مقاصد التشريع الجنائي الإسلامي

By : حسن بن إبرهيم الهنداوي

لقد أنزل الله هذه الشريعة رحمة للناس ورأفة بهم، وشرع من الحدود ما يدفع به التظالم بين الناس، ويحفظ الأفراد والمجتمع من بلاء عظيم، وخطر عميم. ولذا، فتعدّ أحكام الشريعة المتعلقة بسنّ عقوبات لبعض الجرائم التي يقترفها الناس من حين لآخر جزءا لا يتجزأ من التشريع الإسلامي الحكيم وإنْ كان بغير حقّ مهجور. ناهيك عما وجده نظام العقوبات في الإسلام من جفاء من قبل أهله، فضلاً عما وجهه الغربيّون من اتهامات للفقه الجنائي الإسلامي ووصمه بالتخلف، وسَلْقهم له بألسنة حِدادٍ حيث بدا لهم بادئ الرأي أنّ تشريعاته لا تتماشى مع كرامة الإنسان فضلا عن منافاة قوانينه للتحضر والتمدّن. فاعتقدوا أنّ التشريع الجنائي الإسلامي لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعيّة في رقيّها وتحضّرها. فدراسة التشريع الجنائي الإسلامي دراسة مقاصديّة تبرز حِكمه وعِلله المنوطة به لإثبات خلاف ما أثبته المرجفون في الغرب والشرق لها أهميّة كبرى تجعل الفرصة سانحة لكي نعيد الاعتبار لهذا "الجزء المنبوذ والمظلوم في الشريعة الإسلاميّة"، وإزالة ما أثير حوله من شبهات وأباطيل. ناهيك عن إثبات أنّ الجزء المتعلق بالجنايات صالح للتطبيق في عصرنا الحالي، وفي المستقبل كما كان صالحاً كلّ الصلاحيّة في الماضي، بل لعلنا اليوم في حاجة آكد من قبل لتطبيقه لعموم الجنايات وانتشارها في المجتمعات الإنسانيّة انتشار النار في الهشيم، حيث عمّ الفساد البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.


ولقد عبّر عبد القادر عوده رحمه الله عن هذا الموقف العدائي من التشريع الجنائي بقوله"أما القسم الجنائي فهو في عقيدة جمهور رجال القانون لا يتفق مع عصرنا الحاضر ولا يصلح للتطبيق اليوم، ولا يبلغ مستوى القوانين الوضعيّة. وهي عقيدة خاطئة مضللة"  لأنها مبنيّة على جهل مطبق بنظام العقوبات في شريعة الإسلاميّة، والغاية من إيقاعها على الجناة المعتدين على حدود الله، والمحدِثِين بالناس ضرراً، وفساداً لا تستأصل شأفته إلا بإيقاع العقوبات الشرعيّة كما حدّدها الشارع على كلّ معتد أثيم. والحاصل أنّ هذه الدّراسة سيتم تقسيمها على مبحثين؛ أولهما يتناول فلسفة العقوبة في التشريع الجنائي ومغزاها ويتمّ ذلك ببيان مقصد الشريعة من العقوبات، وثانيهما يتعرض لأثر التشريع الجنائي الإسلامي في حفظ مقاصد الشارع وحمايتها. وفضلا عن ذلك سيتم دراسة بعض من المسائل الآنفة الذكر مقارنة بالقوانين الوضعيّة المعاصرة المتعلقة بنظام الجرائم وعقوباتها ما استطعت إلى ذلك سبيلا. ولكن قبل الخوض في تفصيل القول في فلسفة العقوبة سأذكر تعريفات مختصرة لكلّ من الجناية، والعقوبة، والجريمة. 


فتطلق كلمة الجناية في الفقه الإسلامي ويقصد بها "كلّ فعل محرّم شرعا، سواء وقع الفعل على نفس أو مال أو غير ذلك" . فهذا التعريف الشرعي يشمل كلّ جريمة، وعليه فتشمل كلمة الجناية جرائم الحدود، وجرائم القصاص، وتشمل أيضاً جرائم التعزير. ولكن أغلب الفقهاء قصروا اسم الجناية على التعدّي الواقع على نفس الإنسان وأطرافه. فتكون الجناية بهذا المعنى مرادفة للقصاص والديات فحسب، فلا تشمل الجرائم المتعلقة بالحدود والتعزيرات . وعليه، فنجد أنّ الإمام ابن رشد مثلاً قد استخدم اسم الجنايات لكلّ أنواع الجرائم إذ يقول في كتاب الجنايات:"والجنايات التي لها حدود مشروعة أربع: جنايات على الأبدان والنفوس والأعضاء وهو المسمى قتلًا وجرحاً، وجنايات على الفروج وهو المسمى زنى وسفاحاً، وجنايات على الأموال... وجنايات على الأعراض وهو المسمى قذفاً، وجنايات بالتعدّي على استباحة ما حرمه الشارع من المأكول والمشروب، وهذه إنما يوجد فيها حدّ في هذه الشريعة في الخمر فقط، وهو حدّ متفق عليه بعد صاحب الشرع صلوات الله عليه" .


وأما الجريمة عند الفقهاء فقد عرّفها الإمام الماوردي بقوله:"الجرائم محظورات شرعيّة زجر الله تعالى عنها بحدّ أو تعزير، ولها عند التهمة حال استبراء تقتضيه السياسة الدينيّة، ولها عند ثبوتها وصحتها حال استيفاء توجبه الأحكام الشرعيّة" . فنتبيّن من هذا التعريف أنّ الجريمة في الشريعة الإسلاميّة تشمل ما حرّمه الشارع وحظره على الناس. ولكن ليس كلّ شيء حرّمه الشارع يعدّ جريمة بالمعنى الفقهي المشار إليه آنفا، وإن كان يدخل في معنى الجريمة من الناحية اللغوية، والمعنى الشرعي العام للجريمة بمعنى اكتساب ما فيه إثم. فالمعاصي كلّها تعد جرائم بالمعنى الشرعي العام إذ إن كلّ معصيّة تعد جريمة لأن فيها اكتساب شرّ وإثم فضلا عن اشتمالها على ضرر يلحق بالفرد أو المجتمع. والحاصل أنّ الجريمة التي تعدّ جناية في عرف الفقهاء ما ترتب عليها عقوبة دنيويّة، والتي عبّر عنها الماوردي بقوله "زجر الله عنه بحدّ أو تعزير". ولذا، فإنّ الجرائم المنصوص عليها تكون على نوعين جرائم يترتب عليها عقوبة حدّية، وأخرى يترتب عليها عقوبة تعزيريّة. وبعبارة أخرى، فإنّ العقوبة قد تكون مقدرة من قبل الشارع والمعبّر عنها بالحدّ، وقد تكون غير مقدرة والمسماة تعزيراً.


المبحث الأول: فلسفة العقوبة في التشريع الجنائي ومغزاها
  
 إنّ هذه الدّارسة تستخدم فقه الجنايات بالمعنى العام بحيث تشمل كلّ أنواع الجرائم التي رتبت عليها الشريعة عقوبة مقدّرة أو غير مقدّرة، سواء كانت الجناية على البدن أو المال أو غيرهما. ولما لم يكن من غرضي أنْ أفصِّل القول في أنواع العقوبات فكتب الفقه طافحة ببحث هذه المسائل، فسأشرع في الحديث عن فلسفة العقوبة مبتدئا ببيان فلسفة الرحمة في العقوبة الشرعيّة.


أولا: العقوبة رحمة وليست بنكاية
   يعدّ ضربا من الأوهام أو شيئا من أضغاث الأحلام أنْ يقال بأنّ العقوبة في الإسلام رحمة وليست بنكاية عند علماء القانون من الغربييّن ومن حذا حذوهم، وسلك طريقهم. بل يرى هؤلاء أنّ العقوبة في الإسلام إنما هي تعذيب للجاني، وإهدار لإنسانيته وكرامته، فلا رحمة فيها، ولا شفقة. فمثل هذا الأمر دعاني إلى أن أبدأ حديثي عن فلسفة العقوبة في التشريع الجنائي ببيان مغزى يعدّ من الأمور التي انفردت بها شريعة الإسلام عن غيرها من التشريعات، والقوانين الأخرى وأعني بذلك أنّ العقوبة ليست بنكاية، بل هي رحمة بالجاني خاصّة، وبالناس عامّة، "فينبغي أنْ يعرف أنّ إقامة الحدّ رحمة من الله بعباده" . وعليه، فقد اعتبر العلامة ابن عاشور أنّ "انتفاء النكاية عن التشريع هو من خصائص شريعة الإسلام" . "ولذلك لم يجز أن تكون الزواجرُ، والعقوباتُ، والحدودُ إلا إصلاحاً لحال الناس بما هو اللاَّزم في نفعهم دون ما دونه، ودون ما فوقه، لأنه لو أصلحهم ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقاب فوق اللاَّزم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية دون مجرّد الإصلاح" . وإيضاحا لذلك أقول إنّ "الشريعة لا تشتمل على نكاية بالأمّة"  حتى في حال سنّ عقوبات التي  في ظاهرها عذاب، ولكن في باطنها الرحمة كلّها. وسبب ذلك أنّ الله  قال في محكم التنزيل:مَّا يَفْعَلُ اللّهُ بِعَذَابِكُمْ إِن شَكَرْتُمْ وَآمَنتُمْ وَكَانَ اللّهُ شَاكِراً عَلِيماً(النساء:147)، فليس لله  منفعة أو حاجة في تعذيب الناس، فتكون العقوبات التي شرّعها الله  إنما قصد بها إصلاح الناس، ودفع الضرر عنهم، رحمة بالعباد، ورفقاً بهم.


وبناء على ذلك، يظهر معنى الرحمة في العقوبات الشرعيّة في كونها جوابر وزواجر، وإن كانت التشريعات كلّها فيما يتعلق بوضع عقوبات للجرائم المرتكبة في المجتمع تسعى إلى منع الجريمة، وتهدف إلى الحدّ من انتشارها، إذ من المفروض أنْ تكون أيّ عقوبة مانعة من ارتكاب الجريمة مرة أخرى فضلا عن كفِّ الآخرين عن اقترافها، والاقتراب منها. فإذا لم تكن للعقوبات هذه الغاية فيصبح وضع العقوبات عبثا من العبث. ورغم اتحاد التشريعات في الغاية من العقوبة، فإنّ القوانين الوضعيّة لم تفلح فيما سنته من أحكام متعلقة بالجرائم، بل إنّ ما سنته من تشريعات قد ساعد على كثرة الجرائم ونموّها، وانتشارها في المجتمع ، بل إنها لم تمنع المجرمين أنفسهم من العودة إلى الجريمة، والقيام بارتكابها مرات ومرات دون خوف من العقوبة أو خشية من القانون . وأما التشريع الجنائي الإسلامي فيقصد قصدا مباشرا من وضع العقوبات إلى منع الجريمة، والحدّ من انتشارها، وفي ذلك رحمة بالناس أيّما رحمة. والحاصل أنّ الرحمة في العقوبات الشرعيّة تظهر في أمرين يعتبران من فلسفة العقوبة، ومقصد الشارع من تشريع العقوبات وأعني بذلك اعتبار العقوبات زواجر وجوابر، وسأفرد كلاّّ منهما بكلام يبيِّن هذا الأمر، ويكشف حقيقته.    


أ ـ العقوبات زواجر: العقوبات في التشريع الإسلامي عبارة عن زواجر للجاني وغيره على حدّ ساء، ولا يقصد منها الأذى والألم أصالة، وإن نتج عنها تبعاً. ولذا، يقول القرافي:"الزواجر معظمها على العصاة زجراً لهم عن المعصيّة، وزجرا لمن يقدم بعدهم على المعصيّة" . ومن ثمّ، فالعقوبة تهدف إلى منع وقوع الجريمة ابتداء أو في المستقبل بحيث إنّ المتأمل في العقوبات الشرعيّة يجد أنّ لها وقعا في الأنفس يترتب عليه الخوف من أنْ تحل به إحدى العقوبات، فيحدث امتناع من الفرد عن الاقتراب من الجرائم التي نصّ عليه الشارع. ولعلّ هذا الأمر هو الذي قصده الشارع الحكيم من جعل "معظم العقوبات أذًى في الأبدان لأنه الأذى الذي لا يختلف إحساس البشر في التألم منه، بخلاف العقوبة الماليّة فإنها لم تجئ في الشريعة، وإنما جاء غرم الضرر" . ناهيك عن أنّ الحدود يقطع تطبيقها علانيّة لا سرا مما يكون له وقع كبير على النفوس، حيث لا أحد يرضى لنفسه أنْ يكون في ذلك الموضع المهين، والموقف المشين. وعليه، فإنّ "العقوبات في النظام الجنائي الإسلامي قد شرعت لتحقيق المنع العام، فإذا نفذت على شخص معيّن فإنها تمنعه بذاته من العود إلى الإجرام مرة أخرى. وفي تنفيذها علناً ما يؤكدّ معنى المنع العام لهذه العقوبات" . فتنفيذ العقوبات بصورة علنيّة أمر مقرر في الفقه الإسلامي بناء على النصوص الشرعيّة من القرآن الكريم، والعمل التطبيقي للعقوبات من قبل الرسول . كما قال تعالى في تنفيذ عقوبة الزنا:الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ(النور:2). وقد عبّر ابن فرحون عن هذا الأمر بقوله:"يجب أن تكون إقامة الحدود علانيّة غير سرّ لينتهي الناس عما حرّم الله عليهم" . "وفقه ذلك أنّ الحدّ يردع المحدود، ومن شهده وحضره يتعظ ويزدجر لأجله، ويشيع حديثه فيعتبر به من بعده" ، وذلك مقصد الشارع من إيقاع العقوبة علانيّة كما هو معلوم من سنّة المصطفى  في تطبيقه للحدود.


