دور الدين في معالجة الجريمة

By : محمد أحمد شحاتة


دور الدين في معالجة الجريمة 
والحفاظ على المجتمع ومقومات وجوده

الدكتور
محمد أحمد شحاتة
كلية الحقوق – جامعة الإسكندرية
أستاذ الفقه وأصوله بمعهد الدراسات الإسلامية بالإسكندرية

16 جمادى آخر 1433هـ/ 7 مايو 2012م


المقــدمة

 بسم الله الرحمن الرحيم والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على المبعوث رحمة للعالمين محمد النبي العليّ الأمين، اللهم صل عليه صلاة جليلة عظيمة في الأولين وفي الأخرين وفي الملأ الأعلى إلى يوم الدين، وجازه اللهم خير ما جازيت به نبيا عن أمته.

ثم أما بعد ،،،
لا ريب أن الدين - ذلك رباط المعنوي- يربط بين الإنسان وخالقه، وما يتبع ذلك من مظاهر في الواقع الكوني المحسوس، تجسد تبعية الإنسان لهذا الخالق العيظم، وهي ما يطلق عليه الشعائر الدينية. ولكل دين شعائره التي يمارسها أتباعه ويؤمنون بفاعليتها في علاقتهم بمعبودهم، ومن هذا فالدين ركنان، الأول جوهر متعلق بالوجدان ويمثله جانب الاعتقاد، وهو أمر قلبي لا يطلع عليه إلا الله تعالى،  والركن الثاني أمر قالبي -أي يلزم من تجسده في أعمال يدركها الحس البشري العادي-، وهذا الأخير جانب السلوك. وهو ما تتعلق به ما يعرف بالأحكام التكليفية، والأحكام التكليفية عبارة عن أوامر ونواهي من شأنها توجيه سلوك الأفراد على المستويين الشخصي والجماعي.


وللدين رهبة جبلية في نفوس البشر، فإنه بالحتم بالغ التأثير على سلوك الأفراد إيجابا وسلبا، وذلك وفق تعاليم كل دين، وكم كان استخدام اسم الدين مصدرا للظلم وارتكاب الجرائم، إما عن عمد ورغبة في تحقيق مكاسب من الثروة أو السلطة والنفوذ، وإما عن جهل وتعصب، والكل جريمة في حق الفرد والمجتمع، استُبِيحت به الأعراض والأموال، وأُرِيقت به دماء الأبرياء، وغُلت حريات الشرفاء، وكل دين حق من هذا كله براء.
والدين الإسلامي لم يخرج عن هذا السياق العام لأحكام الدين من حيث الرابطة الباطنية والمظاهر السلوكية، ولكن الله تعالى لمّا أراد لهذا الدين أن يكون خير ملة وآخر رسالات السماء إلى أهل الأرض، ومسك بلاغ مراد الحق من الخلق، ومن ثم أراد له الكمال والتمام، فإنه تعالى نزّل الإسلام على هيئة معنوية ومادية من شأنها تحقيق التوازن والسعادة في المجتمع والحفاظ عليه من أي ما ينخر في مقوماته ويؤثر على وجوده، وليس شر من الجريمة من معول يهدم أي مجتمع إن لم تُقَاوَمْ، ويُزْجَر مُرْتَكِبُوهَا ويُدْحَر مقترفوها.


فالإسلام عقيدة قلبية تقوم على توحيد الله تعالى، وسلوك مرتبط بأحكام الشريعة التي تؤلف قواعد سلوك الفرد في شتى مجالات الحياة، وهذا لكل إنسان يعيش في حمى الإسلام، ولا يشترط في سبيل ذلك أن يكون مسلما، ولكن الشرط أن يلتزم بقانون الإسلام التطبيقي لا التعبدي أو العقائدي، هذا بالنسبة لغير المسلم، والشريعة الإسلامية في ذلك إنما هي قانون لغير المسلم، وينعم في ظلها بالعدل والأمان، وهي للمسلم عقيدة ودين وقانون ينعم في رحابها بالعدل والأمان، وكذلك تعمه الطمأنينة الوجدانية بتلك العقيدة النقية، وذلك الرباط الواصل بينه وبين الله تعالى، ومن ثم يثاب على التزامه أحكام الشرع ويستحق نعيم الآخرة، وإلا كان العقاب في الدنيا والآخرة.


والشريعة الإسلامية تهدف إلى الحفاظ على المجتمع في مجموعه كأفراد وجماعات، بالحفاظ على مقومات وجوده أي الركائز الأساسية لوجود الجماعه والكيان الواحد، وهي في سبيل ذلك تضع نظاما ملزما محكما لمقاومة الجريمة في شتى صورها، وبما يناسبها من أوفق الأساليب، ولمّا كان الدين الإسلامي جوهرا باطنا وسلوكا ظاهرا، كان نهجه في مقاومة الجريمة يعتمد على الركيزتين معا، وهما الجانب المعنوي الباطني، وأيضا الجانب المادي الظاهري.


وحيث إن الأمر ذو بال وهام، ويطول فيه الحديث، رأينا وبحال موجز أن نتبع فيه المنهج التأصيلي التحليلي وفق خطة بحثية مؤلفة من فصلين بكل فصل مبحثين. وذلك وفق الأتي: 
- الفصل الأول: التعريف بالدين الإسلامي والمجتمع.
- المبحث الأول: تعريف الدين الإسلامي في اللغة والاصطلاح.
- المطلب الأول: تعريف الدين الإسلامي في اللغة. 
- المطلب الثاني: تعريف الدين والإسلام في الاصطلاح.
- المبحث الثاني: تعريف المجتمع في اللغة والاصطلاح.
- المطلب الأول: تعريف المجتمع في اللغة. 
- المطلب الثاني: تعريف المجتمع في الاصطلاح.
- الفصل الثاني: الدور المعنوي والمادي للدين في حماية المجتمع.
- المبحث الأول: الدور المعنوي للدين.
- المطلب الأول: تصحيح العقيدة. 
- المطلب الثاني: تأصيل مكارم الأخلاق.
- المبحث الثاني: الدور المادي للدين.
- المطلب الأول: تشريع العقوبات. 
- المطلب الثاني: الغرض من تشريع العقوبات.
- الخاتمة. 
- المصادر والمراجع.
- الفهرس.

   هذا جهد المقل وعمل المقصر، نسأله سبحانه ألا ينطوي على إيجاز مخل ولا تطويل ممل، وأن يفيد منه قلبا وقالبا. وندعوه تعالى سائلين الإخلاص والتوفيق والسداد في النية والقول والعمل، فإن أحسنت فمن الله سبحانه نحمده عليه، وإن كان غير ذلك فمن نفسي ومن الشيطان، نعوذ بالله منه ونستغفره عليه، وحسبي قول الله سبحانه وتعالى: {إِنْ أُرِيدُ إِلاَّ الإِصْلاَحَ مَا اسْتَطَعْتُ وَمَا تَوْفِيقِي إِلاَّ بِاللّهِ عَلَيْهِ تَوَكَّلْتُ وَإِلَيْهِ أُنِيبُ}(88)سورة هود.  
والحمد لله رب العالمين.
د./ محمد أحمد شحاتة


الفصل أول
التعريف بالدين الإسلامي والمجتمع

 مما لا شك فيه أن الحكم على الشيء فرع عن تصوره؛ ولذا يلزم أن نتبيّن ما هو الدين الإسلامي، وما هو المجتمع، وذلك حتى يمكننا أن نعي الدور المؤثر الذي يمكن للدين أن يلعبه لحفظ المجتمع، وتنقيته من الجريمة، أو جعلها في أضيق نطاق، ومن ثم نتناول تعريف كل من الدين الإسلامي والمجتمع في المبحثين التاليين:


 
المبحث أول
تعريف الدين الإسلامي في اللغة والاصطلاح

 لكل لفظ معناه في اللغة، ثم إنه ينم على دلالة خاصة لدى أرباب العلوم بما يعرف بمعناه الاصطلاحي، وذلك بغرض تخصيصه لمعنى دقيق عندهم ليتمكنوا من خلع الأحكام الدقيقة على ذلك المعنى، ومن ثم نتناول تعريف الدين الإسلامي في اللغة ثم نردفه بالاصطلاح في المطلبين التاليين:


المطلب أول
تعريف الدين الإسلامي في اللغة

 يُتوصل للتعريف اللغوي من خلال المعنى الموضوع للفظ عند العرب، وقد يكون للفظ أكثر من معنى؛ لذا يلزم معرفة المراد من هذه المعاني ودلالته المشتركة أو المنفردة للفظ، ومن ثم نتناول هذا المطلب في المسألتين الآتيتين:

- أولا : معنى الدين الإسلامي في اللغة:
نحن أمام مصطلح مركب تركيبا وصفيا. مكون من كلمتين الأولى "الدين" والثانية "الإسلامي". وبالتالي نوضح كل منهما على حدى، ثم نبين فائدة هذا التركيب في المسألة التالية.
الدين في اللغة أصلها: "دان" "يدين" "دينا". ولها معنيان رئيسان، الأول: "ديْن" بسكون الياء، وتعني معاملة بمال على تأخير، والمعنى الثاني: "دِين" بكسر الدال وعد الياء مدًّا، وتعني معاملة بين العبد وربه، وهو بمعنى الذلة والخضوع والاتهام والاتباع، والدِين كالملة، وقد فرّق بينهما بأنهما متحدان بالذات ومختلفان بالاعتبار، فإن الشريعة من حيث إنها تطاع تسمى دينا، ومن حيث إنها تجمع تسمى ملة، ومن حيث إنها يرجع إليها تسمى مذهبا، وقيل الفرق بين الدين والملة والمذهب أن الدين منسوب إلى الله تعالى، والملة منسوبة إلى الرسول، والمذهب منسوب إلى المجتهد( ).
الإسلامي أصلها "سلَّم" "يسلم" "تسليما وإسلاما" ومنها أسلم ويعني إظهار الخضوع والاستسلام والانصياع ومطلق الطاعة والاتباع، و"الإسلام" علم على الدين الذي بُعِث به محمد ( ).

- ثانيا: دلالة المعنى اللغوي:
يدلنا المغنى السابق لذلك المركب الوصفي أن صاحب الدين له سلطان على تابعيه، وهذه التبعية تقتضي الطاعة والخضوع والطاعة، والالتزام بما أمر، وكلما عظم الدين عظمت هذه المظاهر، فإن كان صاحب الدين هوه الله تعالى. ونعمه ودينه لا يحصى ولا يدرك، فلابد أن يكون الانقياد له وإجلاله أعظم كذلك. ويكون ذلك الخضوع مع كامل التسليم ومطلق الطاعة.


المطلب الثاني
تعريف الدين الإسلامي في الاصطلاح

- أولا : أقوال العلماء في تعريف الدين والإسلام:
الدين في الاصطلاح هو: "وَضْع إلهي سائق لذوي العقول باختيارهم إياه إلى الصلاح في الحال والفلاح في المآل"( )، وقالوا: "ما يدين به الإنسان لربه من عقائد وأحكام"، وقالوا: "التعاليم الإلهية السامية، التي خُطب بها الإنسان على وجه التكليف، وتتسم تلك التعاليم بالمثالية والكمال المطلق الدائم، وذلك بناء على الكمال الإلهي في العلم الشامل بأحوال الوجود"، وقالوا: "مجموعة العقائد والعبادات والمعاملات والعقوبات، التي شرعها الله تعالى لتنظيم علاقة العباد بربهم من ناحية، ولتنظيم علاقة بعضهم ببعض، في هذه الدنيا من ناحية أخرى"( ).
أما الإسلام في الاصطلاح فهو: "الانقياد لله تعالى بالطاعة، والخلوص من الشرك. وله خمسة أركان، وهي: شهادة أن لا إله إلا الله وأن محمدا رسول الله، وإقام الصلاة، وصوم رمضان، وإيتاء الزكاة، وحج البيت من استطاع إليه سبيلا"( ).

- ثانيا : علاقة التعريف اللغوي بالتعريف الاصطلاحي:
نلاحظ أن المعنى اللغوي لم يفترق كثيرا عن المعنى الاصطلاحي لمدلول الدين، وكذلك بالنسبة لمدلول الإسلام، إلا أن الإسلام أكثر خصوصية في معناه الاصطلاحي عن معناه في اللغة، فالعلاقة بينهما علاقة خصوص بعموم، أي أن الدين والإسلام في الاصطلاح مفهوم خاص للدين، وبدمجهما كتركيب وصفي ينتج لنا مصطلح دين الإسلام، فيصير الإسلام مميزا للدين ومحددا له، وبإضافة ياء النسب تزيد الصفة تأكيدا والتمييز عمقا، وتؤكد واحدية الدين وأنه ليس متعدد؛ لأن ياء النسب تنقل الاسم إلى المفرد إن كان جمعا وتبقيه مفردا إن كان واحدا( )، وفي هذا إشارة إلى أن الناس مهما يُحدثون من أديان فليس لهم دين حق إلا الإسلام، يحقق لهم السعادة في الدنيا والآخرة.

