اليسارية والعلمانية التي نعثها بالوحش الكاسر الذي يجب في نظره دعم كل من يقف في وجهه.

 وهنا ينكشف كل شيء فالرجل انطلت عليه حيلة المخزن تماما، فهو الذي يسوق للاعبين السياسيين حوله أن التخاصم والتنابز والتدابر إنما يكون بين الأحزاب -  التي لا تملك من الصلاحيات فازت في الانتخابات أو لم تفز أي شيء- فيما بينها، أما المخزن الذي يحتكر كل شيء فهو الحكم الذي يرجع إليه.

 فالرجل تصور الواقع على غير حقيقته، وظلم تلك الأحزاب ظلما كبيرا إذ حملها ما لا تحتمل، فجلد الضحية وارتمى في أحضان الجاني، ورحم الله أهل المنطق حين قرروا أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره، ورحم الله علماءنا حين قالوا: " لوسكت من لا يعلم لقل الخلاف".

 وختاما أقرر أن مناقشة الرجل في كل ما سبق إنما هو في أمر واحد وهو ما يسميه الأصوليون مناط النزاع، أما ما حاول التمسح به من القواعد الشرعية والمنظور الشرعي فهي مقدمة نقلية لمقدمة نظرية تالية في مجال الاستدلال عند تحقيق المناط كما يقول الشاطبي رحمه الله، فسقوط تلك المقدمة النظرية وبطلانها يستلزم بطلان الاستدلال بالمقدمة النقلية، كما تقرر في علم المناظرة، وأدعو الكاتب إلى الرجوع إلى ما قرره علماء التفسير في بيان قول الله تعالى: " ولا تركنوا إلى الذين ظلموا فتمسكم النار" ليقف على معاني وصور الركون إلى الظلم والظالمين، لعله ينحاز إلى المظلومين لا إلى الظالمين.
  نسأل الله أن يعلمنا ما ينفعنا وأن ينفعنا بما علمنا آمين

والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات


اترك تعليق