ولا شكّ أنّ هذه الطريقة في العقاب لها أثر قوّي في منع وقوع الجريمة، وشأن كبير في الحدّ من انتشارها، الأمر الذي يجعل من تطبيق العقوبة الشرعيّة، وإيقاعها على طريق العلن دون السرّ رحمة للناس بحيث تكون مانعة لمعظم أفراد الأمة، وزاجرة لهم عن الوقوع في الجرائم المفضيّة لمثل هذا النوع من العقوبات. وزيادة على ذلك، فإنّ العقوبة الشرعيّة فيها رحمة بالجاني نفسه، بحيث تكون زاجرة له، فلا يعود إلى الجريمة مرة أخرى، ولا تَعُد تخطر له على بال من جرّاء ما لحقه من الأذي البدني، والنفسي. فالأذي البدني مثمثِّل فيما يلحقه جسده من الألم، والأذي النفسي في إقامة الحدّ علنا، ويشهده الناس على تلك الحال فلا يرضى لنفسه أن يعود إلى تلك الحال المخزية مرة أخرى إلا إذاكان في طبعه لؤم وخسّة تمنعان نفاذ الحياء إلى قلبه فيستحقّ أنْ تكرر له العقوبة ولولي الأمر أن يغلّضها بالتعزير إذا تمادى شره، ولم يرتدع عن جرائمه. وهذا الصنف من الناس يندرج ضمن قول النبي :"إن ممَّا أدرك الناس من كلام النبوة الأولى إذا لم تستحي فافعل ما شئت"، وفي رواية "فاصنع" .  


والحاصل أنّ معنى الزجر في العقوبة مقصود أصالة في التشريع، ولا يقصد الشارع إلى تطبيقها نكاية في الناس، وتعذيباً لهم، بل في تشريعها رحمة بالأفراد، ومصلحة للمجتمع. ومن ثم، فيلاحظ المتأمل المنصف من خلال المقارنة بين ما كانت عليه المجتمعات الإسلاميّة سابقاً وما آلت إليه حالة المجتمعات المعاصرة فيتبيّن له الفرق الهائل بين أثر العقوبة في المجتمعين. فالمجتمعات الإسلاميّة لما طبّقت العقوبات الشرعيّة قد ساد مجتمعاتها الفضيلة، وانزوت فيها الرذيلة، وكثر خيرها، وقلّ شرها. "ومما يدل على أثر تشريع هذه العقوبات في إصلاح المجتمع ما طرأ على الحجاز في عصرنا هذا. فقد كانت مرتعاً لجرائم السّرقة، وقطع الطريق، وكان الحجاج من رجال ونساء لا يأمنون على أنفسهم في رحلتهم إلى مكّة لأداء فريضة الحجِّ. ولما تنبهت الدولة لهذا الخطر طبّقت حدّا السّرقة، وحدّ الحرابة فنشر الأمن لواءه، وصارت بلاد الحجاز مضرب المثل في الأمن والاستقرار" . وأما المجتمعات الإنسانيّة المعاصرة رغم أنها وضعت عقوبات للجرائم لكنها لم تفلح لا في الحدّ من شيوع الفساد، ولم تفلح أيضا من منع المجرمين من تكرار الجريمة مرات ومرات. وهذا الأمر أعني بذلك عدم جدوى العقوبة في منع الجريمة، وزجر المجرمين قد تسربت إلى المجتمعات الإسلاميّة لأنها قد اتبعت الغرب في قانون العقوبات، وتخلت عن التشريع الجنائي الإسلامي، فاسبتدلت الذي هو خير بالذي هو أدنى فأصابها ما أصابهم . فـ"الشريعة طبقت في عصر الرسول، وعصر الراشدين، وعصر الحكّام العادلين، وإنّ التجربة تعطينا صورة اجتماعيّة مبيّنة لمقدار التفاوت بين شريعة الرحمن وشرائع الإنسان. وإنّ نظر واحدة بين حال جماعة تطبّق الشريعة ومقدار الأمن في ربوعها، وحال مدينة من مدن أروبا التي تموج بالناس، وقد تقطعوا أوزاعا وهم لا يؤمنون بقانون؛ لأنه من صنع البشر" ، فلا يبالون بخرقه وانتهاكه باستمرار.


ب ـ العقوبات جوابر: إذن، فالعقوبات في التشريع الإسلامي عبارة عن زواجر للجاني وغيره على حدّ السّواء ففيها رحمة بأفراد المجتمع كلّهم بما فيهم الجاني. ناهيك عن أنّ العقوبة فيها رحمة خاصّة بالجاني إذ هي من الجوابر، وهي بذلك تعدّ من خصائص شريعة الإسلام. ومعنى ذلك أنّ العقوبة تجبر ما وقع فيه المسلم من الإثم بسبب المعصيّة التي اجترحها، وتدفع عنه ما قد يصيبه من العذاب في الآخرة. وتوضيحا لذلك أقول إنّ المعاصي كلّها تعد جرائم بالمعنى الشرعي العام إذ إن كلّ معصيّة تعتبر جريمة لأنّ فيها اكتساب شرّ وإثم فضلا عن اشتمالها على ضرر يلحق بالفرد أو المجتمع. فهناك معاصي نص عليها الشارع، ولم يرتب عليها عقوبات دنيويّة، ولا كفّارة، بل توعدّ مقترفيها بالعذاب الأخروي مثل أكل الميتة، ولحم الحنـزير، والربا، والكذب، والنميمة، وشهادة الزور، والرشوة، وأكل أموال اليتامى ظلما وغيرها من الجرائم والمعاصي التي حرّمها دون أن يضع لها كفارة أو عقوبة دنيويّة، ولكن يمكن أن يكون فيها تعزير من باب السياسة الشرعيّة. فإتيان ما حرمته الشريعة من تجعل صاحبها عرضة للتعزير قصد منعه من انتهاك ما حظره الشارع من باب الأمر بالمعروف، والنهي عن المنكر.


ولذا، فـ"من أتي معصية لا حدّ فيها ولا كفّارة عزِّر على حسب ما يراه السلطان"، بل بعض الفقهاء يرونه واجباً؛ فـ"التعزير هو التأديب وهو واجب في كلّ معصيّة لا حدّ فيها ولا كفّارة" . وهناك جملة أخرى من المعاصي التي نصّ عليها الشارع، ورتّب عليها كفارة دون أنْ يضع لها عقوبة دنيويّة مثل الجماع أو الصيد في حال الإحرام، والوطء في نهار رمضان، والظهار، واليمين الغموس كما ورد جملة من الكفارات في آي الذكر الحكيم منها قوله تعالى:لاَ يُؤَاخِذُكُمُ اللّهُ بِاللَّغْوِ فِي أَيْمَانِكُمْ وَلَكِن يُؤَاخِذُكُم بِمَا عَقَّدتُّمُ الأَيْمَانَ فَكَفَّارَتُهُ إِطْعَامُ عَشَرَةِ مَسَاكِينَ مِنْ أَوْسَطِ مَا تُطْعِمُونَ أَهْلِيكُمْ أَوْ كِسْوَتُهُمْ أَوْ تَحْرِيرُ رَقَبَةٍ فَمَن لَّمْ يَجِدْ فَصِيَامُ ثَلاَثَةِ أَيَّامٍ ذَلِكَ كَفَّارَةُ أَيْمَانِكُمْ إِذَا حَلَفْتُمْ وَاحْفَظُواْ أَيْمَانَكُمْ كَذَلِكَ يُبَيِّنُ اللّهُ لَكُمْ آيَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ(المائدة:89). وهناك جملة أخرى من المعاصي التي نصّ عليها الشارع ورتّب عليها عقوبات دنيويّة وهي الجرائم التي يترتب على فعلها حدّ أو قصاص مثل جريمة الزنا، والسرقة، وشرب الخمر وغيرها.


والحاصل أنّ العقوبة الدنيويّة تكون رحمة بالجاني لأنها تمنعه من التمادي في الجريمة، والعود إليها، "فبإقامة العقوبة على الجاني يزول من نفسه الخبث الذي بعثه على الجناية" ، كما وقعت الإشارة إلى ذلك في قوله تعالى المتعلِّق بجريمة القذف:يَعِظُكُمُ اللَّهُ أَن تَعُودُوا لِمِثْلِهِ أَبَداً إِن كُنتُم مُّؤْمِنِينَ(النور:17). فالعقوبة فيها وعظ للمؤمن أن يعود لمثل ذلك الفعل الذي فيه إثم، ويلحقه به أذى في الدنيا والآخرة، فإذا تسببت العقوبة في كفّه عن العود إلى الجريمة فقد تحققت الرحمة بالجاني حتى لا يعظم إثمه، ويزداد شرّه، ويتعاظم ذنبه، فيلقى ربّه غير مثقل بالآثام والمعاصي. وزيادة على ذلك، فإنّ العقوبة تطهّر الجاني من إثم ما اقترفه من الجرائم التي لها عقوبات دنيويّة، وتكون بمثابة التوبة كما هو مصرّح به في حديث "جابر أنّ رجلاً من أسلم (وهو ماعز بن مالك الأسلمي)، جاء النبي  فاعترف بالزنا، فأعرض عنه النبي  حتى شهد على نفسه أربع مرات، قال له النبي : أبك جنون. قال: لا، قال: آحصنت. قال: نعم، فأمر به فرجم بالمصلَّى، فلما أذلقته الحجارة فرَّ، فأدرك فرجم حتى مات. فقال له النبي  خيراً، وصلى عليه"، وعند مسلم أنه قال فيه:"لقد تاب توبة لو قسمت بين أمة لوسعتهم" . وفي صحيح مسلم "جاءت الغامدية فقالت: يا رسول الله! إني قد زنيت فطهرني...ثم أمر بها فحفر لها إلى صدرها، وأمر الناس فرجموها، فيقبل خالد بن الوليد بحجر، فرمى رأسها، فتنضح الدم على وجه خالد، فسبها. فسمع نبي الله  سبع إياها، فقال:"مهلا! يا خالد! فوالذي نفسي بيده! لقد تابت توبة، لو تابها صاحب مكس لغفر له"، ثم أمر بها فصلى عليها ودفنت" .


   ولقد "بلغ من سعة رحمة الله وجوده أنْ جعل تلك العقوبات كفارات لأهلها، وطهرة تزيل عنهم المؤاخذات بالجنايات إذا قدموا عليه، ولاسيما إذا كان منهم بعدها التوبة النصوح والإنابة، فرحمهم بهذه العقوبات أنواعا من الرحمة في الدنيا والآخرة" . فـ"عن عبادة بن الصامت  قال: كنا مع رسول الله في مجلس، فقال:"تبايعوني على أن لا تشركوا بالله شيئا، ولا تزنوا، ولا تسرقوا، ولا تقتلوا النفس التي حرم الله إلا بالحق، فمن وفى منكم فأجره على الله، ومن أصاب شيئا من ذلك فعوقب به، فهو كفارة له، ومن أصاب شيئا من ذلك فستره الله عليه، فأمره إلى الله، إن شاء عفا عنه وإن شاء عذبه" . ولقد أورد الإمام الشافعي هذا الحديث في كتابه "الأم" في كتاب الحدود، باب "أنّ الحدود كفّارات لأهلها"، وعلّق عليه بقوله:"ونحن نحبّ لمن أصاب الحدّ أن يستتر، وأن يتقي الله ، ولا يعود لمعصية الله، فإنّ الله  يقبل التوبة عن عباده" . إذن، فالعقوبة الشرعيّة فيها رحمة عظيمة بالجاني حيث تخفف عنه عبء إثم المعصيّة، وتطهره من الذنوب، وتكفّر عنه سيئاته كما قال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(التحريم:8). فالمقصود أنّ العقوبات تحقق مصلحة عاجلة، وأخرى آجلة؛ فالعاجلة ما يقع بها من ازدجار الناس، وردع الجناة، والآجلة ما يحصل بها من تطهير الجاني باعتبار أنّ العقوبة كفّارة له عما اقترفه من إثم، ولو لم لم يكن للعقوبة الشرعيّة إلا هذين المصلحتين لكانت في منتهى الرحمة. 


ثانيا: العقوبة أذى يلحق بدن الجاني دون ماله في الغالب 
   ومما يعضِّد ما سبق ذكر من كون العقوبة الشرعيّة فيها رحمة باعتبارها زاجرة للجاني وغيره، وجابرة لما يقع فيه الجاني من الإثم والمعصيّة أنها أذي يلحق بدن الجاني. وهذا يعني أنّ تشريعات الإسلام قد قصدت إلحاق أذى بالجاني يكون له أثرا في ردعه عن القيام بالجريمة وإتمامها أو تمنعه من العودة إليها إذا اقترفها. ولقد اختلفت القوانين الوضعيّة عن تشريعات الإسلام في هذه المسألة، واختلفت نظرتهم للعقوبة فجاءت القوانين الوضعيّة في الغالب بعقوبات ماليّة، وسجنيّة تختلف مقاديرها ومددها تبعا لاختلاف أنواع الجرائم. بل إنّ القوانين الغربيّة تعتبر أنّ "بداية القرن التاسع عشر قد اختفت منه العقوبة البدنيّة(Physical Punishment)، وتم الابتعاد عن تعذيب البدن، وقد أقصِي الألم المتكلّف في العقوبة، وقد بدأ عصر الاعتدال والاتزان في العقوبة" . ولكن ما تفتخر به القوانين الوضعيّة، وتعدّه منقبة وهو ليس كذلك لم يفلح في تحقيق الغاية من العقوبة، والقصد من سنّها وأعني بذلك الحدّ من انتشار الجرائم، وزجر الناس من الوقوع فيها، وردع الجناة، ومنعهم من العود إلى ما فعلوه من الجرائم. فالواقع يكذِّب ذلك، حيث إنّ الجرائم في انتشار، وأنّ المجرمين يرتكبون الجرائم مرارا ولو أنه سجن عشرات المرّات، وغرّم من المال الشيء الكثير. وسبب ذلك أنّ ما سنّته القوانين الوضعيّة من عقوبات ليس لها أثر على الجاني، بل قد تدفعه إلى ارتكاب الجريمة مرة أخرى، وتشجعه على ذلك لأنه لم يلحقه أيّ أذى منها، بل هو في السّجن ينام، ويلعب، ويمرح، ويأكل، ويشرب مجانا. وأسوأ من ذلك كلّه أنه قد يدخل المجرم البسيط إلى السجن فيجد فيه قرناء سوء ممن لهم باع طويل في العمل الإجرامي، فيوحون إليه بما لديهم من السّوء، فيخرج من السجن مجرما أكبر بكثير مما كان عليه قبل دخوله السّجن ، بل إنّ "السّجن طريق مكلِّف لجعل المرء السّيء أكثر سوءا"  (Prison is an expensive way of making bad people worse). ناهيك عن أنّ كثيرا من الدِّراسات الحديثة عن السّجن والمساجين أثبتت عدم جدوى مثل هذه العقوبة، بل إنّ ظاهرة الانتحار بين المسجونين قد أصبح ظاهرة منتشرة، حيث يلجأ إليها السجين للهروب مما يجده في السجن من تعذيب، وتعدٍّ على كرامته وإنسانيّته . ولذا، فقد أصبح السّجن "مؤسسة العنف"(Violent Institution) بتعبير "فيل سكرنتون"، حيث يلقى فيها السّجين أنواعا من العذاب، وضروبا من التنكيل، والخزي، والإذلال التي لا تليق بكرامة الإنسان من قبل المسؤولين عن السّجن وإدارته .