- ثالثا : التعريف المختار:
من المادة السابقة يمكننا تعريف الدين الإسلامي بأنه: "مجموعة العقائد والعبادات والمعاملات والعقوبات، التي شرعها الله تعالى، وأنزلها على رسوله محمد  يهدي الناس لاتباعه وطاعته  لتنظيم علاقة العباد بربهم وعلاقة بعضهم ببعض، في الدنيا والآخرة".
 إذن فالدين بتلك الرابطة بين العبد وربه ينظم علاقات الأفراد جملة فيما يشكلونه من كيانات وتجمعات، سواء أكان على المستوى الفري البيني، أم على المستوى الجماعي، أم فيما بين الفرد والجماعة.
 
المبحث الثاني
تعريف المجتمع في اللغة والاصطلاح

يمكننا من خلال التعرف على ماهية الدين وماهية المجتمع أن نتوصل بسهولة إلى أيهما الفاعل وأي منهما القابل –أي أيهما المُؤَثِّر وأيهما المُؤَثَّر أو المتأثر- وبالتالي نصل إلى الأسلوب الأنجع بتقوية الفاعل وتهيئة القابل للوصول إلى الوضع الأمثل للفرد والجماعة على السواء؛ ولهذا نعرض في هذا المبحث للتعرف على ماهية المجتمع من خلال تعريفه في الوضع العربي ثم لدى الاصطلاحيين، وذلك في المطلبين التاليين:


المطلب أول
تعريف المجتمع في اللغة

لا يخرج مصطلح "المجتمع" عن قاعدة المعاني العربية من حيث إن لكل لفظ معنى في الاستخدام الدارج في البيئة العربية، ومن هذه الجهة قد يختلف حمل معناه على حسب القبائل وتفاعلها مع بيئتها أفرادا وكائنات، ولكن دائما هناك دلالة لمعنى اللفظ الواحد وإن تعدد ظاهر معانيه، ومن ثم نتاوله من الجهتين لتحديد مدلوله بوصفه القابل المتأثر. وذلك على النحو الآتي:

- أولا: مفردات معنى "مجتمع" في اللغة:
أصلها "جمع" وتعني: جمعت الشئ المتفرق فاجتمع، والرجل المجتمع: الذى بلغ أشده، ولا يقال ذلك للنساء، ويقال للجارية إذا شبت: قد جمعت الثياب، أي قد لبست الدرع والخمار والملحفة، والجميع المجتمع، يقال حي جميع وقوم جميع، ويقال رجل جميع مجتمع الخلق قوي قد بلغ أشده، وهو جميع الرأي سديده وجميع السلاح مجتمعه، وتجمع القوم، أي اجتمعوا من ههنا وههنا، وجماع الناس بالضم فهم مجتمع: أي لمّ وضمّ أخلاطهم، وهم الاشابة من قبائل شتى، ومنه قول ابن الاسلت يصف الحرب: 
ثم تجلت ولنا غاية        من بين جمع غير جماع
والجمع: مصدر قولك جمعت الشئ، وقد يكون اسما لجماعة الناس، ويجمع على جموع، والموضع مجمع ومجمع، والجميع ضد المتفرق، والحي أي "المجتمع"، والمجتع الجيش( ).

- ثانيا : دلالة التعريف اللغوي:
تطالعنا مادة "جمع" بدلالة الّم والضم ومن ثَم التقوية والقوة؛ ولذا كان الاجتماع قوة والمجتمع الجيش، ولمّا كان ضم الأبدان يصير معه ضم العقول، فيكون المجتمع الرأي السديد والصائب، وفي حقيقة الأمر فإن كلمة "مجتمع" لا تعني كل معنى من هذه على حداه، وإنما هي تلك المعاني جميعها، فبإضافة الميم المصدرية دلتنا على زمان الاجتماع وماكنه وحدثه، فهي المؤتلف من الناس المتفرقين، الذين باتوا في زمرة واحدة، في مكان واحد، وصاروا في توحدهم قوة يحمي بعضهم بعضا، وما يترتب على ذلك من صيانة واحدهم وحمله على صالحه وصالح الجماعة.


المطلب الثاني
تعريف المجتمع في الاصطلاح

مع هذه الدلالة الواضحة لكلمة "المجتمع"، فمعناها بطبيعة الحال في الاصطلاح سيكون في السياق نفسه، ولا يتجاوزه. وللتعرف على ذلك نعرض الأتي:


- أولا : أقوال العلماء في تعريف المجتمع:
تباينت التعريفات للمجتمع، وإن كانت متفرقة إلا إنها تكاد تجتمع في اتجاهين رئيسين، الأول يقدم الجماعة بوصفها المحور الأساس للمجتمع، والثاني يقدم الفرد ومصالحه، ومن تلك التعريفات: المجتع هو: "مجموعة من الأفراد أو جماعة وحّدتهم الآمال والآلام أو وحدة سياسية جمعها نظام سياسي واحد، أو ثقافة واحدة أو أهداف مشتركة"، وقالوا: "المجتمع حسب نشأته الطبيعة يتكون من جماعة من الناس بينهم علاقات دائمة مبنية على أفكار ومفاهيم واحدة ومسببة مشاعر واحدة نحو الميل للأشياء والأفعال أو الإحجام عنها ينظم هذه العلاقات نظام يضبط سلوك الأفراد ويرعى شؤون الجماعة ويفض المنازعات ويفصل في الخصومات ويمنع المخالفات"( )، والمجتمع عند بعض الليبراليين: "مجموعة من الأفراد يسعى كل واحد منهم لتحقيق مصالحه واحتياجاته"( )، والمجتمع عند زيميل هو: "وحدة موضوعية تتبدَّى من خلال العلاقات المتبادلة (التعاونية والصراعية) بين العناصر الإنسانية المختلفة في المجتمع"( ).

- ثانيا: علاقة التعريف اللغوي بالتعريف الاصطلاحي:
الرابطة جلية بين المعنيين، اللغوي من جهة والاصطلاحي من جهة أخرى. حيث إن كليهما ينظر إلى المجتمع بوصفه مجموعة الأفراد، ثم يضفي عليه من سمات الاجتماع ما يعينه على الدوام، إلا أن التعريف لدى الاصطلاحيين في هذه النقطة الأخيرة أخص، حيض يزيد من معاني التعاون وتحقيق المصالح والدخول في علاقات متنوعة، وفي كل حال يلزم من وجود منظومة قاعدية من السلوك المتبع والذي يحظى باحترام الجميع، وتعد تلك المنظومة دستور المجتمع بل وتحمل تفاصيل ضوابط سلوكه اليومية، وتنقص التعريفات الاصطلاحية الإشارة إلى تمتع المجتمع بالقوة التي تحميه ككيان، وتحمي أفراده من الأعداء، ثم هي تحميهم من بطش بعضهم وتضمن انضباط الالتزام بالقواعد المعتنقة. 

- ثالثا : التعريف المختار:
مما سبق عرضه يمكن تعريف المجتمع في الاصطلاح بأنه: "وحدة موضوعية وكيان شكلي تتبدَّى فيه العلاقات المتبادلة بين العناصر الإنسانية المختلفة والمؤسسات العاملة تحكمه قواعد سلوكية ووجدانية تضمن وحدتهم والتزامهم مدعومة بقوة للحماية البينية ومن الغير". 
المجتمع وفق هذا المفهوم غدى قابلا، بحيث يتكون من أفراد آدميين ومؤسسات عاملة تقوم على نظامه ككيان معنوي شكلي له هيكلة ظاهرة، ويتبادل الجميع العلاقات، ويلتزمون فيها بقواعد لها هيمنة معنوية وجدانية وكذلك قوة إلزامية مادية، وتحميهم من افتئات بعضهم على بعض وتحمي الكل من أي اعتداء خارجي أجنبي عن المجتمع.
إذن فالمجتمع يحتاج إلى تلك القواعد الموصوفة بالقدرة والهيمنة الوجدانية، حتى يتم له الإخلاص في أداءاته وتتحقق له السكينة والطمأنينة ويشعر بالأمان، كما أنه يحتاج إلى تلك القوة المادية التي تنظم السلوك البيني الظاهر، وتكفل له الحماية، ولعل هذا عينه دور الدين في فاعلياته الاجتماعية، وهذا ما سنتناوله إن شاء الله تعالى في الفصل التالي.
 
الفصل الثاني
الدور المعنوي والدور المادي للدين في حماية المجتمع

بعد تعرفنا على مفهومي الدين الإسلامي والمجتمع، يمكننا أن نتصور مدى أهمية الدور الذي يستطيع الإسلام أن يلعبه بوصفه دينا في حمل المجتمع على الجاده، وإيجاد السعادة لهم في الدنيا والآخرة. فالإسلام لم يكن دينا نسكيا بين العبد وربه فقط، وليس سرا كهنوتيا بين أحد الوسطاء والناس، بل هو ضد أي واسطة أو سلطان على العباد في علاقتهم مع خالقهم، وأرادها صفية نقية، وليس لعلماء الدين إلا توضيح ما أُشكل واستبيان ما أُغلق، واستنباط لما يستجد مما ينصلح به الحال وتكتمل به هيئة الانقياد لله، ونجاة سفينة المجتمع في الحياة والمعاد.


ومن ثم فإننا نجد كثير من النصوص التي توده نحو إعمار وإصلاح الدنيا بالدين وتفعيل دور الجانب الوجداني المعنوي لإعمار الجانب المادي والنفعي في علاقات الأفراد وتنمية المجتمع وصيانه ضد التجرُءات والتعديات. ومن ذلك قول الحسن البصري: "إن الإيمان ليس بالتحلي، ولا بالتمني، إن الإيمان ما وقر في القلب وصدقه العمل"( )؛ ولذا ينبغي لمغتنقي ذلك الدين أن تفيض بركة النور الإيماني لديهم ولا تقتصر على المتعة الروحية الداخلية، وإنما هي في ظهورها في الأعمال الصالحة والاجتناب الصارم عن التصرفات الطالحة. سواء أكان ذلك على مستوى التعامل الفردي البيني أم في التعامل الجماعي المؤسسي؛ ولذا كان من الطبعي أن يوصي رسول الله  بهذه المعاني في مناسبات عديدة من ذلك ما رواه الحاكم بسنده عن عائشة: "أن رسول الله صلى الله عليه و سلم قال: ليس بالمؤمن الذي يبيت شبعانا و جاره جائع"( )، وأيضا قوله فيما روى الحاكم بسنده عن معقل بن يسار قال: سمعت رسول الله  يقول: "من دخل في شيء من أسعار المسلمين ليغلي عليهم كان حقا على الله أن يقذفه في معظم جهنم رأسه أسفله"( )، ولم يقتصر الأمر فقط عند العلاقات الإنسانية وآدابها كتنظيم حقوق الجوار، أو تنظيم أمور السوق والتسعير زغيرها من المعاملات المدنية  والتجارية، بل أولى عناية خاصة لتهذيب الأفراد والجماعة من براثن الجريمة والاعتداء على الغير بالقول والفعل، مثال ذلك ما رواه البخاري بسنده عن عامر قال سمعت عبد الله بن عمرو يقول: قال النبي : "المسلم من سلم المسلمون من لسانه ويده والمهاجر من هجر ما نهى الله عنه"( )، وهذا نص جامع مجمل في الحد من كل مظاهر الجريمة وفعلها، ومع هذا فهناك كثير من الأحكام التفصيلية التي تجعل من الدين اللاعب الرئيس في الحفاظ على المجتمع ومقومات وجوده ودعائمها وركائزها ضد الجريمة، ولعل هذا ما سنتناوله بشيء من التفصيل من خلال مبحثين متتاليين على النحو اللاحق:


 
المبحث أول
الدور المعنوي للدين

أهتم الدين الإسلامي بتأصيل الجانب المعنوي للإنسان، وهو جانب الوجدان وما يستقر في القلب، ثم تُبْنَي على مسلّماته الأفعال، فصحح جانب العقيدة واهتم بالتوحيد، وفي ذلك ليكون مرضاة للرب بما هو أهله من جانب، ثم لتفعيل أثر هذا التأصيل في عمران الأوطان من جانب آخر، بل يمكننا القول أن هذا من المقاصد الكلية للإسلام، فقد أكد العلامة طه العلواني أن المقاصد الشرعية العليا الحاكمة هي:  "التوحيد والتزكية والعمران"، كما قرر الفقيه يوسف القرضاوي أن للشرع الإسلامي سبعة مقاصد في مستوى واحد من الأهمية أصيلة في بابها هي: "تصحيح العقائد في التصورات للألوهية والرسالة والجزاء، وتقرير كرامة الإنسان وحقوقه، والدعوة إلى عبادة الله، وتزكية النفس البشرية وتقويم الأخلاق، وتكوين الأسرة الصالحة وإنصاف المرأة، وبناء الأمة الشهيدة على البشرية، والدعوة إلى عالم إنساني متعاون"( ). 
إذن فالدين في شريعة الإسلام لم يهتم بالجانب المعنوي الروحي لأجل الآخرة فقط، بل كذلك  لإعمار الكون الدنيوي، ولا يتأتى ذلك إلا بحماية حقوق الأفراد من الاعتداء، سواء أكانت هذه الحقوق متعلقة بذواتهم كالأجساد والاعتبار الأدبي، أم كانت مادية ومعنوية منفصلة عنهم كالأموال وحقوق الإبداع وغير ذلك، إلا أن المجتمع الإسلامي ومنذ نشأته الأولى مجتمع متلون الأعراق وبه مواطنون ذوي اعتقادات أخرى غير الإسلام، كأهل الكتاب من اليهود والنصارى وكالمجوس، فهل يقتصر التأثير المعنوي من خلال الجانب العقيدي على معتنقي الإسلام فقط؟ بينما يذر الآخرين لدياناتهم أحسونا أو أساءوا، سواء في اتباعها أم في الانحراف عنها، لعل الناظر يطالع اهتمام الإسلام بهذا الجانب أيضا، فقد زكى الأخلاق وأعلى من شأنها، بحيث تكون خطا دفاعيا مع الدين لحماية المجتمع من براثن الجرم والمنحرفي أيا كانت انتماءاتهم؛ ولذا سنتناول هذا المبحث من خلال مطلبين يعالج الأول جانب الاعتقاد، والثاني جانب الأخلاق، وذلك وفق الآتي:


المطلب الأول
تصحيــح العقيــدة

تقدم أن تصحيح العقيدة ليس الغرض منه تصفية النفس وتزكيتها للفوز بالآخرة فقط، وإنما لتحقيق النفع الدنيوي أيضا، بل إنَّ المسلم إنْ صح إيمانه فيقدم ما يتعدى نفعه إلى الغير والمجتمع على ما ينحسر نفعه عليه فقط وإن كان عبادةً؛ لأن المصلحة المتعدية أولى من المصلحة القاصرة، فالماجهرة بالطاعات والأعمال الصالحة والإمساك عن مظاهر الانحراف خير من كتمه، والعلم خير من العبادة وما ذلك إلا لتعدى النفع للغير( )، ومن ثَم فإن تثبيت عقيدة التوحيد وتأصيل الوازع الديني وتقرير قانون الثواب والعقاب كلها مبادئ رئيسة تختلج في وجدان الفرد وتحمله على مجالدة التفكير الجرمي، وهذه المبادئ نعرض لها وفق الآتي:
- أولا : تثبيت عقيدة التوحيد:


أكد الإسلام منذ وحييه الأول على حقيقة لا تقبل التشكيك أو المناقشة ألا وهي وحدانية الله تعالى، وأنه الخالق لا شريك له ولا ولد، له الملك وله السلطان وصاحب القهر والجبر وبيده النفع والضر ومالك الدنيا والآخرة، فقد قال الله تعالى: {يَوْمَ تُبَدَّلُ الأَرْضُ غَيْرَ الأَرْضِ وَالسَّمَاوَاتُ وَبَرَزُواْ للّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}(48)سورة إبراهيم، وأمر رسوله فقال جل شأنه: {قُلْ إِنَّمَا أَنَا مُنذِرٌ وَمَا مِنْ إِلَهٍ إِلَّا اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّار}(65)سورة ص، وقال سبحانه: {لَوْ أَرَادَ اللَّهُ أَنْ يَتَّخِذَ وَلَدًا لَّاصْطَفَى مِمَّا يَخْلُقُ مَا يَشَاء سُبْحَانَهُ هُوَ اللَّهُ الْوَاحِدُ الْقَهَّارُ}(4)سورة الزمر، وقال سبحانه: {يَوْمَ هُم بَارِزُونَ لَا يَخْفَى عَلَى اللَّهِ مِنْهُمْ شَيْءٌ لِّمَنِ الْمُلْكُ الْيَوْمَ لِلَّهِ الْوَاحِدِ الْقَهَّارِ}(16)سورة غافر، وقال جل جلاله: {قُلِ اللَّهُمَّ مَالِكَ الْمُلْكِ تُؤْتِي الْمُلْكَ مَن تَشَاء وَتَنزِعُ الْمُلْكَ مِمَّن تَشَاء وَتُعِزُّ مَن تَشَاء وَتُذِلُّ مَن تَشَاء بِيَدِكَ الْخَيْرُ إِنَّكَ عَلَىَ كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ}(26)سورة آل عمران، وقال مؤكدا في خواتيم كتابه تعالى: {قُلْ هُوَ اللّهُ أَحَدٌ * اللّهُ الصّمَدُ * لَمْ يَلِدْ وَلَمْ يُولَدْ * وَلَمْ يَكُنْ لّهُ كُفُواً أَحَدٌ}(4:1)سورة الإخلاص. وهذا ما أكده القرآن ولم يقبل من المعاندين أي مساومة في هذه الحقيقة، فقال سبحانه: {قُلْ يَأَيّهَا الْكَافِرُونَ * لاَ أَعْبُدُ مَا تَعْبُدُونَ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * وَلاَ أَنَآ عَابِدٌ مّا عَبَدتّمْ * وَلاَ أَنتُمْ عَابِدُونَ مَآ أَعْبُدُ * لَكُمْ دِينُكُمْ وَلِيَ دِينِ}(6:1)سورة الكافرون. وليس هذا من باب إقرارهم على كفرهم، ولكنه تأكيد عدم قبول المساومة في مجال العقيدة، وليعتقد ما الكافر ما شاء طالما صُد قلبه عن دين الحق، كما أنه تأكيد على حرية الشخص فيما يعتقده بشرط ألا يضر بالآخرين ولو اختلفت عقائدهم عنه وعليه أن يتحمه تبعة اختياره بعد ذلك، ويؤكد هذا المعنى قول الله تعالى: {لاَ إِكْرَاهَ فِي الدِّينِ قَد تَّبَيَّنَ الرُّشْدُ مِنَ الْغَيِّ فَمَنْ يَكْفُرْ بِالطَّاغُوتِ وَيُؤْمِن بِاللّهِ فَقَدِ اسْتَمْسَكَ بِالْعُرْوَةِ الْوُثْقَىَ لاَ انفِصَامَ لَهَا وَاللّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ * اللّهُ وَلِيُّ الَّذِينَ آمَنُواْ يُخْرِجُهُم مِّنَ الظُّلُمَاتِ إِلَى النُّوُرِ وَالَّذِينَ كَفَرُواْ أَوْلِيَآؤُهُمُ الطَّاغُوتُ يُخْرِجُونَهُم مِّنَ النُّورِ إِلَى الظُّلُمَاتِ أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(257:256)سورة البقرة، وقال سبحانه وتعالى: {وَقُلِ الْحَقُّ مِن رَّبِّكُمْ فَمَن شَاء فَلْيُؤْمِن وَمَن شَاء فَلْيَكْفُرْ إِنَّا أَعْتَدْنَا لِلظَّالِمِينَ نَارًا أَحَاطَ بِهِمْ سُرَادِقُهَا وَإِن يَسْتَغِيثُوا يُغَاثُوا بِمَاء كَالْمُهْلِ يَشْوِي الْوُجُوهَ بِئْسَ الشَّرَابُ وَسَاءتْ مُرْتَفَقًا}(29)سورة الكهف.


وفائدة هذا الاعتقاد بوحدانية الله تعالى أن الإنسان يجد نفسه أمام مسلمة منطقية، هي أنه يخضع لخالق واحد لا ينازعه في هذا الكون المنظور واللامنظور أحد، وبالتالي فسلطانه مطلق، وهذا الخالق العظيم له أوامر يجب أن تطاع، وله نواهي يجب أن تجتنب. إذن فينبغي تنفيذ كل هذا بدقة. ومن ثم إذا قال الله لا تسرق فيتحتم عم السرقة، وإن نهى عن إيذاء الغير يلزم عدم التعدي وهكذا. فإن جهة التكليف واحدة وهي ذاتها جهة المحاسبة والعقاب.

- ثانيا: تكوين الوازع الديني:
يقصد بالوازع الديني الزجر الخفي الداخلي، الذي يدفع صاحبه لاجتناب الفواحش والمنهيات، أو التفكير فيها والهمّ بها، وبالتالي فإن الفرد لا يمتنع عن ارتكاب الجُرْم ظاهريا فقط، وإنما يتحراه بداخله لينفيه أيضا، حتى ينقي نفسه ويزكيها أمام خالقه. فإن وصل الإنسان هذه الدرجة كان في المراتب العُلى عند الله في الدنيا والآخرة.


وقد يثور السؤال حينما يفكر الإنسان في الجرم –أي في أي معصية- ولكنه لم يفعلها هل هو محاسب هنا؟ هذا السؤال صميم الوازع الديني. فإنه ينطلق من الإيمان الأول الناتج عن تصحيح عقيدة التوحيد، فالإنسان أدرك بموجب اعتقاده أن الله مطلع عليه ويعلم كل شأنه ظاهرا وباطنا، فقد قال تعالى: {أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ}(14)سورة الملك، فيعلم بكل دقة ما يفكر الإنسان فيه، وإن لم يفعله. وفي ذلك قال الله تعالى: {للّهِ ما فِي السّمَاواتِ وَمَا فِي الأرْضِ وَإِن تُبْدُواْ مَا فِيَ أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللّهُ فَيَغْفِرُ لِمَن يَشَآءُ وَيُعَذّبُ مَن يَشَآءُ وَاللّهُ عَلَىَ كُلّ شَيْءٍ قَدِيرٌ * آمَنَ الرّسُولُ بِمَآ أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِن رّبّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلّ آمَنَ بِاللّهِ وَمَلآئِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لاَ نُفَرّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مّن رّسُلِهِ وَقَالُواْ سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ * لاَ يُكَلّفُ اللّهُ نَفْساً إِلاّ وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبّنَا لاَ تُؤَاخِذْنَا إِن نّسِينَآ أَوْ أَخْطَأْنَا رَبّنَا وَلاَ تَحْمِلْ عَلَيْنَآ إِصْراً كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الّذِينَ مِن قَبْلِنَا رَبّنَا وَلاَ تُحَمّلْنَا مَا لاَ طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَآ أَنتَ مَوْلاَنَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ}(286:284)سورة البقرة. هذه الآيات كان أول نزولها بالنسبة للآية الأولى حيث الإنسان سيحاسب لا محالة عما يخفيه في نفسه وإن لم يفعله مثلما يحاسب على ما أبدى من أفعال وأقوال. فخاف الصحابة رضوان الله عليهم وثقل الأمر عليهم. فكل إنسان لا محالة قد يأته وسواس الجرم والإثم، ولكن الصالحين سرعان ما يتنبهون فيستغفرون ولا يهموا بالمعصية أو اقتراف الجرم صغيرا كان أو كبيرا. ولمّا كان هذا شكوا إلى الرسول ، فنصحهم  بالثبات والطاعة ولا يحيدو عن التسليم لأمر الله تعالى، فكانت الآية الثانية تروي إقرارهم وتسليمهم بما يقضيه الله تعالى، ولما كان هذا كافأهم رب العالمين بالتخفيف فرفه عنهم ما تحدثت به النفس ما لم يترجم إلى أفعال أو أقوال مجرمة، وعلمهم دعاء يتوجهمن به إلى خالقم طالبين العفو والمغفرة وهذا ما كان بالنسبة للآية الثالثة( )، وقد أكد النبي  هذا المعنى الجليل فقد روى البخاري بسنده عن أبي هريرة رضي الله عنه عن النبي صلى الله عليه و سلم قال: "إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت به أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم"( ). 


ومن خلال تلك التركيبة الوازعة إلى الصلاح والدافعة عن الطلاح يتكون الوازع الديني، الذي يعمل على مراقبة صاحبه. وينبهه عن مجرد التفكير في جرم ما، ويؤنبه ويوبخه حتى يمسك عن ذلك الجرم ولا يقربه، فإنه يعتبر مجرد التفكير خطيئة تستحق التوبة والندم. ومن خلال هذا الوازع الديني يتكون جدار مانع، يعمل ضد الجريمة والمعصية عموما، فإننا نكون أمام إنسان لا يجرم ولو خلى بنفسه من غير أن يراه أحد؛ لأنه يستشعر بيقين أن الله يراه ويغضب عليه إن أقدم على ذلك أو فكّر فيه، فيدفعه وازعه الديني عما يتراءى له من تزيين للمعصية.


ولكن هل للإنسان أن يفكر في المعاصي ما شاء له التفكير؟ خاصة أن الله تعالى كما بينّا في ختام سورة البقرة وإخبار النبي  قد تجاوز عما تتحدث به النفس، أي ما تفكر فيه وتتخيله وتتأمله وكل ما يكون من هذا القبيل. إن القول بهذا الإطلاق يفرغ الوازع الديني من جانب هام من أجله وجد. ألا وهو تلك النفس المؤمنة التي يكون انشغالها فكرا وعملا في رضاء الله؛ ولذا إن حديث النفس المتجاوز عنه الذي يأتي كخاطر فإذا تنبه له صاحبه دافعه واستغفر منه. أما أنه يتأمل الجريمة أو المعصية عموما ويستلذ بها ولا يدافعها، فما يلبث أن يخطط لها ويواقعها. وقد نهى الله تعالى عن هذا نهيا واضحا فقد قال تعالى: {ذَرْنِي وَمَنْ خَلَقْتُ وَحِيداً * وَجَعَلْتُ لَهُ مَالاً مّمْدُوداً * وَبَنِينَ شُهُوداً * وَمَهّدتّ لَهُ تَمْهِيداً * ثُمّ يَطْمَعُ أَنْ أَزِيدَ * كَلاّ إِنّهُ كان لاَيَاتِنَا عَنِيداً * سَأُرْهِقُهُ صَعُوداً * إِنّهُ فَكّرَ وَقَدّرَ * فَقُتِلَ كَيْفَ قَدّرَ * ثُمّ قُتِلَ كَيْفَ قَدّرَ * ثُمّ نَظَرَ * ثُمّ عَبَسَ وَبَسَرَ * ثُمّ أَدْبَرَ وَاسْتَكْبَرَ * فَقَالَ إِنْ هَـَذَآ إِلاّ سِحْرٌ يُؤْثَرُ * إِنْ هَـَذَآ إِلاّ قَوْلُ الْبَشَرِ * سَأُصْلِيهِ سَقَرَ * وَمَآ أَدْرَاكَ مَا سَقَرُ * لاَ تُبْقِي وَلاَ تَذَرُ * لَوّاحَةٌ لّلْبَشَرِ * عَلَيْهَا تِسْعَةَ عَشَرَ}(30:11)سورة المدثر.


فهنا يبين الله تعالى أن ذلك الكافر الذي كاد أن يُهدى إلا أنه فكر في كيفية أن يكفر وزاد في ذلك ومن ثم وقع في الكفر وهو الجريمة الكبرى والمعصية العظمى. وكذلك فقد قال الله تعالى: {قُلْ أَعُوذُ بِرَبّ الْفَلَقِ * مِن شَرّ مَا خَلَقَ * وَمِن شَرّ غَاسِقٍ إِذَا وَقَبَ * وَمِن شَرّ النّفّاثَاتِ فِي الْعُقَدِ * وَمِن شَرّ حَاسِدٍ إِذَا حَسَدَ}(5:1)سورة الفلق، هنا يحذر الله تعالى من الحسد، وما الحسد إلا كتم الحقد على نعمة الغير وتمني زوالها وإمعان تلك الفكرة وانشغال النفس بها.


وحتى لا يختلط الأمر فإنه من الطبعي أن هذا الكلام لا ينصرف على حرية الإنسان في التفكر والفكر والإبداع الذهني، إنما المقصود هنا هو حديث النفس أي الوساوس الداخلية، والاستغراق فيها والاستلذاذ بذلك، وعامة فإن التفكير في الجريمة لا يدخل تحت أي معنى للفكر المستقيم.

- ثالثا: الذنب والعقاب الأخروي:
إن الإنسان إذا ما أيقن بأنه محاسب لا محالة عما قدم من فعل وقول، سواء أعلمه الحاكم والناس أم لم يعلموا، فإنه ولا ريب سيمسك إن لم يكن التزاما، فليكن خوفا من العقاب. 
ومع تصحيح مفهوم العقيدة وترسيخ الإيمان باليوم الآخر وما فيه من أهوال وعقاب لأهل الإجرام، فإن الوازع الديني يدفع صاحبه للامتناع عن السلوك الإجرامي والإضرار بالغير، لما في ذلك من مهلك دائمة وعذاب مقيم.
فكل سلوك مجازى به إما بالثوب وإما بالعقاب، وباب الثواب الحسنات، وباب العقاب الذنوب والسيئات. فقد روى البيهقي بسنده عن عن أبى هريرة أن رسول الله  قال: "أتدرون من المفلس". قالوا: المفلس فينا من لا درهم له ولا متاع. فقال : "إن المفلس من أمتى يأتى يوم القيامة بصلاة وصيام وزكاة ويأتى قد شتم هذا وقذف هذا وأكل مال هذا وسفك دم هذا وضرب هذا فيعطى هذا من حسناته وهذا من حسناته فإن فنيت حسناته قبل أن يقضى ما عليه أخذ من خطاياهم فطرحت عليه ثم طرح فى النار"( ).
 فإذا استشعر الفرد هذا الأمر بما تكون عنده من وازع ديني سيكون أبعد عن الجرم عامه وخاصه علانيته وسره، سواء أعلم الناس أنه الذي ارتكب الجرم أم لم يعلموا أم علموا ولكنه لسلطانه لا يستطيعون مجازاته أو مطالبته بحقوقهم. ففي كل هذه الفروض قطعا سيمتنع عن السلوك المنهي عنه.


المطلب الثاني
تأصيل مكارم الأخلاق

الأخلاق جمع واحدتها الخلق بضم اللام وسكونها وهو الصلاح والاستقامة والسلوك القويم والطبع والسجية وحقيقته أنه لصورة الإنسان الباطنة وهي نفسه وأوصافها ومعانيها المختصة بها بمنزلة الخلق لصورته الظاهرة وأوصافها ومعانيها ولهما أوصاف حسنة وقبيحة والثواب والعقاب يتعلقان بأوصاف الصورة الباطنة أكثر مما يتعلقان بأوصاف الصورة الظاهرة( )، ومسألة الأخلاق شديدة التعلق بتركيبة المجتمع، فالمجتمع الإسلامي يعيشه مسلمون، وغيرهم كذلك. فإذا لم يؤمن غير المسلم بعقيدة التوحيد كما جاء بها محمد ، وبالتالي لم يتكوّن لديه الوازع الديني، فماذا سيكون حال المجتمع حينها، إذا كان بينه جماعة لا تبالي أن تجرم خاصة إن لم يطلها سلطان، أو كان جرمها في السر لا العلن؛ ولهذا كان عناية الإسلام بالأخلاق. تلك الركيزة الأصيلة في الإسلام. فيجتمع بالنسبة للمسلم فضيلتان الأولى الإسلام والوازع الديني، والثانية الأخلاق. وقد لوحظ أن هناك من غير المسلمين من تكبر عليه نفسه فيترفع عن القبائح ويتمتع بأخلاق كريمة، فقد كان في الجاهلية من يمتنع عن فواحش الأمور فعلا وقولا لمنافاتها لمكارم الأخلاق. ومن ثم يجتمع للمجتمع في ظل الدين الإسلامي حصنان ضد الجريمة الوازع الديني ووازع الأخلاق أو ما يعرف بالضمير. ولمزيد من الإيضاح نتناول تلك المسألة من خلال النقاط الثلاث التالية:  


- أولا : تكوين الوازع الضميري الشخصي والجماعي:
إن التنشئة على مكارم الأخلاق واحترام حقوق الغير من أدعى الأمور إلى تكوين ما يُعرف بالوازع الضميري، سواء أكان هذا الوازع على مستوى الفرد أم كان على مستوى الجماعة، ولهذا كان الحث على التعاون الجماعي ضد الرزيلة، وذلك وفق ظروف والأحوال وحسب موقع الشخص، فمن كان من أُلي الأمر متمتعا بسلطة الجبر منع المنكر بما له من قوة السلطان، ومن كان من العلماء والمؤدبين والدعاة منع مايراه من منكر بلسانه وحلو مقاله والنصيحة الجميلة أو يشتد في ذلك حسب حال المنصوح، ومن كان لا يملك هذا ولا ذاك أو لا يحسن القول فعليه بخاصة نفسه وينكر بقلبه، وفي ذلك روى مسلم بسنده أن رسول الله  قال: "من رأى منكم منكرا فليغيره بيده فإن لم يستطع فبلسانه فإن لم يستطع فبقلبه وذلك أضعف الإيمان"( )، إن الحديث يشير إلأى هذه المستوسات الثلاثة تتكلم عن حال المجتمع، فولي الأمر صاحب السلطان  ونوابه وأعوانه له شأن في عدم التكاسل عن أي جرم مها كان تافها من وجهة نظر بعض الناس أو كان لا يلبي مصلحة مباشر للقائم به، أما الضمير الاجتماعي المتمثل في مؤسسات المجتمع المدني والعلماء والمفكرين والمثقفين مدعوون للمشاركة في وضع سياج من قواعد السلوك الأخلاقي، بحيث لا يسمحون بخرقها، أما الفرد لا يسلم نفسه كذلك ولو قصر هؤلاء أو لم يبلغه فعلهم، من هنا يتكون الضمير العام الجماعي والشخصي من خلال هذه المنظومة الثلاثية، والكل يعلم أن الله يراه، ويشعر بوخز داخلي إن قصر في ذلك، فهذه هي الضمير الجماعي أو المسئولية الاجتماعي التي تمنع الشرور وتحد من الجريمة فلا مكانة لجرم ضمن مثل هذا المجتمع، وقد ضرب لنا رسول الله  مثلا لذلك بالسفينة فقد روى البخاري بسنده عن النعمان بن بشير رضي الله عنه: عن النبي  قال: "مثل القائم على حدود الله والواقع فيها كمثل قوم استهموا على سفينة فأصاب بعضهم أعلاها وبعضهم أسفلها فكان الذين في أسفلها إذا استقوا من الماء مروا على من فوقهم فقالوا لو أنا خرقنا في نصيبنا خرقا ولم نؤذ من فوقنا فإن يتركوهم وما أرادوا هلكوا جميعا وإن أخذوا على أيديهم نجوا ونجوا جميعا"( )، إذن هذا هو الضمير الجامعي الذي لا يتغاضى عن الخطأ الواقع من الفرد أو من إحدى الجماعات الأخرى في المجتمع، وذلك وفق الضوابط الآنفة.

- ثانيا : مكانة الأخلاق في الدين الإسلامي:
سما الإسلام بالأخلاق إلى أعلى مكانة، فقد مدح الله بها نبيه  لما أراد إكرام ذكره في كتابه العزيز فقا تعالى: {وَإِنَّكَ لَعَلى خُلُقٍ عَظِيمٍ}(4)سورة القلم، كما جعلها الوسليلة المضمونة لصحبة النبي  في الجنة فقد قال الرسول : روى الترمذي بسنده عن جابر: أن رسول الله  قال: "إن من أحبكم إلي وأقربكم مني مجلسا يوم القيامة أحاسنكم أخلاقا وإن أبغضكم إلي وأبعدكم مني مجلسا يوم القيامة الثرثارون والمتشدقون والمتفيهقون"، قالوا: يا رسول الله قد علمنا الثرثارون والمتشدقون فما المتفيهقون؟ قال: "المتكبرون"( )، وما وروى الترمذي بسنده عن أبي هريرة قال: قال رسول الله : "إذا خطب إليكم من ترضون دينه وخلقه فزوجوه إلا تفعلوا تكن فتنة في الأرض وفساد عريض"( )، بل إنه  علل الرسالة بمكارم الأخلاق، فقد روى البيهقي بسنده عن أبى هريرة رضى الله عنه قال: قال : "إنما بعثت لأتمم مكارم الأخلاق"( )، وهناك العديد من النصوص النبوية المشرفة التي تأمر بمكارم الأخلاق وأحسنها إجمالا وتفصيلا، ولا يخفى ما أثر هذا التمكين للأخلاق في الدين الإسلامي في سلوك الفرد تجاه الصلاح وتجنبه طريق الإجرام.