   وأما في الشريعة فإنّ الله  هو الذي شرع العقوبة التي يكون فيها إصلاح الناس، ومنفعتهم، وهو عالم بما خلق، وعليم بما يصلحهم كما قال تعالى:أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ(الملك:14). فقصد الشارع إلى جعل "معظم العقوبات أذًى في الأبدان لأنه الأذى الذي لا يختلف إحساس البشر في التألم منه، بخلاف العقوبة الماليّة فإنها لم تجئ في الشريعة، وإنما جاء غرم الضرر" . ومن ثمّ، ففلسفة العقوبة في التشريع الجنائي الإسلامي أن يحصل بها أثر وتأثّر، حتى لا تكون ضربا من العبث، فالشارع قد قصد إلى ذلك لتحقيق الغاية التي من أجلها سُنّت العقوبات وشُرِّعت. وهذا أمر لا يتحقق إلا بالعقوبة البدنيّة، والتي بها يقع امتناع من قبل الفرد عن الاقتراب من الجرائم التي نصّ عليها الشارع، وزجر لغير الجاني من الاقتراب منها بسبب ما فيها من الأذى البدني، والآذى النفسي كما نبهت على ذلك سابقاً. وعليه، فإنّ العقوبة البدنيّة تحقق مقصد الشارع من ردع الجاني، وزجر غيره فضلا عن أنها لا تضر بالناس، فلا تتسبب في تعطيل جزء من المجتمع، بل تطبّق العقوبة، ويستمر من طبّقت عليه العقوبة في ممارسة أعماله، ونفع نفسه ومجتمعه.


   ولذا، فقد نهت الشريعة عن إيذاء من أقيمت عليه عقوبة بالقول أو الفعل؛ فلا يعيّر، ولا يشتم، ولا يسبّ. فقد ورد في حديث:"أَبِي هُرَيْرَةَ قال: قَالَ النَّبِيُّ  إِذَا زَنَتْ الْأَمَةُ فَتَبَيَّنَ زِنَاهَا فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ فَلْيَجْلِدْهَا وَلَا يُثَرِّبْ ثُمَّ إِنْ زَنَتْ الثَّالِثَةَ فَلْيَبِعْهَا وَلَوْ بِحَبْلٍ مِنْ شَعَرٍ". قوله "ولا يثرب" أي لا يجمع عليها العقوبة بالجلد وبالتعيير، وقيل المراد لا يقتنع بالتوبيخ دون الجلد. وفي رواية سعيد عن أبي هريرة عند عبد الرزاق "ولا يعيرها ولا يفندها". قال ابن بطال: يؤخذ منه أن كلّ من أقيم عليه الحدّ لا يعزر بالتعنيف واللوم وإنما يليق ذلك بمن صدر منه قبل أن يرفع إلى الإمام للتحذير والتخويف، فإذا رفع وأقيم عليه الحد كفاه. قلت: وقد تقدم قريبا نهيه  عن سب الذي أقيم عليه حدّ الخمر وقال "لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم" . وبالمقابل يلاحظ أنّ القوانين الوضعيّة التي تميل في الغالب إلى السجن، وحبس الجاني، الأمر الذي سلب العقوبة القصد من وضعها، فأصبحت غير قادرة على ردع الجناة، ولا زجر غيرهم. ناهيك عن أن سجن الجناة يصبح كَلاًّ على المجتمع، بحيث يتم تعطيل جزء من المجتمع، بل يكلّف الدولة مبالغ ماليّة كبيرة من أجل النفقة على المسجونين، فضلا عن أنّ الجاني يلحقه كثيرا من الأذي بعد خروجه من السجن . وسبب ذلك أنّ الجريمة تدوّن في الملف الخاصّ به، وتدوّن مدّة السجن، وتبقى تلك الجريمة تلاحقه أينما ذهب، وحيثما حلّ، وتكون مانعا له من الحصول على عمل، بل ويلحقه الأذى بالقول والتعيير مما يؤدي به إلى النقمة على الناس جميعا، ويصبح كأنه فردا منبوذا في المجتمع مما يولّد لديه إحساس بالانتقام، ويزرع في قلبه الشرّ الذي يصعب اجتثاثه بعد أنْ استولى على قلبه، واستحوذ على نفسه. فلا جرم أنْ يرتكب الجاني جرائم أكبر من ذي قبل، وأن يعود لارتكابها مرارا مادام يشعر بأنه في نظر الناس مجرما، وأنّ العقوبة بالسجن أو التغريم المالي لا تزيل من نفسه معنى الجريمة ولا تمنعه من التفكير في ارتكابها مرّة أخرى متى وجد إلى ذلك سبيلا. فندرك حكمة الشريعة في نهي الرسول  عن سبِّ الذي أقيم عليه حدّ الخمر وقال "لا تكونوا أعوانا للشيطان على أخيكم" ، فيعود ذلك الفرد الجاني إلى المجتمع، ويستمر في أداء وظيفته فيه فيزال الضرر عنه، ويرفع الضرر عن مجتمعه أيضا.


ثالثا: عدم إيقاع العقوبة مقصد شرعي
   يبدو غريباً كلّ الغرابة أنْ يُقال أنّ من مقاصد الشارع عدم إيقاع العقوبة، بل القصد عدم تعطيلها لدفع الضرر عن الناس، نظرا لما شاع بين الناس أنّ الشريعة تقصد إلى إيقاع العقوبة قصداً مباشراً، وتلك غايتها. وسبب ذلك ما شاع من فهم خاطئ لروح الشريعة ومقاصدها، حتى إنّه أصبح يتبادر إلى عقول الكثير عندما يسْمعون بتطبيق الشريعة أنها تعني تطبيق الحدود، فوقع بهذا الوهم اختزال الشريعة في الحدود فحسب، رغم أنها تمثّل جزءا صغيرا من شريعة الإسلام وتشريعاته. ناهيك عن أنّ تطبيق العقوبة يكون محدودا جدا إذا علمنا أنّ من فلسفة العقوبة في الإسلام عدم إيقاعها، وأنّ ذلك يمثِّل مقصدا من مقاصد الشريعة، وهذا الأمر يعضِّد ما ذكرته سابقا من كون العقوبة ليست بنكاية في الجاني، بل هي رحمة له خاصّة، وللناس عامّة. ومن ثمّ، فإنّ استقراء نصوص الشريعة تدل على أنّ الشارع قد رغّب في التوبة من الذنوب والمعاصي، وأطلق التوبة ولم يقيّدها بنوع من المعاصي، فتشمل التوبة ضروب المعاصي كلّها بما في ذلك الجرائم التي رتّب عليها الشارع عقوبات دنيويّة.


   فلقد حرّض الشارع المؤمنين جميعا على التوبة فقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا تُوبُوا إِلَى اللَّهِ تَوْبَةً نَّصُوحاً عَسَى رَبُّكُمْ أَن يُكَفِّرَ عَنكُمْ سَيِّئَاتِكُمْ وَيُدْخِلَكُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِن تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ يَوْمَ لَا يُخْزِي اللَّهُ النَّبِيَّ وَالَّذِينَ آمَنُوا مَعَهُ نُورُهُمْ يَسْعَى بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَبِأَيْمَانِهِمْ يَقُولُونَ رَبَّنَا أَتْمِمْ لَنَا نُورَنَا وَاغْفِرْ لَنَا إِنَّكَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ(التحريم:8)، فضلا عن قوله تعالى:غَافِرِ الذَّنبِ وَقَابِلِ التَّوْبِ شَدِيدِ الْعِقَابِ ذِي الطَّوْلِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ إِلَيْهِ الْمَصِيرُ(غافر:3)، ثمّ قوله تعالى:وَهُوَ الَّذِي يَقْبَلُ التَّوْبَةَ عَنْ عِبَادِهِ وَيَعْفُو عَنِ السَّيِّئَاتِ وَيَعْلَمُ مَا تَفْعَلُونَ(الشورى:25). وزد على ذلك قوله تعالى:إِنَّمَا التَّوْبَةُ عَلَى اللّهِ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السُّوَءَ بِجَهَالَةٍ ثُمَّ يَتُوبُونَ مِن قَرِيبٍ فَأُوْلَـئِكَ يَتُوبُ اللّهُ عَلَيْهِمْ وَكَانَ اللّهُ عَلِيماً حَكِيماً(النساء:17)، وقوله تعالى:وَإِنِّي لَغَفَّارٌ لِّمَن تَابَ وَآمَنَ وَعَمِلَ صَالِحاً ثُمَّ اهْتَدَى(طـه:82). فهذه الآي من الذكر الحكيم وغيرها من نصوص السنة النبوية  تدل دلالة واضحة على أنّ باب التوبة مفتوح لكلّ من تاب مطلقا، فضلا عما قرره الرسول  بقوله:"التَّائِبُ مِنَ الذَّنْبِ، كَمَنْ لاَ ذَنْبَ لَهُ" . فإذا تقرر ذلك أدركنا أنّ الشارع لو قصد إلى إيقاع العقوبة قصدا مطلقا لما فتح باب التوبة للجناة جميعا، بل رغّب فيها، وجعل التائب من الذنب كمن لا ذنب عليه، فلا معنى لإقامة الحدّ عليه حينها. ولعلّ من أقوى الأدلة على ما قررته آنفا أنّ القاتل ولو كثر قتله، فإذا تاب توبة نصوحا تقبل توبته، وتغفر ذنوبه، فإنّ رحمة الله واسعة بحيث لا يتعاظمها ذنب، فإنها تطال مثل هذا المذنب ذنبا عظيما. فعن النبي  قال:"كان في بني إسرائيل رجل قتل تسعة وتسعين إنسانا، ثم خرج يسأل، فأتى راهبا فسأله فقال له: هل من توبة؟ قال: لا. فقتله، فجعل يسأل، فقال له رجل: ائت قرية كذا وكذا، فأدركه الموت، فناء بصدره نحوها، فاختصمت فيه ملائكة الرحمة وملائكة العذاب، فأوحى الله إلى هذه أن تقربي، وأوحى الله إلى هذه أن تباعدي، وقال: قيسوا ما بينهما، فوجد إلى هذه أقرب بشبر، فغفر له" .


وزيادة على ذلك، فإنّ من الأمور التي تدل على كون الشارع لا يقصد إلى إيقاع العقوبة أنّ الشريعة رغّبت في الستر، وحثت عليه سواء من قبل الجاني بأن يستر على نفسه أو ممن اطلع على معصيته أنْ يستر عليه. فقد ورد "عن زيد بن أسلم: "أنّ رجلاً اعترف على نفسه بالزناء على عهد رسول اللّه ، فدعا رسول اللّه  بسَوْط فأتي بسَوْطٍ مكسور، فقال: فوق هذا، فأُتيَ بسوطٍ جديد لم تُقْطَعْ ثَمَرَته، فقال: بين هذين، فأُتِيَ بسوطٍ قد رُكب به فَلاَنَ، فِأمر به فجُلِدَ، ثم قال: أيّها النَّاسُ قد آن لكم أن تنتهوا عن حدود اللّه، فمن أصابه من هذه القاذورات شيئاً فليستتر بستر اللّه، فإنه من يُبْدِ لَنَا صفحتَه نُقِمْ عليه كتابَ اللّه " . ولقد فهم الصحابة  هذا المقصد الشرعي من أنّ الشارع لا يقصد إلى إيقاع العقوبة، بل الأولى الستر والتوبة. فعن "يحيى بن سعيد قال: سمعت سعيد بن المسيّب يقول: إن رجلاً مِنْ أسلمَ أتى أبا بكر، فقال: إنّ الآخِرَ قد زنى، قال أبو بكر: هل ذكرت هذا لأحد غيري؟ قال: لا، قال أبو بكر: تُبْ إلى اللّه عزّ وجلّ، واستتر بستر اللّه، فإن اللّه يقبل التوبة عن عبادة. قال سعيد: فلم تقَرّ به نَفْسُه حتى أتى عمر بن الخطاب، فقال له كما قال لأبي بكر، فقال له عمر كما قال أبو بكر. قال سعيد: فلم تقَرّ به نفسه حتى أتى النبي ، فقال له: الأخِرُ قد زنى، قال سعيد: فأعرض عنه النبي  قال: فقال له ذلك مراراً، كلُّ ذلك يُعرض عنه حتى إذَا أَكْثَرَ عَلَيه، بَعَث إلى أهله، فقال: أَيَشْتَكِي؟ أَبِه جِنَّةٌ؟ قالوا: يَا رَسُولَ اللّه، إنّه لصحيح. قال: أبِكْرٌ أَمْ ثَيِّب قال: ثيبٌ. فأمر به فرُجِمَ" . وبناء على هذه النصوص الشرعيّة، وفهم عميق لمقصد الشريعة من سنّ العقوبات قال الإمام الشافعي:"ونحن نحبّ لمن أصاب الحدّ أن يستتر، وأن يتقي الله ، ولا يعود لمعصية الله، فإنّ الله  يقبل التوبة عن عباده" .