- ثالثا: نظرة الإسلام في نسبة الأخلاق: 
لم ينظر الإسلام إلى الأخلاق بوصفها اختراع من صنعه، ولكنه رآها إرث إنساني مشترك وليست حكرا إسلامي. فقد ذكر النبي  في أكثر من مناسبة لأناس لم يدركوا الإسلام، وماتوا على الشرك في مقام المدح نظرا لما لهم من مكارم الأخلاق، وذلك مثل ابن جدعان وسويد، فعن عائشة قالت: قلت: "يا رسول الله! أخبرني عن ابن عمي ابن جدعان: قال: "وما كان؟" قلت: كان ينحر الكرماء ويكرم الجار ويكرم الضيف ويصدق الحديث ويوفي بالذمة ويصل الرحم ويفك العاني ويطعم الطعام ويؤدي الأمانة". وقال  في شأن سويد: "فقد قال لو أدركني هذا لأسلم"( ). وقد ثبت ثناء أم سلمة  على عثمان بن طلحة قبل إسلامه وهو مازال على كفره وقالت: "وما رأيت صاحبا قط كان أكرم من عثمان بن طلحة"، لما استعظم عليه أن تهاجر وحدها، فخشى عليها الطريق فصحبها من مكة إلى المدينة ثم رجع، وقد رأت من كريم صحبته لها في ما دعاها للثناء عليه. 
وقد أثنى  على حلف الفضول فقد روى البيهقي بسنده أن رسول الله  قال: "لقد شهدت فى دار عبد الله بن جدعان حلفا ما أحب أن لى به حمر النعم ولو أدعى به فى الإسلام لأجبت"( ). وذلك لِمَا كان لهذا الحلف من فضائل الأخلاق ومكارمها، حيث كانوا يتعاونون على نصرة المظلوم ومنع الجور رغم عدم إسلامهم بل كانوا وثنيين. ولعل هذه النسبة من شأنها أن تحدث تماسكا في بنية المجتمع السلوكية، فيستحيل إلى بيئة رافضة للجريمة على جميع مستوياته، سواء أكان هذا من قبل معتنقي الإسلام أم كان من قبل معتنقي الديانات الأخرى من مواطني دار الإسلام.

 

 المبحث الثاني
الدور المادي للدين

"إن الله تعالى قد يزع بالسلطان ما لا يزع بالقرآن"( )، ومن ثم فإن لم تنفع الكتب تعيَّنّت الكتائب، إن مع محاولات تكوين الوازع الديني والضمير الأخلاقي، ثم يصر الجاني على اقتراف جرمه التوجيه فيعني ذلك أن الوعظ والإِرشاد في تلك الجهات لا يؤتي ثماره مع هذا المعاند، ما لم يسند بوازع سلطاني فالله يزع بالسلطان أي بالعقوبة التي ينفذها ولي الأمر ما لا يزع بالقرآن، أي بمحاولات التوجيه والإرشاد كما سبق بيانه. وقد أكد الله تعالى هذا المعنى في العديد من آي الذكر الحكيم، فمثلا قوله سبحانه وتعالى: {حَتّىَ إِذَا بَلَغَ مَغْرِبَ الشّمْسِ وَجَدَهَا تَغْرُبُ فِي عَيْنٍ حَمِئَةٍ وَوَجَدَ عِندَهَا قَوْماً قُلْنَا يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِمّآ أَن تُعَذّبَ وَإِمّآ أَن تَتّخِذَ فِيهِمْ حُسْناً * قَالَ أَمّا مَن ظَلَمَ فَسَوْفَ نُعَذّبُهُ ثُمّ يُرَدّ إِلَىَ رَبّهِ فَيُعَذّبُهُ عَذَاباً نّكْراً * وَأَمّا مَنْ آمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً فَلَهُ جَزَآءً الْحُسْنَىَ وَسَنَقُولُ لَهُ مِنْ أَمْرِنَا يُسْراً}(88:86)سورة الكهف، فذو القرنين لما تتبع السنن الكونية وأسباب التنمية والعمران، وصل إلى نتيجة حتمية أن الذي يظلم نفسه باقترافه جرما ومن ثم يترتب ظلم للغير أيضا فلابد من عقوبته، وهذا غير أمره مع الله تعالى. أما الذي عمل صالحا فيكافئه على صلاحه، وبهذا يؤسسة مبدأ الثواب والعقاب، أي الحافز والدافع. ثم إنه لم يكتف بالقول النظري بل طبقه حين أُخر عن الذين يفسون بارتكام الجرائم فأقام لهم سجنا عظيما يسعهم حتى يمنع أذاهم وفي ذلك يقول الحق سبحانه: {حَتّىَ إِذَا بَلَغَ بَيْنَ السّدّيْنِ وَجَدَ مِن دُونِهِمَا قَوْماً لاّ يَكَادُونَ يَفْقَهُونَ قَوْلاً * قَالُواْ يَذَا الْقَرْنَيْنِ إِنّ يَأْجُوجَ وَمَأْجُوجَ مُفْسِدُونَ فِي الأرْضِ فَهَلْ نَجْعَلُ لَكَ خَرْجاً عَلَىَ أَن تَجْعَلَ بَيْنَنَا وَبَيْنَهُمْ سَدّاً * قَالَ مَا مَكّنّي فِيهِ رَبّي خَيْرٌ فَأَعِينُونِي بِقُوّةٍ أَجْعَلْ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ رَدْماً * آتُونِي زُبَرَ الْحَدِيدِ حَتَّى إِذَا سَاوَى بَيْنَ الصَّدَفَيْنِ قَالَ انفُخُوا حَتَّى إِذَا جَعَلَهُ نَارًا قَالَ آتُونِي أُفْرِغْ عَلَيْهِ قِطْرًا * فَمَا اسْطَاعُوا أَن يَظْهَرُوهُ وَمَا اسْتَطَاعُوا لَهُ نَقْبًا}(97:94)سورة الكهف.


هذا المبدأ التأصيلي في دفاع المجتمع عن نفسه لم يخرج عنه الإسلام، فبعد أن انتهى من الوعظ والإرشاد وسوق كل أسباب الهداية، وعمل على تكوين الوازع الديني والوازع الضميري الأخلاقي، أخذ يضع العقوبات التي تمس السلامة الجسدية الحسية المادية للشخص، وفي إعلانها وجعلها قرآنا يتلى كل وقت تذكير دائم بها، فتكبر في النفوس ويتحاشهاها العاقل قدر ما استطاع، حتى ولو راودته نفسمه عن الجريمة. أما غير كل هؤلاء ممن لا يردعه دين ولا خلق ولا تهديد العقوبة لا يجدي معه إلا ألم العقوبه ذاته تهذيبا وردعا خاصا للجاني، كما إنه تأكيد على وجود رهبة العقاب في نفوس الأخرين ومن ثم يتحقق الردع العام لدى الكافة. وحيث إن المقام يطول في هذا الشأن فنلج سريعا إلى أصول العقوبات في الدين الإسلامي التي تمثل الدور المادي الذي يلعبه الدين في محاربة الجريمة وحماية المجتمع من آثارها. ثم نلي ذلك للحديث عن الغرض من تلك العقوبات ومدى نفعها للمجتمع في علاج الظاهرة الإجرامية. وذلك من خلال مطلبين متتاليين.


المطلب الأول
تشريع العقوبات

يعد التشريع العقابي الجانب الأقسى في بوتقة المنظومة القانونية لأي نظام قانوني، لِمَا يوكل إليه من حماية المجتمع وأفراده، فالتشريع الإسلامي عمل على حماية المصالح الحيوية والهامة للجماعة فجرم الاعتداء على المجتمع بوصفه كيان معنوي، ومنع الاعتداء على الوحدات الجزئية لهذا الكيان. سواء أكانت طبيعية متمثلة في الإنسان، أم كانت معنوي متمثلة في مؤسسات الدولة. وعمل على حماية حياتها وما يصلحها. وجرم الاعتداء على الشرف والعرض والأموال. فقد روى البخاري بسنده عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول الله  خطب الناس يوم النحر فقال: "يا أيها الناس أي يوم هذا؟". قالوا: يوم حرام. قال: "فأي بلد هذا؟". قالوا: بلد حرام. قال: "فأي شهر هذا؟". قالوا: شهر حرام. قال: "فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام كحرمة يومكم هذا في بلدكم هذا في شهركم هذا". فأعادها مرارا ثم رفع رأسه فقال: "اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت". قال ابن عباس رضي الله عنهما: فوالذي نفسي بيده إنها لوصيته إلى أمته. "فليبلغ الشاهد الغائب لا ترجعوا بعدي كفارا يضرب بعضكم رقاب بعض"( ). أسس الإسلام ذلك من خلال منظومته الثلاثية والتي نتناولها وفق الآتي:

- أولا : القصاص والدية:
النفس الإنسانية أغلى ما يحرص عليه الدين لما لها من قيمة عالية عند الله تعالى. وكذلك سلامة الجسد من أي اعتداء؛ ولذا نص الله تعالى على أقصى وأقسى عقوبة لمن يعتدي على حق حياة غيره. فيقتل كما قتل. وإن كان اعتداؤه دون القتل فيُفعل فيه كما فعل في المجني علي. وفي هذا يقول الحق تبارك وتعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ * وَلَكُمْ فِي الْقِصَاصِ حَيَاةٌ يَاْ أُولِيْ الأَلْبَابِ لَعَلَّكُمْ تَتَّقُونَ}(179:178)سورة البقرة، وقال أيضا سبحانه: {وَكَتَبْنَا عَلَيْهِمْ فِيهَا أَنَّ النَّفْسَ بِالنَّفْسِ وَالْعَيْنَ بِالْعَيْنِ وَالأَنفَ بِالأَنفِ وَالأُذُنَ بِالأُذُنِ وَالسِّنَّ بِالسِّنِّ وَالْجُرُوحَ قِصَاصٌ فَمَن تَصَدَّقَ بِهِ فَهُوَ كَفَّارَةٌ لَّهُ وَمَن لَّمْ يَحْكُم بِمَا أنزَلَ اللّهُ فَأُوْلَئِكَ هُمُ الظَّالِمُونَ}(45)سورة المائدة، فكل شخص يعلم أنه سيقتل إن قتل، لن يعتدي على غيره؛ لأنه بقدر حرصه على حياة الغير تتحقق الحماية لحياته، وكذلك الإيذاء.


كما زكّى الإسلام المحافظة على حياة الغير فقال تعالى:{...مَن قَتَلَ نَفْسًا بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعًا وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعًا وَلَقَدْ جَاء تْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيرًا مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ}(32)سورة المائدة، فجعل من يقتل نفسا واحدة كم قتل كل الناس ومن يعمل على إحيائها بأي وسيلة كمن أحيى الناس جميعا. وهذا المعنى يبرز قبح الجرم مع جميل الجزاء على الإحياء.
وهنا ينبغي التفريق بين القتل عمدا إفسادا في الأرض أي لغرض إجرامي بحت، كمن يقتل ليسرق، أو لإرهاب، أو يستأجر لذلك فهذا عقوبته القتل حدا لا قصاصا. أما القصاص الذي نحن بصدده فجريمة القتل عمدية إلا إنها لسبب شخصي، كأن تكون بغرض الثأر أو الشرف أو التناحر والتنازع. فإن هذا الأخير لا يبغي سفك الدماء. ولا يريد من فعله إلا ذلك الشخص المعين، ولا يتعدى إجرامه لغير قتيله؛ ولذا كانت عقوبته القصاص أي جعل أمره لأولياء المقتول إن شاءوا عفوا وإن شاءوا قبلوا الفداء أي الدية، وإن شاءوا طالبوا بالقصاص فيقتل جزاء وفاقا. أما الأول فمتعطش للدماء لا يهمه من يقتل ولكن يهمه المكسب المتحصل له ولو كان تافها أحيانا؛ ولذلك هو يطلب الدم أنى كان فمن الطبعي أن تكون عقوبته القتل حدا ولا عفو فيه ولا دية.