ومما يعضِّد هذا الأمر، ويشدّ من أزره أنّ تطبيق العقوبات من قبل الرسول  كان بعد التثبّت والتريث، بل قد ردّ من أقر بالجريمة لعلّه يتوب ويرجع في إقرار، فلو كان قصده إيقاع العقوبة مطلقا لما ردّ المقرر، رغم كونه أقوى أدلة الإثبات، لأنّ العاقل لا يقرّ على نفسه بما يعود عليه بالضرر. وفضلا عن ذلك لما تثبّت في إثبات الجريمة على الجاني، بل كان من سنته "درأ الحدود بالشبهات" كما هو مقرر في حديث "عَائِشَةَ قالت: قال رسُولُ اللَّهِ :"ادرَءوا الحدودَ عن المسلمينَ ما استطعتُمْ فإنْ كانَ لهُ مخرجٌ فخَلوا سبيلهُ فإنَّ الإمامَ إنْ يُخطئْ في العفو خيرٌ من أنْ يُخطئَ في العقوبةِ" . ناهيك عن حديث "أَبِي هُرَيْرَةَ رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ قَالَ أَتَى رَجُلٌ رَسُولَ اللَّهِ  وَهُوَ فِي الْمَسْجِدِ فَنَادَاهُ فَقَالَ يَا رَسُولَ اللَّهِ إِنِّي زَنَيْتُ فَأَعْرَضَ عَنْهُ حَتَّى رَدَّدَ عَلَيْهِ أَرْبَعَ مَرَّاتٍ فَلَمَّا شَهِدَ عَلَى نَفْسِهِ أَرْبَعَ شَهَادَاتٍ دَعَاهُ النَّبِيُّ  فَقَالَ أَبِكَ جُنُونٌ قَالَ لَا قَالَ فَهَلْ أَحْصَنْتَ قَالَ نَعَمْ فَقَالَ النَّبِيُّ  اذْهَبُوا بِهِ فَارْجُمُوهُ قَالَ ابْنُ شِهَابٍ فَأَخْبَرَنِي مَنْ سَمِعَ جَابِرَ بْنَ عَبْدِ اللَّهِ قَالَ فَكُنْتُ فِيمَنْ رَجَمَهُ فَرَجَمْنَاهُ بِالْمُصَلَّى فَلَمَّا أَذْلَقَتْهُ الْحِجَارَةُ هَرَبَ فَأَدْرَكْنَاهُ بِالْحَرَّةِ فَرَجَمْنَاهُ". قال عياض: فائدة سؤاله أبك جنون سترا لحاله واستبعاد أن يلح عاقل بالاعتراف بما يقتضي إهلاكه، ولعله يرجع عن قوله...ويؤخذ من قضيته أنه يستحب لمن وقع في مثل قضيته أن يتوب إلى الله تعالى ويستر نفسه ولا يذكر ذلك لأحد كما أشار به أبو بكر وعمر على ماعز، وأن من أطلع على ذلك يستر عليه بما ذكرنا ولا يفضحه ولا يرفعه إلى الإمام كما قال  في هذه القصة "لو سترته بثوبك لكان خيرا لك". وبهذا جزم الشافعي  فقال: أحب لمن أصاب ذنبا فستره الله عليه أن يستره على نفسه ويتوب، واحتج بقصة ماعز مع أبي بكر وعمر. وقال ابن العربي: هذا كله في غير المجاهر، فأما إذا كان متظاهرا بالفاحشة مجاهرا فإني أحب مكاشفته والتبريح به لينزجر هو وغيره. وفيه أنه يستحب لمن وقع في معصية وندم أن يبادر إلى التوبة منها ولا يخبر بها أحدا ويستتر بستر الله، وإن اتفق أنه يخبر أحدا فيستحب أن يأمره بالتوبة وستر ذلك عن الناس كما جرى لماعز مع أبي بكر ثم عمر" .


ولم يكتف الشارع بأمر الجاني أنْ يستتر بستر الله، بل حثّ من اطلع على معصيّة أخيه أن يستره، ورغّب في هذا العمل بأن يكافئ من فعل ذلك فيستره يوم القيامة والجزاء من جنس العمل. فقد ورد في الصحيحين وغيرهما "أن رسول الله  قال:"المسلم أخو المسلم، لا يظلمه ولا يسلمه، ومن كان في حاجة أخيه كان الله في حاجته، ومن فرج عن مسلم كربة فرج الله عنه كربة من كربات يوم القيامة، ومن ستر مسلما ستره الله يوم القيامة" . ولقد كان من فقه الإمام الترمذي أنْ أخرج حديث الستر في أبواب الحدود "عن سالمٍ عن أبيهِ أنَّ رَسُولَ اللَّهِ  قال: "المسلمُ أخو المسلمِ لا يظلمهُ ولا يسلمهُ ومن كانَ في حاجةِ أخيهِ كان اللّهُ في حاجتهِ ومن فرَّجَ عن مسلمٍ كُربةً فرَّجَ اللّهُ عنهُ كُربةً من كُرب يومِ القيامةِ ومن ستَرَ مسلماً ستَرهُ اللّهً يومَ القيامةِ" . وأخرجه في موضع آخر من سننه "عن أبي هُرَيرَةَ عن النَّبيِّ  قال:"من نفَّسَ عن مسلمٍ كُربةً من كُربِ الدُّنيا نفَّسَ اللهُ عنهُ كُربةً من كُربِ يومِ القيامةِ ومن يسَّرَ على مُعسرٍ في الدُّنيا يسَّرَ اللهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ ومن سَتَرَ على مسلمٍ في الدُّنيا سَترَ اللهُ عليهِ في الدُّنيا والآخرةِ واللهُ في عونِ العبدِ ما كان العبدُ في عونِ أخيهِ" . إذن، نتبيّن من مجموع هذه النصوص الشرعيّة ومعانيها التي ترمي إليها أنّ إيقاع العقوبة ليس بمقصد شرعي، بل إنّ الشريعة قد رغّبت في التوبة، والستر، والعفو، وحببت في ذلك بدلا عن العقوبة.


رابعا: العقوبة الشرعيّة مبنيّة على المساواة
يظهر بادئ الرأي أنّ التشريع الجنائي الإسلامي يتفق مع غيره من التشريعات الأخرى فيما يتعلق بمسألة المساواة، لأنّ المساواة مفروضة بطبيعتها في كلّ قانون وتشريع. ورغم هذا الاتفاق من حيث المبدأ إلا أنّ الناحيّة العمليّة التطبيقيّة أظهرت أنّ المساواة في التشريع الجنائي الإسلامي خاصيّة تميّزه عن غيره من التشريعات الجنائيّة في القوانين الوضعيّة. والحاصل أنّ المساواة باعتبارها فلسفة التشريع الجنائي الإسلامي، ومقصود الشارع تتجلى في أمرين مهمين وهما:   


أ ـ المساواة بين الجريمة والعقوبة من حيث ضررها: يلاحظ المتأمل في نظام الجرائم والعقوبات في الإسلام أنّ العقوبات متنوعة تبعاً لتنوع الجرائم واختلافها. هذا الأمر يدل على أن الشريعة الإسلاميّة إنما تهدف من وراء وضع العقوبة من أنْ تكون مساوية لحجم الجريمة؛ فليست جريمة القتل مثلا كجريمة السّرقة، فكانت عقوبتهما مختلفة تبعا لنوعيّة الجريمة. ولذا، ففي التشريع الجنائي الإسلامي تكون العقوبة هي الجزاء العادل المقابل للجريمة. ومن ثم نجد أن القرآن الكريم قد استخدم كلمة الجزاء فيما يتعلق بإيقاع العقوبات على الجرائم التي حددها الشّارع لتدل على أنّ العقوبات التي قررتها الشريعة جزاء مساويا لجرم الجريمة مثل قوله تعالى:وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(المائدة:38)، وقوله تعالى:إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(المائدة:33)، وفي عقوبة جريمة القتل يقول الله تعالى:وَمَن يَقْتُلْ مُؤْمِناً مُّتَعَمِّداً فَجَزَآؤُهُ جَهَنَّمُ خَالِداً فِيهَا وَغَضِبَ اللّهُ عَلَيْهِ وَلَعَنَهُ وَأَعَدَّ لَهُ عَذَاباً عَظِيما(النساء:93). ولقد نبّه ابن عاشور على هذا الأمر بقوله:"ولذلك لم يجز أن تكون الزواجرُ، والعقوباتُ، والحدودُ إلا إصلاحاً لحال الناس بما هو اللاَّزم في نفعهم دون ما دونه، ودون ما فوقه، لأنه لو أصلحهم ما دونه لما تجاوزته الشريعة إلى ما فوقه، ولأنه لو كان العقاب فوق اللاَّزم للنفع لكان قد خرج إلى النكاية دون مجرّد الإصلاح" . وزيادة على ذلك، فإنّ هذه المساواة بين الجريمة والعقوبة تجعل المجرمين متساوون في إيقاع العقوبة، فضلا عن تساويهم في الشعور بالألم، وما يلحق أبدانهم من أذي تطبيقها. 


ب ـ المساواة بين الناس في تطبيقها: لقد تقرر من الآيات المذكورة سابقاً أنّ العقوبات في التشريع الجنائي الإسلامي تعدّ الجزاء المقابل والمساوي للجريمة وهو جزاء عادل. وهذا الأمر يحتّم المساواة في تطبيق العقوبة وإيقاعها على الجناة. وهذه هي الناحية الثانيّة من المساواة التي يظهر فيها عدل الشريعة وإنصافها، وأعني بذلك المساواة في إيقاع العقوبة وتطبيقها على كلّ مجرم دون تمييز بينهم، ولا يقبل أيّ سبب للتمييز مهما كان. فسدّا لذريعة التمييز بين الجناة فإنّ الشريعة حرّمت الشفعة في الحدود، ولم تخوّل هذا الأمر لأحد ولو كان نبيا مرسلا لضمان المساواة في التطبيق لترتب ذلك على الجزاء العادل المقابل لكلّ جريمة. ودليل ذلك ما ورد في الحديث المتفق عليه المروي عن عائشة رضي الله عنها "أنّ قريشا أهمهم شأن المرأة المخزومية التي سرقت. فقالوا: من يكلم فيها رسول الله ؟ فقالوا: ومن يجترئ عليه إلا أسامة، حب رسول الله صلى الله عليه وسلم؟ فكلمه أسامة. فقال رسول الله : أتشفع في حد من حدود الله؟ ثم قام فاختطب فقال:أيها الناس إنما أهلك الذين قبلكم، أنهم كانوا إذا سرق فيهم الشريف، تركوه. وإذا سرق فيهم الضعيف، أقاموا عليه الحد. وأيم الله! لو أن فاطمة بنت محمد سرقت لقطعت يدها" .


فهذا الحديث يدل دلالة واضحة على أنّ تطبيق العقوبة لابد أنْ يتم على وجه تظهر فيه المساواة بين أفراد الأمة الإسلاميّة. فالعقوبة في التشريع الإسلامي الجنائي غير قابلة للإسقاط والعفو، فلا شفعة في حدّ من حدود الله إلا إذا كانت الجريمة في انتهاك حق من حقوق العباد فأمرها مفّوض لصاحب الحقّ. ولذا، فحتى لا يقع التلاعب بالعقوبات فيتم تطبيقها على الضعيف، وإسقاطها عن القوي، ولا تكون عرضة للتغيير والتبديل حسب أهواء الحكام، وولاة الأمور سدّت الشريعة هذه الذريعة بتحريم الشفاعة في حدود الله تعالى، فلا تقبل من أي شخص كائنا من كان. والحاصل أن المساواة في التشريع الجنائي الإسلامي يتمثل في كون العقوبة هي الجزاء العادل المقابل للجريمة، وعلى هذا الأساس تنوعت العقوبات بتنوّع الجرائم فضلاً عن المساواة من حيث التطبيق لأنه من مقتضيات الجزاء العادل أن يكون إيقاعها أيضا عادلا، ولا يتم ذلك إلا عن طريق المساواة بين الجناة في تطبيق العقوبات الشرعيّة. فـ"يجب إقامته على الشريف، والوضيع، والضعيف، ولا يحل تعطيله لا بشفاعة، ولا بهديّة، ولا تحلّ الشفاعة فيه" ، حتى تتم المساواة في تطبيق العقوبات الشرعيّة. 
المبحث الثاني: أثر التشريع الجنائي الإسلامي في حفظ مقاصد الشارع وحمايتها


"إذا نحن استقرينا موارد الشريعة الإسلاميّة الدالة على مقاصدها من التشريع، استبان لنا من كليات دلائلها، ومن جزئياتها المستقراة أنّ المقصد العام من التشريع فيها هو حفظ نظام الأمة، واستدامة صلاحه بصلاح المهيمن عليه، وهو نوع الإنسان. ويشمل صلاحه صلاح عقله، وصلاح عمله، وصلاحَ ما بين يديه من موجودات العالم الذي يعيش فيه" . ثم إذا نظرنا إلى المجتمعات الإنسانيّة سنجد أنّ تصرّفاتهم فيما بينهم تشغل حيِّزا كبيرا من حياتهم، بل تشغل معظمها، وكما قالت الأوائل "الإنسان مدني بالطبع"، بمعنى أنهّ "لابّد له من الإعانة، والاستعانة، لأنه لا يكْمل وحده لجميع مصالحه، ولا يستقلّ بجميع حوائجه" ، ففي حياته لا يستغني عن التعامل مع غيره؛ فهو محتاج إلى غيره، وغيره محتاج إليه أيضاً. وتعامل الناس فيما بينهم مبني على المصالح، وهذه المصالح يشوبها تعارض، وتناقض بسبب اختلاف مصالح الأفراد وتعارضها. ولكي تحفظ المصالح كانت المجتمعات الإنسانيّة بحاجة إلى شرائع، وقوانين تنظم أمور المعاملات بين الناس، وتضبط تصرّفاتهم حتى لا يطغى بعضهم على بعض. ومن ثم، فقد اقتضت حكمة الله أن يُنزل للناس شرائع يكون في الالتزام بها حفظ للمصالح، ودفع لأيّ ضرر أو ضرار. فكانت تشريعات الإسلام المتعلقة بالعقوبات تندرج ضمن دفع الضرر حفظا لمقاصد الشريعة من أن تنتقص من أطرافها أو أن يتطرق إليها ضرر. فنظام العقوبات في الإسلام يعدّ جزءا مهما من الشريعة، وذلك لما له من أثر كبير في حفظ مقاصد الشارع وحمايتها، بل لا يمكن أنْ تطبق الشريعة كاملة بدون تطبيق نظام الجنايات، وإيقاع العقوبات على مستحقيها كما حددته الشريعة الإسلاميّة. ولذا، فمن الأهميّة بمكان بيان أثر التشريع الجنائي في حفظ مقاصد الشريعة وحمايتها قصد حفظ نظام المجتمع الإسلامي، وانتظام سيره، ولعلّ الأمور الآتيّة تجلي هذا الأمر وتوضحه.  


أولا: أثر العقوبة في دفع الضرر عن مقاصد الشريعة 
   هناك اتفاق يكاد يرتقي إلى مرتبة الإجماع من قبل علماء الإجتماع ومفكريهم على أنّ المجتمع يقوم أساساً على خمس مؤسسات لابّد منها لقوام المجتمعات الإنسانيّة، وانتظام سيرها، بل إنّ صلاحها متوقف على توفر هذه المؤسسات، وصلاح حالها. وهذه المؤسسات هي: مؤسسة التربيّة، ومؤسسة الأسرة، والمؤسسة الاقتصادية، والمؤسسسة السياسيّة، والمؤسسة الدينيّة . إذن، فهذه المؤسسات ضروريّة لقوام المجتمعات الإنسانيّة، وانتظام سيرها، بحيث إذا صلحت صلح المجتمع كلّه، وإذا فسدت فسد المجتمع كلّه. ثم إنه من المقرر أنّ الشريعة الإسلاميّة جاءت شاملة لمصالح الناس الدنيويّة والأخرويّة الأمر الذي يجعلنا نقرر أنّ أحكام الشريعة كلّها سواء أكانت أوامر أو نواهي أو مباحات إنما تقصد إلى المحافظة على مصالح الناس سواء بجلب كلّ ما فيه منفعة لهم أو دفع كلّ ما فيه مضرّة عنهم. فالأوامر الشرعيّة كلّها مصالح لأنها تجلب للمذعن لها منافع دنيويّة وأخرى أخروية، بينما المناهي الشرعيّة كلّها مفاسد تدفع عمن اجتنبها مضارّ في العاجل والآجل. والحاصل أنّ "استقراء أدلةٍ كثيرة من القرآن والسنّة الصحيحة يوجب لنا اليقين بأنّ أحكام الشريعة الإسلاميّة منوطة بحِكَم وعلل راجعة للصلاح العام للمجتمع والأفراد" .


ثم إنّ المصلحة تتكون من جزأين يكمّل أحدهما الآخر، ولا يستغني جزء عن آخر وأعني بذلك جلب المنفع، ودفع المضرّة. وعليه، فإنّ ارتكاب جريمة من الجرائم التي حرّمها الشارع تعدّ مضرة، ودفعها ضروري لتوفر مصلحة الفرد والمجتمع على حدّ سواء. وسبب ذلك أنّ "من المعاصي ما شرع الله فيه الحدّ، وذلك كلّ معصية جمعت وجوهاً من المفسدة، بأن كانت فساداً في الأرض واقتضاباً على طمأنينة المسلمين، وكانت لها داعية في نفوس بني آدم لا تزال تهيج فيها، ولها ضراوة لا يستطيعون الإقلاع منها بعد أنْ أشربت قلوبهم بها، وكان فيه ضرر لا يستطيع المظلوم دفعه عن نفسه في كثير من الأحيان، وكان كثير الوقوع فيما بين الناس، فمثل هذه المعاصي لا يكفي فيها الترهيب بعذاب الآخرة، بل لابد من إقامة ملامة شديدة عليها وإيلام، ليكون بين أعينهم ذلك، فيردعهم عما يريدونه"  من تصرفات تعود بالضرر على الفرد المجتمع.


وبالإضافة إلى ذلك، إذا نظرنا في أهمّ الأمور التي جاءت الشريعة للمحافظة عليها سواء بجلب مصلحة إليها أو بدفع الفساد عنها والتي تعرف بالكليّات الخمس، والتي ذكرها الإمام الغزالي في قوله:"أما المصلحة فهي عبارة في الأصل عن جلب منفع أو دفع مضرة. لسنا نعني به ذلك، فإنّ جلب المنفعة ودفع المضرّة مقاصد الخلق، وصلاح الخلق في الحصول على مقاصدهم. ولكنا نعني بالمصلحة المحافظة على مقصود الشارع، ومقصود الشارع من الخلق خمسة؛ أنْ يحفظ عليهم دينهم، ونفسهم، وعقلهم، ونسلهم، ومالهم. فكلّ ما يتضمّن حفظ هذه الأصول فهو مصلحة، وكلّ ما يفوّت هذه الأصول فهو مفسدة دفعه مصلحة" . "والحفظ لها يكون بأمرين: أحدهما ما يقيم أركانها، ويثبّت قواعدها، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب الوجود. والثاني ما يدرأ عنها الاختلال الواقع أو المتوقع، وذلك عبارة عن مراعاتها من جانب العدم" . ولذا، فيمكن القول إنّ العقوبات التي سنتها الشريعة الإسلاميّة، ورتبتها على اقتراف بعض الجرائم باعتبارها جزاء عادلا لجملة من الجرائم لها أثر فعّال في حفظ الضروريات، وذلك بدفع ما يمكن أن يتطرق إليها من فساد وضرر، وحمايتها من ذلك كلّه. وإيضاحاً لذلك أقول إنّ الجرائم التي سنت لها الشريعة عقوبة دنيويّة تعدّ من الجرائم الكبرى التي يجب دفع أذاها عن المجتمع، ولا تندفع إلا بوضع عقوبة رادعة زاجرة. وسبب ذلك، أنّ كلّ جريمة نص عليها الشارع الحكيم، وحددّ لها عقوبة عادلة لما تدخله من ضرر عظيم، وفساد كبير على المصالح الضروريّة الخمسة. وتفصيل ذلك كالآتي:


   1. حفظ الدين: جعل الله  الإسلام هو الدين الذي لا يقبل غيره وَمَن يَبْتَغِ غَيْرَ الإِسْلاَمِ دِيناً فَلَن يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(آل عمران:85)، وقوله تعالى:إِنَّ الدِّينَ عِندَ اللّهِ الإِسْلاَمُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوْتُواْ الْكِتَابَ إِلاَّ مِن بَعْدِ مَا جَاءهُمُ الْعِلْمُ بَغْياً بَيْنَهُمْ وَمَن يَكْفُرْ بِآيَاتِ اللّهِ فَإِنَّ اللّهِ سَرِيعُ الْحِسَابِ(آل عمران:19). ومن ثم، فكان واجبا على كلّ مسلم أنْ يساهم في حفظ هذا الدين كلّ على قدر استطاعته، وذلك بتعلم الدين، وتعليمه، وتطبيق ما جاء فيه من تشريعات، وأحكام المعبّر عنها بإقامة الدين. ولذا، فقد أمر الشارع بإقامة الدين بقوله تعالى:...أَنْ أَقِيمُوا الدِّينَ وَلَا تَتَفَرَّقُوا فِيهِ كَبُرَ عَلَى الْمُشْرِكِينَ مَا تَدْعُوهُمْ إِلَيْهِ اللَّهُ يَجْتَبِي إِلَيْهِ مَن يَشَاءُ وَيَهْدِي إِلَيْهِ مَن يُنِيبُ(الشورى:13)، بمعنى "اجعلوه قائما يريد دائماً مستمراً محفوظاً مستقراً من غير خلاف فيه ولا اضطراب" . والخروج عن الدين يعدّ طعنا فيه، واستهزاء بدين الله، وفيه خروج عن الجامعة الإسلاميّة التي ينتمي إليها باعتبار أنّ المجتمع الإسلامي يقوم أساسا على الدين، وامتثال ما جاء فيه أمرا ونهيا.


   ولذا، شرّعت الشريعة عقوبة القتل للمرتد وهي منطوق قول الرسول :"من بدّل دينه فاقتلوه" ، سدّا للذريعة بوجود فساد يلحق الدين، ويضرّ به ضررا كبيرا. فـ"المرتد بخروجه عن الدين الحقّ بعد دخوله فيه تغلّظ كفره، فلم يقرّ عليه بوجه من الوجوه، فتحتّم قتله إنْ لم يُسلم عصمة للدين، كما تحتم غيره من الحدود حفظا للفروج وغير ذلك" . إذن، فعصمة الدين وحفظه من أنْ يتطرق إليه الفساد شُرِّعت له عقوبة غليظة وهي القتل لردع كلّ من سوّلت له نفسه أنْ يتجرّأ على دين الله، ويخرج عنه، ولمنع غير المسلمين أيضا من اتخاذ دين الله هزّوا وسخرية كما هو حال طائفة من أهل الكتاب كما في قوله تعالى:وَقَالَت طَّآئِفَةٌ مِّنْ أَهْلِ الْكِتَابِ آمِنُواْ بِالَّذِيَ أُنزِلَ عَلَى الَّذِينَ آمَنُواْ وَجْهَ النَّهَارِ وَاكْفُرُواْ آخِرَهُ لَعَلَّهُمْ يَرْجِعُونَ(آل عمران:72). وزيادة على ذلك، فقد ألحق الفقهاء بالمرتدّ الزنديق لتوفر العلّة نفسها التي في المرتدّ وأعني بذل الاستهزاء بالدين، والطعن فيه، والسخرية بتشريعاته، بل إنّ عليّ بن أبي طالب قد قضى بذلك. فعن "عكرمة قال:"أتي علي  بزنادقة فأحرقهم، فبلغ ذلك ابن عباس فقال: لو كنت أنا لم أحرقهم، لنهي رسول الله :"لا تعذِّبوا بعذاب الله"، ولقتلتهم، لقول رسول الله :"من بدَّل دينه فاقتلوه"، وعند الترمذي "فبلغَ ذلكَ عليَّاً فقال صدقَ ابنُ عَبَّاسٍ" . إذن، فحفظ الدين من أن يتطرق إليه الفساد اقتضى من الشارع أنْ يجعل له عقوبة يكون لها أثر كبير في حفظه من هذه الجهة فكانت عقوبة القتل جزاء لهذه الجريمة الكبرى التي لا تساويها أيّ جريمة أخرى من وجهة نظر شرعيّة. ولا شكّ أنّ هذه العقوبة تحول بين كثير من الناس والخروج من الإسلام لكلّ من سوّلت له نفسه ذلك، وزيّن له الشيطان حسن فعله هذا.


   2. حفظ النفس: إنّ للنفس في شريعة الإسلام حرمة لا تدانيها أيّ حرمة بعد حرمة الدين، بل إنّ الشارع قد سوّى بين عقوبتهما مما يدل على أنّ الاعتداء على النفس ينـزّل منـزلة الاعتداء على الدين. "فأما القتل فجعله عقوبة أعظم الجنايات، كالجناية على الأنفس؛ فكانت عقوبته من جنسه، وكالجناية على الدين بالطعن فيه، والارتداد عنه، وهذه الجناية أولى بالقتل، وكفّ عدوان الجاني عليه من كل عقوبة؛ إذ بقاؤه بين أظهر عباده مفسدة لهم، ولا خير يرجى في بقائه ولا مصلحة" . فحرّم الإسلام على الفرد أنْ يتصرّف في نفسه بما يعود عليها بضرر أو تلف، حيث حرّم قتل المرء نفسه فقال تعالى:ولا تقْتلوا أنفسَكُم إنّ الله كانَ بِكم رحيماً(النساء:29). بل إنّ الشريعة نفّرت من الاعتداء على النفس تنفيراً بليغا، فجعلت قتل النفس الواحدة مثل قتل الناس جميعا، فقال تعالى:مِنْ أَجْلِ ذَلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَن قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَمَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَلَقَدْ جَاءتْهُمْ رُسُلُنَا بِالبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِّنْهُم بَعْدَ ذَلِكَ فِي الأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ(المائدة:32). ولقد بلغ من اهتمام الشريعة بأمر النفس، وتعظيم جريمة الاعتداء عليها أنْ "قال رسول الله :"أوَّل ما يُقضى بين النّاس يوم القيامة في الدِّماء" ، وفي ذلك تغليظ أمر الدماء، وهذا لعظم أمر النفس، وكبير خطرها. إذن، فمن أجل حفظ النفس وحمايتها حرّمت الشريعة الاعتداء على النفس مطلقا سواء كان من قبل المرء على نفسه أو من قبل الآخرين. ولكن الشريعة لم تكتف بتحريم الاعتداء على النفس، بل شرعت عقوبة دنيويّة لمن اعتدى على نفس غيره، وأزهقها ظلما وعدوانا، وهي القصاص في حال العمد، والدِّية في حال العفو والخطإ.