أما القتل خطأ فلا قتل فيه، وهو أمر مقرر في كل تشريعات العالم، فعقوبة الخاطئ إما جنحة أو جناية، ولا تصل عقوبته إلى المؤبد أو الإعدام. لأن الخاطئ لم يشرب من شرب الجريمة ولم يقصدها، وهو في ذلك لم يتوافر لديه الركن المعنوي للجريمة كما أنه معذور بخطئه. إلا أن النفس المقتولة لا سبيل لإهدار الدم فقرر الإسلام الدية. وفي ذلك يقو الحق تبارك وتعالى: {وَمَا كَانَ لِمُؤْمِنٍ أَن يَقْتُلَ مُؤْمِنًا إِلاَّ خَطَئًا وَمَن قَتَلَ مُؤْمِنًا خَطَئًا فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ إِلاَّ أَن يَصَّدَّقُواْ فَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ عَدُوٍّ لَّكُمْ وَهُوَ مْؤْمِنٌ فَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةٍ وَإِن كَانَ مِن قَوْمٍ بَيْنَكُمْ وَبَيْنَهُمْ مِّيثَاقٌ فَدِيَةٌ مُّسَلَّمَةٌ إِلَى أَهْلِهِ وَتَحْرِيرُ رَقَبَةٍ مُّؤْمِنَةً فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ شَهْرَيْنِ مُتَتَابِعَيْنِ تَوْبَةً مِّنَ اللّهِ وَكَانَ اللّهُ عَلِيمًا حَكِيمًا}(92)سورة النساء، والدية مبلغ عظيم من المال يدفع لورثة القتيل. وهي تقدر بمائة من الإبل على أهل الإبل، وألفي شاء على أهل الغنم، ومئتي بقرة على أهل البقر، ومئتي حلة على أهل البز والثياب، وأربعة آلاف ومائتين وخمسين جراما من الذهب هلى أهل الذهي وخمسة وثلاثين وسبعمائة جرام من الفضة على أهل الفضة، ويمكن معادلة هذه القيم بالنقود حسب الأحوال.

- ثانيا: الحدود:
الحدود جرائم حددها الشرع وقدر لبعضها عقوبات وخير في بعضها ووجه في أخرى وترك بعضها حسب أحوال الناس، لاختلاف البيئات والأزمان، وهي الصنف الذي يحافظ على المجتمع ومقومات وجوده ودعائمه الأساسية، فهي سلوك مجرّم في كل زمان وكل مكان، وتتنوع الحدود وفق الآتي:
1- حد يحد الجريمة والعقوبة ووسيلة الإثبات:
وهذا الحد خطير النظر جليل الخاطر نظرا لاختصاصه بالأعراض والشرف، وهو حد الزنا، فقد قدر الله تعالى ورسوله  عقوبته وهي القتل رجما للثيب أي المتزوج، والجلد مائة جلدة للبكر أي لغير المتزوج رجلا كان أو امرأة، كما حدد الله تعالى وسيلة الإثبات فينبغي أن تكون بأربعة من الشهود العدول، وقضى النبي  في الزنا بالإثبات بالإقرار الصحيح، فقد قال سبحانه: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(4)سورة النــور، وقال تعالى: {لَوْلَا جَاؤُوا عَلَيْهِ بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَإِذْ لَمْ يَأْتُوا بِالشُّهَدَاء فَأُوْلَئِكَ عِندَ اللَّهِ هُمُ الْكَاذِبُونَ}(13)سورة النــور، وقال جلّ شأنه: {الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ}(2)سورة النــور، وقد ثبت في سنته  الرجم وقبول الإقرار بعد التحري والتأكد من إصرار صاحب الإقرار على إقراره، فقد روى ابن ماجة بسنده عن عبد الله بن مسعود قال: قال رسول الله : "لا يحل دم امرئ مسلم يشهد أن لا إله إلا الله وأني رسول الله إلا أحد ثلاثة نفر النفس بالنفس والثيب الزاني والتارك لدينه المفارق للجماعة"( )، وروى ابن أبي شية بسنده عن جابر قال: جاء ماعز بن مالك إلى النبي ، فقال: إنه قد زنى، فقال : "أما لهذا أحد؟" فرده، ثم جاء ثلاث مرار، فقال: "أما لهذا أحد؟"، فرده، فلما كانت الرابعة، قال : "ارجموه"، فرماه ورميناه، وفر واتبعناه، قال عامر: فقال لي جابر: فهاهنا قتلناه"( ).


2- حد يحد الجريمة والعقوبة:
وهذا النوع هو الغالب في الحدود بحيث يعين الله تعالى الجريمة ثم يضع نوع ومقدار العقوبة المناسبة، وقد وقع هذا في حد القذف، حيث يتناول القاذف الأعراض بالسوء، فعاقبه المولى عز وجلّ بالجلد ثمانين جلدة، وبالتفسيق فلا تُقبل شهادته، وفيه قال الله تعالى: {وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَدًا وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ}(4)سورة النــور. وكذلك حد السرقة، فإذا سرق قطعت يده. وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى: {وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ }(38)سورة المائدة.

3- حد يحد الجريمة ويدرج أو يخير في العقوبة: 
هذا النوع تظهر فيه الخطورة الإجرامية للجاني، هذا بجانب خطورة عمله الإجرامي أيضا. فالسياسة العقابية الرشيدة تحتاج إلى معالجة مركبة تتناسبة مع طبيعة التركيب في الخطورة الإجرامية؛ ولذا حدد الله سبحانه الجريمة كسلوك كلي، بحيث يتناول تحته مجموعة من السلوكيات الجزئية قد تشكل جريمة وحدها في الإطار ذاته، ثم يذكر مجموعة سبحانه مجموعة من العقوبات تناسب كل فعل جزئي كما تناسل الفعل الكلي، وذلك على سبيل التدريج أو التخيير، وهذا ما نصه الحق سبحانه وتعالى بالنسبة لجريمة الحرابة، حيث يقول سبحانه: {إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَادًا أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ}(33)سورة المائدة. والإمام هنا عليه أن يختار العقوبة المناسبة أو يدرجها حسب خطورة الواقعة الإجرامية أو المجرم.

4- حد يحد الجريمة ويوجه في العقوبة:
هذا النوع من الحدود يذكر الجريمة ولا يذكر لها عقوبة على سبيل التعيين، وإنما يوجه ولي الأمر في طريقة التعامل مع الظاهرة الإجرامية لتلك الطائفة من الجرائم. ويتمثل هذا الحد في حد البغي، حيث تخرج طائفة مسلحة عن طاعة ولي الأمر ويتزعمها إمام متأوّل، فهنا تناقش وتنصح وينعامل معهم الإمام باللين تارة والشدة تارة أخرى فإن لم يجدي هذا حاربهم ولو أدى ذلك إلى قتلهم، وفي هذا يقول الحق سبحانه: {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا فَإِن بَغَتْ إِحْدَاهُمَا عَلَى الْأُخْرَى فَقَاتِلُوا الَّتِي تَبْغِي حَتَّى تَفِيءَ إِلَى أَمْرِ اللَّهِ فَإِن فَاءتْ فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا بِالْعَدْلِ وَأَقْسِطُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُقْسِطِينَ}(9)سورة الحجرات.

5- حد يحد الجريمة:
هذا النوع من الحدود قد يصنفه كثير من الفقهاء ضمن جرائم التعزير، إلا أننا آثرنا ضمها لجرائم الحدود؛ وذلك نظرا لتمسك الشرع بها، وعدها من ثوابت الإفساد في الأرض، كما أن الإمام لا يمكنه التهاون في شأنها، ولا يمكنه العفو، وهذه من سمات الحدود بينما التعزير قد يداخله هذه العوامل بشكل ما أو بآخر. وهذه الجرائم نص فيها الشارع الحكيم على الفعل المجرم وأكد على ضرره الاجتماعي، وما يرتبه من فساد، ومن ثم استحق الجاني العقوبة في الدنيا والآخر إلا أن يتوب. ثم ترك الشارع الإسلامي لولي الأمر سلطة تقدير العقوبة وفق مستجدات الزمان والمكان والعرف. ومن هذه الجرائم: شهادة الزور والرشوة والتزوير واستغلال النفوذ والربا وأخذ الأموال دون وجه حق أيا كانت الوسيلة أو السبب. ونحو ذلك. وفي هذا يقول الحق سبحانه وتعالى: {ذَلِكَ وَمَن يُعَظِّمْ حُرُمَاتِ اللَّهِ فَهُوَ خَيْرٌ لَّهُ عِندَ رَبِّهِ وَأُحِلَّتْ لَكُمُ الْأَنْعَامُ إِلَّا مَا يُتْلَى عَلَيْكُمْ فَاجْتَنِبُوا الرِّجْسَ مِنَ الْأَوْثَانِ وَاجْتَنِبُوا قَوْلَ الزُّورِ}(30)سورة الحـج، وقوله تعالى:{وَالَّذِينَ لَا يَشْهَدُونَ الزُّورَ وَإِذَا مَرُّوا بِاللَّغْوِ مَرُّوا كِرَامًا}(72)سورة الفرقان،وقوله تعالى: {الَّذِينَ يَأْكُلُونَ الرِّبَا لاَ يَقُومُونَ إِلاَّ كَمَا يَقُومُ الَّذِي يَتَخَبَّطُهُ الشَّيْطَانُ مِنَ الْمَسِّ ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ قَالُواْ إِنَّمَا الْبَيْعُ مِثْلُ الرِّبَا وَأَحَلَّ اللّهُ الْبَيْعَ وَحَرَّمَ الرِّبَا فَمَن جَاءهُ مَوْعِظَةٌ مِّن رَّبِّهِ فَانتَهَىَ فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللّهِ وَمَنْ عَادَ فَأُوْلَئِكَ أَصْحَابُ النَّارِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ}(275)سورة البقرة، وقوله تعالى: {يَمْحَقُ اللّهُ الْرِّبَا وَيُرْبِي الصَّدَقَاتِ وَاللّهُ لاَ يُحِبُّ كُلَّ كَفَّارٍ أَثِيمٍ}(276)سورة البقرة، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ وَذَرُواْ مَا بَقِيَ مِنَ الرِّبَا إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ}(278)سورة البقرة، وقوله تعالى: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ الرِّبَا أَضْعَافًا مُّضَاعَفَةً وَاتَّقُواْ اللّهَ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَ}(130)سورة آل عمران، وقوله تعالى: {وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقًا مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ}(188)سورة البقرة، وقوله تعالى: {وَأَخْذِهِمُ الرِّبَا وَقَدْ نُهُواْ عَنْهُ وَأَكْلِهِمْ أَمْوَالَ النَّاسِ بِالْبَاطِلِ وَأَعْتَدْنَا لِلْكَافِرِينَ مِنْهُمْ عَذَابًا أَلِيمًا}(161)سورة النساء. وقد ثبت نحو هذا بالسنة النبوية المشرفة ومنه ما رواه البخاري بسنده عن أبي حميد الساعدي: استعمل النبي  رجلا من الأزد، يُقال له ابن اللتبية على الصدقة. فلما قدم قال: هذا لكم وهذا أُهْدِي لي. قال : "فهلا جلس في بيت أبيه أو بيت أمه فينظر يهدى له أم لا؟ والذي نفسي بيده لا يأخذ أحد منه شيئا، إلا جاء به يوم القيامة يحمله على رقبته. إن كان بعيرا له رغاء أو بقرة لها خوار أو شاه يتعر". ثم رفع بيده حتى رأينا عفرة إبطيه: "اللهم هل بلغت اللهم هل بلغت" ثلاثا( ). كل هذه النصوص وغيرها تعين الجريمة، وتبين خطورتها، وتظهر ضررها على المجتمع. ثم إنها تتوعد مقترفها، إلا أنها لم تحد عقوبة. ومن ثم فمؤسسة ولي الأمر ناط بها الشارع الإسلامي الاجتهاد. وتحري سياسة عقابية رشيدة تجدي نفعا، ولا إفراط فيها ولا تفريط.

- ثالثا: التعزير:
للتعزير معان كثيرة في اللغة منها المنع والإعانه والتأديب، فعزره عن الشئ: منعه ورده، عزر فلانا: منعه ورده، عزر فلانا عَزرا: أي لامه، أو عاقبه بما دون الحد، فكأنه إذا عزر الجاني بعقوبة فقد منعه عن الإجرام وأعانه على الطاعة، عاقبه بما هو دن الحد الشرعي، وعزره على فرائض الدين، وأحكامه: عزره عليها، وشرعا: تأديب على ذنب لا حد فيه، ولا كفارة غالبا، إذن فالتعزير: "حد من حدود الله تعالى "عند بعض الفقهاء، وعند آخرين: "التأديب الذي دون الحد"، وسُمي تعزيرا ً لأنه يمنع الجاني من معاودة الذنب( )، وفي الفقه الجنائي الإسلامي عامة هو عبارة عن كل فعل ينم عن خطورة إجرامية تضر بالمجتمع أو الغير ماديا أو معنويا، فيطبق حيث يغيب الحد والقصاص أو لا تنطبق شروطهما، وفي جانب آخر حين يكون الجاني قد اعتدى ولكن النتيجة الإجرامية لم تتحقق، وهو ما يعرف بالشروع في ارتكاب الجرائم، والتعزير يكوز فيه التخفيف والعفو المطلق والمقيد، وهذا المعنى ينعقد عليه اتفاق الفقهاء بشكل ما أو بآخر ومن ذلك:

نجد أن التعزي لدى الحنفية تأديب الجاني فيما لا حد فيه، وفرقوا بين الحد والتعزير فقالوا: أن الحد مقدر والتعزير مفوض إلى رأي الإمام من حيث تعيين الجريمة وتقدير العقوبة، وأن الحد يُدرأ بالشبهات والتعزير يجب معها، وأن الحد لا يجب على الصبي والتعزير قد يجري عليه بوصفه تأيب، والرابع أن الحد يطلق على الذمي والتعزير يسمى عقوبة له؛ لأن التعزير شرع للتطهير ففيه معنى الديانة أما بالنسبة لغير المسلم فمجرد قانون، وأن الحد لا تجوز الشفاعة فيه، وأنه لا يجوز للإمام تركه، وأنه قد يسقط بالتقادم بخلاف التعزير فلا يجري فيه شيء من هذا( ).

والتعزير عند المالكية معصية الله تعالى في حقه أو حق آدمي، وأما قدره فلا حد له، فلا يقدر أقله ولا أكثره، بل بحسب اجتهاد الإمام على قدر الجناية، وأما جنسه فلا يختص ببعقوبة معينة بل حسب التقدير فقد يكون بالجلد أو حبس أو أو القتل أو غيره وفق اجتهاد الإمام، وكان الخلفاء المتقدمون يعاملون بقدر الجاني والجناية –أي حسب الخطورة الإجرامية- فمنهم من يضرب ومنهم من يحبس ومنهم من يقام على قدميه في تلك المحافل ومنهم من تنزع عمامته، وعن مالك أن السلطان قد يتجافى عن الفلتة من ذوي المروءة، ويجوز العفو والشفاعة في التعزير وإن بلغ الإمام لأنه حق لآدمي صرف، وهو يفارق الحد من ثلاثة أوجه أحدها اختلافه باختلاف الناس والثاني جواز الشفاعة والعفو عنه بل يستحبان والثالث التالف به مضمون( ).

التعزير عند الشافعية: تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، وهو قد يكون بالكلام والحبس والنفي والضرب وغيره، وأقصاه كما قال أبو عبد الله الزبيري: تعزير كل ذنب مستنبط من المشروع في جنسه، فأعلاه فيمن تعرض لشرب الخمر تسعة وثلاثون؛ لأن حد الخمر أربعون، وفيمن يعرض بالقذف خمسة وسبعون؛ لأن حد القذف ثمانون، وإن وجد شخص مع امرأة في حال تنم على الزنا ولم يتم كان التعزير بأقل من حد الزنا، والتعزير مباح يجوز العفو عنه والتخفيف، أما الحدود واجبة لا يجوز العفو عنها أو التخفيف( ).

والتعزير عند الحنابلة: "واجب في كل معصية لا حد فيها ولا كفارة"، كالاستمتاع الذي لا يوجب حد الزنا، وإتيان المرأة المرأة، وسرقة مالا يوجب القطع، والجناية على الناس بما لا قصاص فيه، والقذف بغير الزنا ونحوه. ويدخل فيه عفو الإمام وقيل لا يقع العفو فيه( ).


المطلب ثاني
الغرض من تشريع العقوبات

لم يشرع الله تعالى العقوبات بغرض تعذيب خلقه، بل هو سبحانه أرحم بخلقه منهم فقد قال تعالى: {وَإِلَهُكُمْ إِلَهٌ وَاحِدٌ لاَّ إِلَهَ إِلاَّ هُوَ الرَّحْمَنُ الرَّحِيمُ}(163)سورة البقرة، وقال سبحانه: {قُلْ مَن يَكْلَؤُكُم بِاللَّيْلِ وَالنَّهَارِ مِنَ الرَّحْمَنِ بَلْ هُمْ عَن ذِكْرِ رَبِّهِم مُّعْرِضُونَ}(42)سورة الأنبياء، وقال سبحانه وتعالى: {الَّذِي خَلَقَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ وَمَا بَيْنَهُمَا فِي سِتَّةِ أَيَّامٍ ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ الرَّحْمَنُ فَاسْأَلْ بِهِ خَبِيرًا}(59)سورة الفرقان، وقال الحق سبحانه: {قُلْ يَا عِبَادِيَ الَّذِينَ أَسْرَفُوا عَلَى أَنفُسِهِمْ لَا تَقْنَطُوا مِن رَّحْمَةِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَغْفِرُ الذُّنُوبَ جَمِيعًا إِنَّهُ هُوَ الْغَفُورُ الرَّحِيمُ }(53)سورة الزمر، وقال: {تَنزِيلٌ مِّنَ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ}(2)سورة فصلت، وروى الحاكم بسنده عن عبد الله بن عمر رضي الله عنهما: أن رسول الله  قام بعد أن رجم الأسلمي فقال: "اجتنبوا هذه القاذورة التي نهى الله عنها فمن أَلَمّ فليستتر بستر الله، وليتب إلى الله، فإنه من يبد لنا صفحته نقم عليه كتاب الله عز و جل"( )، والنصوص في هذا المقام كثيرة، فإذا كان الشرع يريد بالناس الرحمة ويضيق في تطبيق العقوبة، ويتشدد في إثبات بعضها خاصة الشائن منها المتعلق بالشرف والعرض، فلما هي إذن؟ وإذا كانت مطهرة من الذنب، وتقل عثرة المؤمن في الآخرة، فإنها تشبه التوبة من هذا الوجه، ولكن ما غرضها الدنيوي؟ وللإجابة عن هذا السئوال نعرض لثلاث نقاط وفق الآتي:

- أولا: دفع الضرر الفردي:
إذا وقعت الجريمة على على خاصة شخص، فلا ريب إنها تحدث ضررا، وهذا الضرر قد لا يتعدى المجني عليه على وجه التغليب، مثل القتل بسبب الخصومة الشخصية، فإن الضرر يتمثل في فقد إنسان من أقرب الأقربين للمضرور، وهنا المضرور غير المجني عليه، وقد يكون المضرور هو المجني عليه كأن يقع الاعتداء بما هو دون القتل كإحداث عاهة أو كسر أو قطع لأحد الأطراف، من المنطقي في كل هذه الحالات أن المضرور هو الأقدر على تقدير حقه من حيث المطالبة أو عدمها. 
فقد يكون ما بينه وبين الجاني من صلات أوثق من المطالبة بعقوبته، أو أن خلفيات الخصومة بينهما جعلت مما وقع في نظر ما نوع من العدالة، أو أنه يفضل العفو المجاني لاعتبارات دينية وعرفية وعائلية وإنسانية عامة، أو أنه يرى أن من صالحه الاستفادة بمبلغ مالي يعينه على متطلبات الحياة خاصة أن عقوبة الجاني لن تجدي له نفعا حقيقيا، وهذه ما تعرف بجرائم القصاص والدية.
ولأن الضرر هنا لم يتعد المضرور كشخص ترك له الشارع حرية الاختيار بين تلك البدائل، ولعل هذا ليس فقط مفيد للمضرور، بل هو كذلك في تحقيق السلام الاجتماعي في الوطن الواحد، فإن الجاني في القتل أو الإيذاء إذا صفح عنه المضرور أو حتى قبل الدية فإنه يحيى عمره مستشعرا أن حياته أو سلامته بفضل فعل من ضره سابقا، فيكون هذا أدعى لمبادلة المعروف بالمعروف، والإحسان بالإحسان مصداقا لقول الحق سبحانه: {هَلْ جَزَاء الْإِحْسَانِ إِلَّا الْإِحْسَانُ}(60)سورة الرحمن؛ ولذا اختار الشارع الإسلامي هذه السياسة العقابية فيما كان من ضرر لصيق بشخ المضرور لا يتعدى إلى غيره أو المجتمع.

- ثانيا: دفع الضرر الاجتماعي الثابت:
هناك طائفة من الإجرام تمثل بطبيعتها اعتداءً على حقوق المجتمع في مجموعه، وتمس بصفة مباشره ركائز وجوده ودعائم مقوماته، وذلك سواء أكان ماديا كجرائم الإرهاب والقتل العمدي الإجرامي والاغتصاب والسرقة البسيطة والسرقة المشددة والاعتداء على سلطان الدولة -أي جرائم الحرابة والبغي- أم كان معنويا كجرائم الزنا والقذف. فهنا الظاهرة الإجراميا في أوجها وهي قطعا ضرر على المجتمع مجملا، بل قد تهدد وجوده وحياة أفراده وسلامتهم شرفهم وأعراضهم، وهي جرائم الحدود جملة.

والثابت أن ضررها متحقق ولا يختلف فيه العقلاء ولو اختلف الزمان والمكان؛ ولذا أكد الشارع الإسلامي على مناهضتها ومجالدة مرتكبيها، وليس فيها عفو أو تخفيف، هذا وقد يجري العفو بالنسبة لجرائم الحرابة نظرا لخطورتها وتحصن الجاني في موقع حصين مما قد يصعب على الإمام ملاحقته وضبطه إلا بعد إحداث أضرار فادحة، ومن أجل ذلك أجاز الشارع قبول توبته وإسقاط حد الحرابه عن المحارب إذا سلم نفسه مختارا تائبا للسلطات المختصة.

وذلك شريطة ألا يكون أمره بلغ السلطان وطلبه أي أمر بالقبض عليه، ويسقط عنه حد الحرابة فقط أما ما قد يكون ارتكبه من حود أخرى واعتدى عليه من حقوق أخرى بمناسبة مقارفته للحرابة، فإنه مسئول عنها ويحاسب عليه، فلو زنا أو قتل أثناء قطع الطريق فإنه يحد بحد الزنا رجما أو جلدا، وتُقطع يده للسرقة، وهكذا، ولعل هذه المنحة التشريعية للجاني قد تجعله يعدل باختياره عن مشروعه الإجرامي، وفي ذلك يقول الحق تبارك وتعالى بعد النص على عقوبة المحارب: {إِلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ}(34)سورة المائدة.

- ثالثا: دفع الضرر الاجتماعي المتغير:
هناك بعض الأفعال لا تمثل في حد ذاتها ضررا، وبالتالي ليست أفعالا مجرمة بطبيعتها. وإنما قد يختلف حالها حسب الزمان والمكان والحال والعرف. فما يكون محظورا في وقت ما قد لا يكون كذلك في وقت غيره. وما يكون مجرما في مكان ما قد يكون مباحا في غيره. وذلك مثل الإتجار في العملات الأجنبية، فقد يكون حسب مصلحة داعية ضارا باقتصاد البلاد فيجرم من يقوم به، ثم تقوم مصلحة أخرى تجعل من حق الأفراد مزاولة الإتجار بها، وقد يحظر دخول سلعة لبلد ما أو أن يتم تحصيل ضريبة جمركية عليها، ثم يحدث أن يُرفع الحظر أو أن يُلغى ما ربط عليها من ضرائب. وقد يكون استعمال آله معينة أو سلاح أو ماكينة مجرم ثم يرفع التجريم فيتمكن الأشخاص من تناول هذه الأشياء. وكما يتضح فإن مثل هذه الأمور الضرر فيها غير ثابت، بل يتغير ويتبدل حسب الحاجة الداعية أو ظروف الزمان والمكان. مما ينبغي معه أن تكون السياسة العقابية فيه مقدرة من قبل المختصين في هذا المكان والزمان للنظر في مصلحة المجتمع وتقرير ما يحميه من ضرر الجريمة ومظاهرها. من ثم شرعت لأجل هذا جرائم التعزير.