   ولقد عبّر القرآن الكريم عن هذه العقوبة بعبارة معجزة في لفظها ومعناها فقال تعالى:ولكم في القصاص حياة يا أولي الألباب لعلّكم تتّقون(البقرة:179)، فجعل الشارع الحكيم القصاص نفسه سبب للحياة، فبه تحفظ الأنفس، ويزجر الناس من الاعتداء على بعضهم البعض، وتسدّ ذريعة القتل سدّا منيعا. ولا يفوتنا في هذا المقام من التنبيه على أنّ من حكمة الشريعة أنها سنّت القصاص، ولم توجبه، بل تُرك الأمر لأولياء المقتول للمطالبة بالقصاص، وندبت إلى العفو كما هو منطوق قوله تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِصَاصُ فِي الْقَتْلَى الْحُرُّ بِالْحُرِّ وَالْعَبْدُ بِالْعَبْدِ وَالأُنثَى بِالأُنثَى فَمَنْ عُفِيَ لَهُ مِنْ أَخِيهِ شَيْءٌ فَاتِّبَاعٌ بِالْمَعْرُوفِ وَأَدَاء إِلَيْهِ بِإِحْسَانٍ ذَلِكَ تَخْفِيفٌ مِّن رَّبِّكُمْ وَرَحْمَةٌ فَمَنِ اعْتَدَى بَعْدَ ذَلِكَ فَلَهُ عَذَابٌ أَلِيمٌ(البقرة:178). وسبب ذلك أنّ القصاص شرِّع من أجل إزالة ما يصيب أولياء المقتول من حقد، وغيظ على القاتل لا يشفى إلا بقتل من قتل قتيلهم، فضلا عن زجر الآخرين وردعهم من الوقوع في الجريمة نفسها، فيطالهم القصاص. وأما إذا طابت قلوب أولياء المقتول بترك القصاص، ورضوا بذلك عن طواعيّة لا إكراه فيها، فيسقط القصاص حينها، ولهم الدّية أو الصلح كما هو مفصّل في كتب الفقه تفصيلا دقيقا، وليس التفصيل فيها واستيعاب مسائلها من غرض هذا البحث.     


   ثم إنّ اهتمام الشريعة بحفظ النفس لم يتوقف عند الاعتداء الفردي على النفس الذي جعلت له عقوبة القصاص، بل جعلت للاعتداء الجماعي على الأنفس، والإضرار بها حقا واجبا على وليّ أمر المسلمين أنْ يقوم بمحاربة المحاربين باعتبار ما يترتب على هذه الجريمة من القتل، وقطع الطريق، وأخذ اموال الناس بالباطل ويجمعها كلّها معنى الفساد في الأرض. فقال تعالى:إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ ِإلاَّ الَّذِينَ تَابُواْ مِن قَبْلِ أَن تَقْدِرُواْ عَلَيْهِمْ فَاعْلَمُواْ أَنَّ اللّهَ غَفُورٌ رَّحِيمٌ(المائدة:33-43). فـ"ما لم يأمن أهل الإقامة والأسفار من الأخطار والأغرار، فإذا اظطربت الطرق، وانقطعت الرِّفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي الفساد، ترتب عليه غلاء الأسعار، وخراب الدِّيار، وهواجس الخطوب الكبار، فلينهض الإمام لهذا المهمِّ، وليوكّل الذين يخفّون، وإذا حزب خطب لا يتواكلون"  من أجل ردع المحاربين وكفّهم عما يلحق الناس من الأذي في أنفسهم، ومعاشهم، وأموالهم، وطرقاتهم، حيث إنّ من واجبات الإمام حماية البيضة باستقرار الأمن، وحماية الأنفس، والأموال .


   وأيا ما كان الأمر، فإنّ المتأمّل في أحوال المجتمعات الإنسانيّة اليوم، حيث إنّ كلّ البلدان الغربيّة تقريبا قد ألغت حكم الإعدام المقرر في قوانينهم سابقا، واستبدلته بالسِّجن ، حتى "إنّ مجتمعات كثيرة قد باتت تزدري عقوبة الإعدام" ، فلم تنجح هذه العقوبة بالحبس في الحدّ من انتشار القتل وتفشيه. بل إنّ الاعتداء على الأنفس يزداد تفشيه يوما بعد يوم رغم المحاولات الكثيرة لمنع حدوث هذه الجريمة، والحدّ من انتشارها لكنها باءت بالبوار والخسران، الأمر الذي جعل طائفة من المفكّرين الغربيين يدعون إلى ضرورة إبقاء عقوبة الإعدام للقتل فحسب . وبالمقابل، فإنّ المجتمعات العربيّة التي لم تلغ عقوبة القتل فنجد أنّ الاعتداء على الأنفس قليل إذا ما تمّ مقارنته بما يحدث في المجتمعات الغربيّة التي تعتبر حكم القتل فيه غلظة وقسوة على الجاني، متأثرين بقولة بنجامين روش أنّ "عقوبة القتل للقاتل مناقضة للعقل، ونظام المجتمع وسعادته" . فنقول لمن يحسبون أنّ حكم القصاص فيه قسوة وغلظة أنّ نظرتهم لجريمة القتل فيها قصور سببه أنّهم نظروا إلى حال الجاني فأخذتهم الشفقة عليه في غير محلّها، وأهملوا حال أولياء المجني عليه الذين أصابهم خطب عظيم، ووقر في قلوبهم غيظ كبير لا يُشفى إلا بالقصاص، فلا السّجن مهما طال، ولا الأموال مهما كثرت تشفي ما في صدورهم من ألم وغيظ. وعليه، فيمكن الوقوف على السرّ العجيب، والمقصد اللطيف من تشريع القصاص في حال القتل العمد لا إيجابه، وجعله حقا لأولياء القتيل شفاء لما في صدورهم من الغيظ، ثم شرّعت العفو والصلح، ورغّبت فيهما ترغيبا كبيرا. فيتحقق بذلك حفظ الأنفس من الاعتداء، حيث يعلم كلّ من سوّلت له نفسه، وبسط يده لقتل غيره أنّ مصيره القتل أيضا. ناهيك عن أنّ الشريعة قد جعلت عقوبة بدلية للقصاص وهي الدّية في حال العفو إذا طابت أنفس أولياء القتيل بذلك فيتحقق حفظ نفس الجاني، وشفاء غيظ أولياء المجني عليه، ولله الحكمة البالغة فيما شرع، ولكنّ أكثر الناس لا يعلمون. والمقصود أنه "ليس في العالم كله قديمه وحديثه عقوبة تفضل عقوبة القصاص في الإسلام. فهي أعدل العقوبات، إذ لا يجازى المجرم إلا بمثل ما فعل، فضلا عن أنها أفضل العقوبات للأمن العام"  في المجتمع، فضلا عن الأمن الخاصّ.       


   3. حفظ النسل والعرض: إنّ "انتظام أمر العائلات في الأمة أساسُ حضارتها وانتظام جامعتها، فلذلك كان الاعتناء بضبط نظام العائلة من مقصد الشرائع البشريّة كلّها" . وضبط نظام العائلة يتحقق بحفظ الأنساب، وذلك بواسطة حفظ النّسل، ويسنده حفظ العرض، وإن كان دونه في المرتبة. ولذا، فقد اهتمت الشريعة بأمر النسل، وحفظته بأن يكون من نكاح شرعي، ودفعت عنه أيّ ضرر يدخل عليه فسادا. فكان من حكمة الشريعة أنْ شرّعت النكاح، وحرّمت السّفاح فقال تعالى:وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً(الإسراء :32). ثم إنّ الشريعة رتّبت على فعل الزنا عقوبة درءا لما قد يصيب النسل من ضرر كما قال تعالى:الزَّانِيَةُ وَالزَّانِي فَاجْلِدُوا كُلَّ وَاحِدٍ مِّنْهُمَا مِئَةَ جَلْدَةٍ وَلَا تَأْخُذْكُم بِهِمَا رَأْفَةٌ فِي دِينِ اللَّهِ إِن كُنتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلْيَشْهَدْ عَذَابَهُمَا طَائِفَةٌ مِّنَ الْمُؤْمِنِينَ(النور:2). بل إنّ الشريعة قد غلّظت العقوبة في حقّ من أحصن، حيث سنّت عقوبة الرجم الثابتة في سنّة الرسول  كما سبق الإشارة إلى ذلك في حال ماعز والغامديّة.


   ولذا، فإنّ شريعة الإسلام بوضع هذه العقوبة قصدت إلى حفظ النسل من الاختلاط، وانقطاع أواصر النسب، والقرابة، والصهر، فضلا عن انقطاعه، حيث إنّ فعل فاحشة الزنا يقصد بها اللذّة والمتعة فحسب. فانتشار الزنا، وشيوعه يضر ضررا كبيرا بحفظ النسل، بل قد يؤدي تدريجيا إلى ما يشبه فقدان النسل وانعدامه، وهو أمر في غاية الخطورة. ولعلّ ما يحدث اليوم في المجتمعات الإنسانيّة، لاسيما الغربيّة منها من انهيار تامّ لأواصر القرابة، والنسب، والصهر، وعدم مبالاة بحفظ النسل والنسب خير دليل على عظيم حكمة الشريعة، ونبل مقصدها في حفظ النسل وحمايته، والعقوبة الشرعيّة لارتكاب فاحشة الزنا لها أثر قويّ في ذلك كلّه. وفضلا عن ذلك، فإنّ تحريم الزنا، وسنّ عقوبة له يساهم في حفظ الأعراض، وزجر الناس عن انتهاكها، ومنع من التعرّض لها بسوء. وعلى خلاف ذلك ما نلاحظه اليوم في كثير من المجتمعات، وما تشهده من انهيار خلقي، وإباحيّة فاجرة حتى أصبحت الأعراض كلأ مباحا، والفاحشة يحميها القانون، ولا يعتبرها جريمة.


   وأيّا ما كان الأمر، فإنّ الاعتداء على العرض كما يكون بالفعل وهو الزنا، فإنه يكون بالقول أيضا وهو القذف. ومن ثمّ، فإنّ حماية الأسرة، وانتظام أمرها يقويه تحريم القذف بالزنا، حتى يتحقق للأسرة ثبات، واستقرار، فضلا عن تكوين شعور لدى المسلمين جميعا بحرمة الأعراض، وأنه يحرم شرعا الاعتداء عليها بالقول أو الفعل. ولذا، فقد حرّمت الشريعة رمي الآخرين بفاحشة الزنا، واعتبرته من الإفك والبهتان العظيم. ناهيك عن أنّ الشريعة قد وضعت للقذف بالزنا عقوبة دنيويّة زجرا للناس عن الوقيعة في أعراض اللآخرين بالقول المفترى فقال تعالى:وَالَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَأْتُوا بِأَرْبَعَةِ شُهَدَاء فَاجْلِدُوهُمْ ثَمَانِينَ جَلْدَةً وَلَا تَقْبَلُوا لَهُمْ شَهَادَةً أَبَداً وَأُوْلَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ(النور:4). وبالإضافة إلى ذلك، فقد رهبّت الشريعة من القذف ترهيبا شديدا، حيث جعلت اللعنة على مرتكب هذه الجريمة في العاجل والآجل فقال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ يَرْمُونَ الْمُحْصَنَاتِ الْغَافِلَاتِ الْمُؤْمِنَاتِ لُعِنُوا فِي الدُّنْيَا وَالْآخِرَةِ وَلَهُمْ عَذَابٌ عَظِيمٌ(النور:23). زد على ذلك أنّ الرسول  قد أكّد على حرمة الأعراض، وأنّ "من أربى الرِّبا الاستطالة في عرض المسلم بغير حقٍّ" ، حيث أوصى بذلك في حجّة الوداع تأكيدا على عظم الجريمة وخطرها. فـ"عن ابن عباس رضي الله عنهما: أن رسول  الله  خطب الناس يوم النحر فقال: يا أيها الناس أي يوم هذا، قالوا: يوم حرام، قال: فأيّ بلد هذا، قالوا: بلد حرام، قال: فأي شهر هذا، قالوا: شهر حرام، قال:"فإن دماءكم وأموالكم وأعراضكم عليكم حرام، كحرمة يومكم هذا، في بلدكم هذا، في شهركم هذا..." . والمقصود أنّ التشريع الجنائي الإسلامي وتطبيقه يساهم بحظّ وافر في دفع  الضرر عن النسل والعرض، حيث إنّ الشريعة حرّمت الاعتداء على الأعراض سواء أكان ذلك بالقول أو الفعل، وفي تشريع حدّي الزنا والقذف دلالة واضحة على مقصد الشارع من حماية الأعراض وحفظها.


   4. حفظ العقل: لقد جعلت الشريعة للعقل مكانة مرموقة، بل جعلته مناط التكليف، وحثّت على طلب العلم، ورغّبت فيه ترغيبا كبيرا، حيث أثابت عليه ثوابا كثيرا، وأمرت بالتدبّر، والتفكر، والتعقل، والتبصّر استخداما للعقل، وانتفاعا به، وتقوية لمداركه. ولذا، فـ"معنى حفظ العقل حفظ عقول الناس من أن يدخل عليها خلل، لأنّ دخول الخلل على العقل مؤدٍّ إلى فساد عظيم من عدم انضباط التصرّف، فدخول الخلل على عقل الفرد مفضٍ إلى فساد جزئي، ودخوله على عقول الجماعات وعموم الأمة الأعظم. ولذلك يجب منعُ الشخص من السّكر، ومنع الأمة من تفشِّي السُّكر بين أفرادها" . ولعلّ اضطراب العقل بشرب الخمر، وعدم انضباط التصرّف في حال السّكر كان سببا لتحريم الشريعة الصلاة في حال السّكر، وذلك قبل تحريم الخمر، فقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَقْرَبُواْ الصَّلاَةَ وَأَنتُمْ سُكَارَى حَتَّىَ تَعْلَمُواْ مَا تَقُولُونَ...(النساء:43). وفضلا عن ذلك، فالشريعة نبّهت على أنّ في شرب الخمر مفاسد كثيرة مقابل منافع قليلة، فقال تعالى:يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ قُلْ فِيهِمَا إِثْمٌ كَبِيرٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَإِثْمُهُمَا أَكْبَرُ مِن نَّفْعِهِمَا وَيَسْأَلُونَكَ مَاذَا يُنفِقُونَ قُلِ الْعَفْوَ كَذَلِكَ يُبيِّنُ اللّهُ لَكُمُ الآيَاتِ لَعَلَّكُمْ تَتَفَكَّرُونَ(البقرة:219). ثمّ نزل التنزيل بتحريم الخمر مع بيان ما فيه من أضرار تعود على الرابطة الإيمانية بما يحدثه من عداوة وتباغض، ومفاسد تدخل على الدّين، حيث يمنع من القيام بأمر العبادات على الوجه المطلوب، ولاسيما الصلاة. فقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ إِنَّمَا الْخَمْرُ وَالْمَيْسِرُ وَالأَنصَابُ وَالأَزْلاَمُ رِجْسٌ مِّنْ عَمَلِ الشَّيْطَانِ فَاجْتَنِبُوهُ لَعَلَّكُمْ تُفْلِحُونَإِنَّمَا يُرِيدُ الشَّيْطَانُ أَن يُوقِعَ بَيْنَكُمُ الْعَدَاوَةَ وَالْبَغْضَاء فِي الْخَمْرِ وَالْمَيْسِرِ وَيَصُدَّكُمْ عَن ذِكْرِ اللّهِ وَعَنِ الصَّلاَةِ فَهَلْ أَنتُم مُّنتَهُونَ(المائدة:90-91).


   إذن، فالشريعة قد حرّمت الخمر دفعا لما يقع من مفاسد بشربها سواء أكان في المعاملات أو في العبادات، ومردّ ذلك كلّه إلى اضطراب العقل. فاضطراب العقل في حال السّكر يؤدّي إلى عدم التفريق بين جيّد التصرّفات ورديئها لفقدان آلة التمييز وأعني بذلك العقل. وفي تحريم الخمر يتجلى لنا بكلّ وضوح حكمة الشريعة، ولطف مقصدها في حسم مادّة الفساد، حيث إنّ اجتنباب الخمر تجعل المكلّف عارفا بما يقوم به من تصرّفات، مدركا لما قد ينتج عنها من محاسن أو سيّئات. والشريعة لم تقف عند تحريم الخمر، بل جعلت لذلك عقوبة وهي الجلد، وقد وقع خلاف بين الفقهاء في كون هذه العقوبة حديّة فتكون أربعين جلدة أو ثمانين جلدة، بينما ذهب آخرون إلى القول بأنّ عقوبة الخمر تعزيريّة . فتجب عقوبة شارب الخمر لحديث "أنس بن مالك "أن نبي الله  جلد في الخمر بالجريد والنعال. ثم جلد أبو بكر أربعين. فلما كان عمر، ودنا الناس من الريف والقرى، قال: ما ترون في جلد الخمر؟ فقال عبدالرحمن بن عوف: أرى أن تجعلها كأخف الحدود. قال: فجلد عمر ثمانين" . وعن قبيصة بن ذؤيب: أن النبي -- قال: "من شرب الخمر فاجلدوه، فإِن عاد فاجلدوه، فإِن عاد فاجلدوه، فإِن عاد في الثالثة أو الرابعة فاقتلوه". فأتي برجل قد شرب الخمر فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتي به فجلده، ثم أتى به فجلده، ورفع القتل وكانت رخصة". وعن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت رسول الله -- غداة الفتح وأنا غلام شابٌ يتخلَّلُ الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأُتِيَ بشارب، فأمرهم فضربوه بما في أيديهم فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعله، وحثى رسول الله -- التراب. فلما كان أبو بكر أتي بشارب، فسألهم عن ضرب النبي -- الذي ضربه، فحرزوه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين. فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: إن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا الحدّ والعقوبة قال: هم عندك فسلهم، وعنده المهاجرون الأولون فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين. قال: وقال عليّ: إن الرجل إذا شرب افترى فأرى أن يجعله كحدِّ الفرية" . إذن، فتجب عقوبة شارب الخمر لحديث، ويبقى تحديد هذه العقوبة من باب السياسة الشرعيّة . فالمقصود أنّ من قصد الشارع حماية العقل وحفظه من أيّ ضرر يصيبه، فكان تحريم الخمر، والنّص على أنّ شارب الخمر يجب أنْ يعاقب تحقق حفظ العقل بدفع الفساد عنه. واتباعا لهذا المقصد الشرعي قد نصّ الفقهاء قديما وحديثا على أنّ كلّ مسكر أو مخدّر مما يشرب أو يقتات يجب تحريمه، وسنّ عقوبة له لردع الناس عن شرب أو تناول ما يدخل ضررا على العقل، ويفسد على المسلم تصرّفاته، إذ إنّ العقل مناط التكليف.   


   5. حفظ المال: للمال في الإسلام مكانة عظيمة، فبه قوام الحياة، حيث تكسب به الأقوات، وتتوفر وسائل المعيشة، فتجلب بصرف الأموال فيها. ثم إنّ توفر المال يقتضي الحفظ حتى تتحقق الاستفادة منه، والانتفاع به، فكان الحجر على السّفيه، ومنعه من التصرّفات الماليّة لمصلحة المحجور عليه لحفظ ماله. فقد نبّه على ذلك الذكر الحكيم تنبيها لطيفا فقال تعالى:وَلاَ تُؤْتُواْ السُّفَهَاء أَمْوَالَكُمُ الَّتِي جَعَلَ اللّهُ لَكُمْ قِيَاماً وَارْزُقُوهُمْ فِيهَا وَاكْسُوهُمْ وَقُولُواْ لَهُمْ قَوْلاً مَّعْرُوفاً(النساء:5). وزيادة على ذلك، فإنّ الشريعة قد حرّمت التعدي على أموال الآخرين، وأخذها ظلما وعدوانا، فقال تعالى:وَلاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُم بَيْنَكُم بِالْبَاطِلِ وَتُدْلُواْ بِهَا إِلَى الْحُكَّامِ لِتَأْكُلُواْ فَرِيقاً مِّنْ أَمْوَالِ النَّاسِ بِالإِثْمِ وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ(البقرة:188)، وقال تعالى:إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيراً(النساء:10)، وقال تعالى:يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ لاَ تَأْكُلُواْ أَمْوَالَكُمْ بَيْنَكُمْ بِالْبَاطِلِ إِلاَّ أَن تَكُونَ تِجَارَةً عَن تَرَاضٍ مِّنكُمْ وَلاَ تَقْتُلُواْ أَنفُسَكُمْ إِنَّ اللّهَ كَانَ بِكُمْ رَحِيماً(النساء:29). فهذا التحريم لأكل أموال الناس بالباطل قصد به حماية المال وحفظه، بل إنّ الشريعة قد بلغت الغاية في حفظ المال، حيث سنّت لمن وقع اعتداء على ماله أن يدفع هذا الضرر عن ماله، ولو بمقاتلة المعتدي، وإن أدى ذلك إلى القتل. فـ"عن أبي هريرة  قال:"جاء رجل إلى رسول الله . فقال: يا رسول الله! أرأيت إن جاء رجل يريد أخذ مالي؟ قال "فلا تعطه مالك" قال: أرأيت إن قاتلني؟ قال "قاتله" قال: أرأيت إن قتلني؟ قال "فأنت شهيد" قال: أرأيت إن قتلته؟ قال "هو في النار" .


   ولكنّ الشريعة لم تقف عند تحريم أكل الأموال بالباطل، وتوعّد الفاعل لذلك بالعذاب الأليم يوم الحساب، بل قد احتاطت في حفظ مقصد المال، حيث سدّت ذريعة الاعتداء عليه فشرّعت عقوبة زاجرة عن الاقتراب من أموال الآخرين، وأخذها ظلما وعدوانا. ولقد حدّد الشارع عقوبة السّرقة بقوله تعالى:وَالسَّارِقُ وَالسَّارِقَةُ فَاقْطَعُواْ أَيْدِيَهُمَا جَزَاء بِمَا كَسَبَا نَكَالاً مِّنَ اللّهِ وَاللّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ(المائدة:38). فهذه العقوبة الشرعيّة لم ترد في الشريعة إلا في السّرقة وحدّ الحرابة، حيث إنّ أغلب العقوبات الشرعيّة تكون بالجلد أو القصاص. "وأما القطع فجعله عقوبة مثله عدلاً، وعقوبة السّارق، فكانت عقوبته به أبلغ وأردع من عقوبته بالجلد، ولم تبلغ جناية حدّ العقوبة بالقتل، فكان أليق العقوبات به إبانة العضو الذي جعله وسيلة إلى أذى الناس، وأخذ أموالهم" . وزيادة على ذلك، فقد تكون جريمة السّرقة جماعيّة، ومسّلحة، فهذه أمرها أكبر ضررا من السّرقة الفرديّة، وفسادها يعمّ المجتمع كلّه أو يكاد. ولذا، فقد غلّظت الشريعة عقوبة هذا النوع من الجرائم بما يتناسب مع حجم الجريمة وجرمها، والتي تعرف بجريمة الحرابة أو السّرقة الكبرى أو قطع الطريق. فهذه الجريمة وردت عقوبتها في قول الله تعالى:إِنَّمَا جَزَاء الَّذِينَ يُحَارِبُونَ اللّهَ وَرَسُولَهُ وَيَسْعَوْنَ فِي الأَرْضِ فَسَاداً أَن يُقَتَّلُواْ أَوْ يُصَلَّبُواْ أَوْ تُقَطَّعَ أَيْدِيهِمْ وَأَرْجُلُهُم مِّنْ خِلافٍ أَوْ يُنفَوْاْ مِنَ الأَرْضِ ذَلِكَ لَهُمْ خِزْيٌ فِي الدُّنْيَا وَلَهُمْ فِي الآخِرَةِ عَذَابٌ عَظِيمٌ(المائدة:33). ومن حكمة الشريعة، ومحاسن أحكامها أنه "لما كان ضرر المحارب أشدّ من ضرر السّارق وعدوانه أعظم ضمّ إلى قطع يده قطع رجله، ليكفّ عدوانه، وشرّ يده التي بطش بها، ورجله التي سعى بها، وشرع أنْ يكون ذلك من خلاف لئلاّ يفوِّت ليه منفعة الشقّ بكماله، فكفّ ضرره وعدوانه، ورحمه بأنْ أبقى له يدا من شقّ، ورجلاًمن شقّ" .


   فالمتأمّل في هاتين العقوبتين الشرّعيتين يلاحظ أنّ مقصد الشارع حفظ أموال الأمة على المستوى الفردي  والجماعي على حدّ سواء، فيدفع بهما الضرر عن الأموال سواء العام منها أو الخاص. فحدّ السّرقة المتمثّل في قطع يد السّارق يكون في الاعتداء على أموال الأفراد، بينما حدّ الحرابة يكون في الاعتداء على المجتمع كلّه. فالحرابة فيها ضرر عام على المجتمع، إذا تؤدّي إلى إخافة السبيل، والقتل، وسرقة أموال الناس بالغلبة والقهر، بحيث تتعطل مصالح الناس، وتضطرب أمور معيشتهم، لذلك جعل الشارع للمحاربين عقوبة فيها غلظة وشدّة لعظم ضرر هذه الجريمة. ولذا، كان من واجبات الإمام أنْ يحارب المحاربين، "فإذا اظطربت الطرق، وانقطعت الرِّفاق، وانحصر الناس في البلاد، وظهرت دواعي الفساد، ترتب عليه غلاء الأسعار، وخراب الدِّيار، وهواجس الخطوب الكبار، فلينهض الإمام لهذا المهمِّ، وليوكّل الذين يخفّون، وإذا حزب خطب لا يتواكلون"  من أجل ردع المحاربين وكفّهم عما يلحق الناس من الأذي في أنفسهم، ومعاشهم، وأموالهم، وطرقاتهم. والمقصود أنّ تشريع حدّي السّرقة والحرابة له أثر كبير في حفظ أموال الأمة جميعا، وحماية هذا المقصد الشرعي من أنْ يتطرق إليه ضرر يفسده، ويمنع الانتفاع به على وجه مشروع.


   وأيا ما كان الأمر، فإنّ كلّ جريمة حرمتها الشريعة، ونصت على عقوبة دنيويّة لها لأنها تدخل ضررا على الدين أو النفس أو النسل أو العقل أو المال. والحاصل أنّ من مقاصد الشارع حماية المجتمع، ووقايته من انتشار الفساد، ودرأ كلّ شيء يعود بالضرر على الفرد والمجتمع. إذن، فالشريعة ليست بنكاية للناس بل رحمة لهم بمعنى أنّ مختلف تشريعاتها في الأمور كلّها إنما يتجلى فيها معنى الرحمة والرأفة بالناس حتى التشريعات المتعلقة بالجنايات، وما وضعته الشريعة لها من عقوبات تمثّل عين الرحمة إذ "إنّ من أعظم المقاصد التي قصدت ببعثة الأنبياء عليهم السّلام دفع المظالم من بين الناس، فإنّ تظالمهم يفسد حالهم، ويضيق عليهم"  فكانت العقوبات الشرعيّة محققة لهذا المقصد العظيم أتم التحقيق. ومن ثمّ، نصل إلى ما قررناه آنفاً من كون العقوبات وإن كانت في ظاهرها أذى يلحق بالجاني، ولكنها في باطنها تحقيق مصلحة عظيمة تتمثل في دفع المفسدة عن المقاصد بأنواعها، والتي جاءت أحكام الشريعة الإسلاميّة ومبادئها لحفظها. فتكون هذه العقوبات وأثرها في حفظ مقاصد الشريعة يتمثّل في سدّ ذريعة الضرر من أن تطالها، حيث إنّ "سدّ الذريعة موقعه وجود المفسدة" . إذن، فدخول المفسدة على مقاصد الشارع اقتضت تشريع عقوبات مقدّرة من قبل الشارع من شأنها أنْ يكون لها أثر في دفع الضرر عنها، وحمايتها من الفساد كما بيّنت سابقا. وفضلا عن ذلك، فإنّ العقوبات التعزيريّة لها أثر أيضا في حفظ مقاصد الشريعة وحمايتها، حيث إنها تعزّز ذلك وتقوّيه، وهذا أمر نفرغ لبيانه في الحين.