 

الخاتمة والتوصيات

وأخيرا يتبين أن الدين هو اللاعب الرئيس في عملية حماية المجتمع، والحفاظ على مقومات وجوده وركائزه الأساسية دعائم هذا الوجود. وذلك من خلال منظومتة تضمن الارتقاء الإنساني في الجانب المعنوي والروحي. الذي يجعل الفرد يحجم عن الإجرام ولو كان خاليا لنفسه لا يراه أحد. كما تتجلي مظاهر المقاومة المادية للجريمة في التوجيه الديني الإسلامي من خلال منظومة ثلاثية الأبعاد تطوق الظاهرة الإجرامية من حيث التكوين والآثار الناجمة وما يتمخض عنها من أضرار. ثم إنه كفل معالجتها بأنس وأفضل سياسة عقابية رشيدة شهدتها البشرية.


من أجل ذلك وتأسيسا على ما سبق عرضه نوصي بالآتي: 
- أولا: تكثيف مثل هذه المؤتمرات وتفعيلها من خلال الندوات وورش العمل، لتعميق الناحية الدراسية أكثر، ولتعريف المجتمع ومؤسساته المعنية بأوفق الأساليب لمقاومة الجريمة.
- ثانيا: التأكيد على منهجية الشرع الحنيف في معالجة الجريمة والمجرم ومناشدة المشرع عامة وخاصة المشرع العربي والإسلامي استلهامها كأصل مباشر وتشعُّب تفريعي.
- العمل على توجيه نظر المشرع العربي إلى إصدار قانون العقوبات العربي الموحد. على أساس من الدين الحنيف. والبعد عن استيراد مواده من المدونات الأجنبية التي قد لا تناسب مجتمعاتنا لا اعتقادا ولا اعتيادا.
هذا والحمد لله الذي بنعمته تتم الصالحات
 
المصادر والمراجع

1) القرآن العظيم.
2) إبراهيم مصطفى و(آخرون)، المعجم الوسيط، تحقيق: مجمع اللغة العربية، دار الدعوة، القاهرة، دون ذكر سنة النشر.
3) أحمد بن عبد الكريم الغزي العامري، الجد الحثيث في بيان ما ليس بحديث، تحقيق: فواز أحمد زمرلي، دار ابن حزم، دون ذكر مكان النشر ولا سنة النشر.
4) إسماعيل بن حماد الجوهري، الصحاح تاج اللغة وصحاح العربية، تحقيق: أحمد عبد الغفور عطار، دار العلم للملايين، بيروت، 1407ه/‍1987م، الطبعة الرابعة.
5) أبو البقاء محب الدين عبدالله بن الحسين بن عبدالله، اللباب في علل البناء والإعراب، تحقيق: غازي مختار طليمات، دار الفكر، دمشق، 1995م، الطبعة الأولى.
6) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي، منشورات: مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند/ حيدر آباد، 1344هـ، الطبعة الأولى.
7) أبو بكر أحمد بن الحسين بن علي البيهقي، السنن الكبرى وفي ذيله الجوهر النقي، منشورات: مجلس دائرة المعارف النظامية، الهند/ حيدر آباد، 1344هـ، الطبعة الأولى.
8) أبو بكر ابن السيد محمد شطا الدمياطي، حاشية إعانة الطالبين على حل ألفاظ فتح المعين لشرح قرة العين بمهمات الدين، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت، دون ذكر سنة النشر.
9) أبو بكر عبد الله بن محمد بن أبي شيبة العبسي الكوفي 159: 235 هـ، مُصنف ابن أبي شيبة، تحقيق: محمد عوامة، الدار السلفية الهندية القديمة، دون ذكر مكان النشر ولا تاريخه، كتاب الإيمان والرؤيا باب 6، ج11 ص22.
10)  أبو بكر عبد الرزاق بن همام الصنعاني، مصنف عبد الرزاق، تحقيق: حبيب الرحمن الأعظمي، المكتب الإسلامي، بيروت، 1403هـ، الطبعة الثانية.
11)  أبو جعفر محمد بن جرير بن يزيد بن كثير بن غالب الآملي الطبري المتوفى: 310هـ، جامع البيان في تأويل القرآن، تحقيق: أحمد محمد شاكر، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1420هـ/2000م،الطبعة الأولى.
12)  د./ جاسر عودة، مدخل مقاصدي للاجتهاد، أحمد زكي يماني ( المحرر -مجموعة بحوث)، مقاصد الشريعة وقضايا العصر، منشورات مركز دراسات مقاصد الشريعة الإسلامية، لندن، 2007م، مطبعة المدني المؤسسة السعودية بالقاهرة، الطبعة الأولى.
13)  أبو حاتم محمد بن حبان بن أحمد بن حبان بن معاذ بن مَعْبدَ التميمي الدارمي البُستي المتوفى: 354هـ، صحيح ابن حبان بترتيب ابن بلبان، ترتيب: علي بن بلبان بن عبد الله، علاء الدين الفارسي، المنعوت بالأمير المتوفى: 739هـ، مؤسسة الرسالة، بيروت، دون ذكر سنة النشر.
14)  أبو الحسن الماوردى، كتاب الحاوى الكبير، دار الفكر، بيروت، دون ذكر سنة النشر.
15)  أبو الحسين مسلم بن الحجاج بن مسلم القشيري النيسابوري، الجامع الصحيح المسمى صحيح مسلم، دار الجيل بيروت ودار الأفاق الجديدة، بيروت، دون ذكر تاريخ النشر.
16)  أبو داود سليمان بن الأشعث السجستاني، سنن أبي داود، دار الكتاب العربي، بيروت، دون ذكر سنة النشر.
17)  سعدي أبو جيب، القاموس الفقهي لغة واصطلاحا، دار الفكر، دمشق/ سورية، 1408هـ/1988م، الطبعة الثانية.
18)  شهاب الدين أحمد بن إدريس القرافي، الذخيرة، تحقيق: محمد حجي، دار الغرب، بيروت، 1994م.
19)  ابن عابدين، حاشية رد المختار على الدر المختار شرح تنوير الأبصار فقه أبو حنيفة، دار الفكر للطباعة والنشر، بيروت، 1421هـ/2000م.
20)  أبو عبد الرحمن أحمد بن شعيب النسائي، سنن النسائي الكبرى، تحقيق: د.عبد الغفار سليمان البنداري وسيد كسروي حسن، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ/1991م، الطبعة الأولى،  كتاب الطلاق باب من طلق في نفسه ح5626.
21)  أبو عبدالله مالك بن أنس الأصبحي، موطأ مالك- رواية محمد بن الحسن، تحقيق: د./ تقي الدين الندوي، دار القلم، دمشق، 1413هـ/1991م، الطبعة الأولى.
22)  د./ عبد الوهاب المسيري، موسوعة اليهود واليهودية والصهيونية، دون ذكر دار النشر ولا سنة النشر.
23)  أبو عبدالله محمد بن إسماعيل البخاري الجعفي، الجامع الصحيح المختصر، تحقيق: د. مصطفى ديب البغا، دار ابن كثير – اليمامة، بيروت، 1407هـ/1987م، الطبعة الثالثة.
24)  أبو عبدالله محمد بن عبدالله الحاكم النيسابوري، المستدرك على الصحيحين، تحقيق: مصطفى عبد القادر عطا، دار الكتب العلمية، بيروت، 1411هـ/1990م، الطبعة الأولى.
25)  أبو عبدالله محمد بن يزيد القزويني، سنن ابن ماجه، تحقيق: محمد فؤاد عبد الباقي، دار الفكر، بيروت، دون ذكر سنة النشر.
26)  أبو عبد الله محمد بن عمر بن الحسين الرازي الشافعي المعروف بفخر الدين الرازي، تفسير الفخر الرازى، دار إحياء التراث العربى، دون ذكر بلد النشر ولا سنة النشر.
27)  أبو عبد الله محمد بن أحمد بن أبي بكر بن فرح الأنصاري الخزرجي القرطبي المتوفى: 671هـ، الجامع لأحكام القرآن، تحقيق: هشام سمير البخاري، دار عالم الكتب، الرياض، 1423هـ/2003م.
28)  علاء الدين أبو الحسن علي بن سليمان المرداوي الدمشقي الصالحي المتوفى: 885هـ، الإنصاف في معرفة الراجح من الخلاف على مذهب الإمام أحمد بن حنبل، دار إحياء التراث العربي، بيروت/ لبنان، 1419هـ، الطبعة الأولى.
29)  د./ علاء الدين زعتري، قراءة في علم مقاصد الشريعة الإسلامية، دون ذكر دار النشر ولا سنة النشر.
30)  علاء الدين علي بن حسام الدين المتقي الهندي البرهان فوري المتوفى: 975هـ، كنز العمال في سنن الأقوال والأفعال، تحقيق: بكري حياني وصفوة السقا، مؤسسة الرسالة، بيروت، 1401هـ/1981م، الطبعة الخامسة، حرف الهمزة الكتاب الأول الباب الأول الفصل الأول في حقيقة الإيمان.
31)  علي بن محمد بن علي الجرجاني، التعريفات، تحقيق: إبراهيم الأبياري، دار الكتاب العربي، بيروت، 1405هـ، الطبعة الأولى.
32)  علي بن نايف الشحود، موسوعة الرد على المذاهب الفكرية المعاصرة، دون ذكر دار النشر ولا سنة النشر.
33)  أبو الفداء إسماعيل بن عمر بن كثير القرشي الدمشقي المتوفى: 774هـ، تفسير القرآن العظيم، تحقيق: سامي بن محمد سلامة، دار طيبة للنشر والتوزيع، دون ذكر مكان النشر، 1420هـ/1999م، الطبعة الثانية.
34)  أبو الفيض محمّد بن محمّد بن عبد الرزّاق الحسيني الملقّب بمرتضى الزَّبيدي، تاج العروس من جواهر القاموس، دار الهداية، دون ذكر سنة النشر.
35)  د./ قطب مصطفى سانو، معجم مصطلحات أصول الفقه، دار الفكر، دمشق، 1420هـ/2000م، الطبعة الأولى.
36)  أبو محمد عز الدين عبد العزيز بن عبد السلام بن أبي القاسم بن الحسن السلمي الدمشقي، الملقب بسلطان العلماء المتوفى: 660هـ، قواعد الأحكام في مصالح الأنام، تحقيق: محمود بن التلاميد الشنقيطي، دار المعارف، بيروت/ لبنان، دون ذكر سنة النشر، ج1 ص128.
37)  وزارة الأوقاف والشئون الإسلامية بالكويت، الموسوعة الفقهية الكويتية، مطابع دار الصفوة، مصر، 1410هـ، الطبعة الأولى.
38)  محمد بن مكرم بن منظور الأفريقي المصري، لسان العرب، دار صادر، بيروت، دون ذكر سنة  النشر، الطبعة الأولى.
39)  محمد بن يعقوب الفيروزآبادي، القاموس المحيط، دون ذكر دار الناشر ولا مكانه ولا سنته.
40)  محمد بن أبي بكر بن عبدالقادر الرازي، مختار الصحاح، تحقيق: محمود خاطر، مكتبة لبنان ناشرون، بيروت، 1415هـ/1995م، طبعة جديدة.
41)  د./ محمد أحمد عبد الغني، العَدالَة الاجْتِمَاعِيَّة في ضوء الفِكْر الإسلامي المعاصر، رسالة دكتوراه، كلية الإمام الأوزاعي الجامعة الإسلامية بالمدينة المنورة، 1424هـ/ 2004/م.
42)  أبو محمد الحسين بن مسعود البغوي المتوفى: 510هـ، معالم التنزيل، تحقيق: محمد عبد الله النمر (وآخرون)، دار طيبة للنشر والتوزيع، دون ذكر مكان النشر، 1417هـ/1997م، الطبعة الرابعة.
43)  محمد بن عيسى أبو عيسى الترمذي السلمي، الجامع الصحيح سنن الترمذي، تحقيق: أحمد محمد شاكر وآخرون، دار إحياء التراث العربي – بيروت، دون ذكر سنة النشر.
44)  محمد الأمين بن محمد المختار بن عبد القادر الجكني الشنقيطي المتوفى: 1393هـ، أضواء البيان في إيضاح القرآن بالقرآن، دار الفكر للطباعة والنشر والتوزيع، بيروت/ لبنان، 1415هـ/1995م.
45)  د./ محمد رواس قلعه جي (وآخر)، معجم لغة الفقهاء، دار النفائس للطباعة والنشر والتوزيع، شارع فردان - بناية الصباح/ بيروت- لبنان، 1408ه‍/ 1988م، الطبعة الثانية.
46)  منصور بن يونس بن إدريس البهوتي، كشاف القناع عن متن الإقناع، تحقيق: هلال مصيلحي  مصطفى هلال، دار الفكر، بيروت، 1402هـ.


اترك تعليق