ثانيا: العقوبات التعزيريّة تعزّز حفظ مقاصد الشريعة
   لم تضع الشريعة عقوبات مقدّرة والمتمثّلة في الحدود والقصاص إلا لعدد قليل من الجرائم مراعيّة في ذلك عظم الجريمة من حيث ما تحدثه من فساد، وتخلّفه من ضرر، لاسيما الضروريات الخمس التي جاءت تشريعات الإسلام لحمايتها، وحفظها كما بيّنت سابقاً. وأما بقيّة الجرائم فقد فوّضت أمر تحديد عقوباتها، وتطبيقها للإمام أو من ينوب عنه مثل القاضي، وهذا النوع من العقوبات يسّمى بالتعزير. و"التعزير تأديب على ذنوب لم تشرع فيها الحدود، ويختلف حكمه باختلاف حاله ، وحال وحال فاعله، فيوافق الحدود من وجه أنه تأديب استصلاح وزجر، يحتلف بسحب اختلاف الذنب" . ولذا، فالتعزير عقوبة غير مقدّرة شرعا فهي قابلة للتغيّر من حال إلى أخرى، ومن عصر إلى آخر، فضلا عن أنها قابلة للزيادة والنقصان، والتغليظ والتخفيف على وفق ما تقتضيه المصالح الشرعيّة، وسياسة البلاد والعباد. ومن ثمّ، فإنّ التشريع الجنائي الإسلامي فيه سعة ومرونة، حيث إنّ العقوبات المقدّرة من قبل الشارع قليلة الأمر الذي يجعل للعقوبة التعزيريّة مجالا واسعا لإيقاعها فضلا عن مرونة في تغيير  العقوبة التعزيريّة من حين إلى آخر لأنها لا تكتسب صفة الثبات والديمومة كما هو الحال بالنسبة للحدود والقصاص.


   وبما أنّ التعزير جزء من العقوبة في التشريع الإسلامي، فإنّ ما سبق ذكره في فلسفة العقوبة في التشريع الجنائي، وما تحققه من دفع الضرر عن مقاصد الشريعة، وحمايتها من أيّ فساد قد يصيبها، فذلك كلّه ينطبق على التعزير. فالتعزير "شُرع للزجر المحض ليس فيه معنى تكفير الذنب، بخلاف الحدود فإنّ معنى الزجر فيها يشوبه معنى التكفير للذنب" . ولكنّ للتعزير مقاصد أخرى تكمّل ما قررته سابقا بحيث يكون له أثر في دفع الضرر عن مقاصد الشريعة، وحمايتها من المفاسد التي يمكن أن تتطرق إليها. ومن ثمّ، فيكون للعقوبات التعزيريّة مكانة مهمّة في التشريع الجنائي الإسلامي، لا يمكن إغفالها أو الغضّ من مكانتها. وقد بان لي بعد التأمّل في كلّ من العقوبات المقدّرة من قبل الشارع، وغير المقدّرة أنّ للعقوبات التعزيريّة ثلاثة وظائف رئيسة يمكن أنْ تلحق بأثر العقوبة المقدّرة سواء أكانت حدّا أم قصاصاً في دفع الضرر عن مقاصد الشريعة، فيكون النظام الجنائي حينها نظاما كاملا يدرأ الضرر، ويمنع الفساد منعا محكما. وعليه، فإنّ الوظائف الرئيسة للعقوبات التعزيريّة كالآتي:


   الوظيفة الأولى: سنّ عقوبات للجرائم والمعاصي التي لم يرد فيها عقوبة مقدّرة شرعاً: سبق بيان أنواع المعاصي، وموقف الشريعة منها من حيث العقوبات. وبناء على ذلك، فليس كلّ معصية أو جريمة قدّرت لها الشريعة عقوبة، بل إنّ تقدير العقوبات كان في عدد قليل من الجرائم الكبرى، فضلا عن أنّ بعض المعاصي قد جعلت لها الشريعة كفارات. وأما بقيّة المعاصي وهي كثيرة جدا بالنسبة للمعاصي التي لها عقوبة مقدّرة، فإنّ الشريعة لم تضع لها عقوبة معيّنة ومحددّة، بل تركت تقديرها لولي الأمر أنْ يتولى ذلك بما يحقق مقصد الشارع من تشريع العقوبات. ومن ثم، فإنّ من يتولى أمر تقدير العقوبة التعزيريّة ينبغي عليه أنْ يسلك مسلك الشريعة في وضع العقوبة وتقديرها، وأنْ ينظر لما فيه مصلحة، وحفظ مقاصد الشريعة.


   ولذا، فإنه يتعيّن على من يتولى أمر المسلمين في كلّ عصر أن يقدِّر عقوبات تعزيريّة لمن يرتكب معاصي، ويقترف جرائم غير منصوص على عقوبتها في القرآن الكريم أو السنّة النبويّة. وعليه، فتكون "التعزيرات دفعا لمفاسد المعاصي والمخالفات، وهي إما حفظ لحقوق الله أو لحقوق العباد أو للحقّين جميعا" . والمقصود أنّ سنّ عقوبات للمعاصي والجرائم التي لم يرد فيها عقوبة مقدّرة شرعاً يكون لها أثر قويّ في دفع الفساد عن مقاصد الشريعة وحمايتها، حيث إنّ المسلم إذا علم أنّ أي جريمة يرتكبها سيناله من جرائها عقوبة ولو لم يرد في الشريعة تقديرها، فإنه يمتنع عن ذلك، وإن سوّلت له نفسه واجترحها، فتقع عليه عقوبة تعزيريّة تردعه عن العود إلى مثلها.


  الوظيفة الثانيّة: تغليظ العقوبة: إنّ وظيفة العقوبات التعزيريّة لا تتوقف عند سنّ عقوبات للمعاصي والجرائم التي لم يرد فيها عقوبة مقدّرة شرعاً، بل تتعداها إلى وظيفة أخرى في غاية الأهميّة وهي تغليظ العقوبة. ومعنى ذلك أنّ العقوبة التعزيريّة قد تستخدم مع الحدود والقصاص، إذا لم تفلح تلك العقوبات في ردع الناس، وزجرهم عن ارتكاب جريما بعينها . وتظهر أهميّة هذه الوظيفة للعقوبة التعزيريّة أنها تكون من باب التشديد في إيقاع العقوبة، وتقوية لمقصد العقوبة المقدّرة شرعا وأعني بذلك زجر الناس ومنعهم من ارتكاب الجرائم، وسدّا لذريعة انتشارها في المجتمع، وشيوعها بين الناس. وسبب ذلك أنه قد يكون بين أفراد المجتمع الإسلامي طائفة من الناس لا تزجرهم العقوبات الحدّية، فحينها تغلّظ العقوبة بالتعزير ليتحقق مقصد العقوبة، وغايتها في التشريع الإسلامي. ولذا، فالتعزير يدخل في باب السياسة الشرعيّة التي يقصد بها إصلاح الخلق، وتهذيب تصرّفاتهم بما يلائم مقصد الشارع وأحكامه. "فالسياسة إذا قصد بها في تشريع أحكام فيها زجر وردع وتأديب ولو بالقتل يكون تعريفها كما يلي: السياسة تغليظ جناية لها حكم شرعي حسماً لمادّة الفساد...وهي سياسة الإمام بفرضه نظماً للزجر والتأديب بأنْ يغلِّظ جزاء جناية لها حكم شرعي كي يحسم بذلك الفساد، ويقضي على عبث المجرمين، ويحقق الاستقرار الذي هزّته الأيدي الآثمة بتكرارها ارتكاب الجرائم والمخالفات"  الشرعيّة.


   وأيا ما كان الأمر، فإنّ الرسول  قد سنّ التعزير تغليظا للعقوبة، لاسيما لمن تكررت منه جريمة بعينها، ولقد كان من فقه أبي داود، وحسن تبويبه أن أورد في كتاب الحدود من سننه "باب إذا تتابع في شرب الخمر"، فقد أخرج فيه حديث "أتي النبي  بشارب، وهو بحُنَينٍ، فحثى في وجهه التراب، ثم أمر أصحابه فضربوه بنعالهم وما كان في أيديهم، حتى قال لهم: ارفعوا، فرفعوا" . وفي عقوبة شارب آخر ورد  في الحديث أنه "...قال فيه بعد الضرب: ثم قال رسول الله  لأصحابه: "بكِّتوه"، فأقبلوا عليه يقولون: ما اتقيت اللّه، ما خشيت اللّه، وما استحييت من رسول الله  ثم أرسلوه" .   ولقد سلك عمر بن  الخطاب  مسلك النبي  في تغليظ العقوبة التعزيريّة في حال تكرر الجريمة، وخوف شيوعها بين الناس، ومنعهم من التمادي فيها. فـ"عن عبد الرحمن بن أزهر قال: رأيت رسول الله  غداة الفتح وأنا غلام شابٌ يتخلَّلُ الناس يسأل عن منزل خالد بن الوليد، فأُتِيَ بشارب، فأمرهم فضربوه بما في أيديهم فمنهم من ضربه بالسوط، ومنهم من ضربه بعصا، ومنهم من ضربه بنعله، وحثى رسول الله  التراب. فلما كان أبو بكر أتي بشارب، فسألهم عن ضرب النبي  الذي ضربه، فحرزوه أربعين، فضرب أبو بكر أربعين. فلما كان عمر كتب إليه خالد بن الوليد: إن الناس قد انهمكوا في الشرب وتحاقروا الحدّ والعقوبة قال: هم عندك فسلهم، وعنده المهاجرون الأولون فسألهم فأجمعوا على أن يضرب ثمانين.  قال: وقال عليّ: إن الرجل إذا شرب افترى فأرى أن يجعله كحدِّ الفرية" .


   إذن، فكان التعزير زيادة في العقوبة المقدّرة لتشديدها وتغليظها حتى تردع الجاني إذا تكرر منه اقتراف للجرائم، ولوحظ تماديه فيها، وأتبع الجريمة الجريمة. ولقد نبّه على هذا الأمر الإمام ابن تيميّة بقوله"وأما المعاصي التي ليس فيها حدّ مقدّر ولا كفّارة كالذّي يقبّل الصبيّ، والمرأة الأجنبيّة، أو يباشر بلا جماع...فهؤلاء يعاقبون تعزيراً وتنكيلا وتأديباً، بقدر ما يراه الوالي، على حسب كثرة ذلك الذنب في الناس وقلته، فإذا كان كثيرا زاد في العقوبة، بخلاف ما إذا كان قليلا، وعلى حسب حال المذنب، فإذا كان من المدمنين على الفجور، زِيد في عقوبته، بخلاف المقلّ من ذلك" . ولذا، فتكون للتعزير وظيفة في غاية الأهميّة تتمثّل في كونها تكمّل مقصد التشريع الإسلامي للعقوبات المقدّرة شرعا، وتقوّي أثرها في دفع الضرر عن مقاصد الشريعة.  


   الوظيفة الثالثة: الوقاية: العقوبة التعزيريّة لها وظيفة أخرى فضلا عمّا سبق ذكره وهي وظيفة وقائيّة، حيث إنها تعدّ بمثابة حماية لمقاصد الشريعة من ضرر متوقّع حدوثه. فالعقوبة التعزيريّة قد تكون مع العقوبة المقدّرة من قبل الشارع قصد تغليظها وتشديدها لمنع انتشار الجرائم وشيوعها، وقد تكون في الجرائم والمعاصي التي ليست لها عقوبة مقدّرة في الشريعة. ولذا، فيشرع سنّ عقوبات لأيّ جريمة أو معصيّة غير منصوص على عقوبتها من باب التعزير لوقاية مقاصد الشريعة وحمايتها فضلا عن "أنّ التعزير يختلف باختلاف الأعصار والأمصار" ، الأمر الذي يجعل في سنّه سعة ومرونة. وعليه، فتكون العقوبات التعزيريّة بمثابة إجراءات وقائيّة يمكن أن تحول بين الجرائم وارتكابها، وتكون سدّا منيعا أمام وقوع كثير من الجرائم ذات الضرر العظيم، والفساد الكبير. ولعلّ ضرب مثال لذلك يقرِّب لنا المقصود بهذه الوظيفة الوقائيّة للعقوبة التعزيريّة، فأقول إنّ الله  قد حرّم الزنا، وحرّم كل ما يقرِّب منه من قول أو فعل فقال تعالى:وَلاَ تَقْرَبُواْ الزِّنَى إِنَّهُ كَانَ فَاحِشَةً وَسَاء سَبِيلاً(الإسراء :32). فكلّ أمر يمكن أنْ يقرّب المرء من ارتكاب فاحشة الزنا، فيشرع سنّ عقوبة تعزيريّة له مثل لخلوة، والتعرّض للنساء، والخضوع بالقول الفاحش، والقبلة دون جماع وغيرها من الأقوال والأفعال التي تقرِّب من الزنا، وتحرّض على ارتكابه. فـ "كلّ ما دون الوقاع من الأفعال التي تمسّ العرض، تعتبر في الشريعة الإسلاميّة من المعاصي التي ليست فيها عقوبة مقدّرة فيجب فيها التعزير" . فإذا وضعت عقوبات تعزيريّة لمثل هذه الأمور، فإنّ كثيرا من الناس تعظهم هذه العقوبات، وتزجرهم عن ارتكابها، وتمنعهم من الوقوع فيها. والمقصود أنّ العقوبات التعزيريّة تعتبر من التدابير الوقائيّة التي يمكن أن تساهم إلى حدّ كبير في منع كثير من الجرائم التي لها ضرر كبير على مقاصد الشريعة.


خاتمة

وفي نهاية هذا البحث أقول إنّ هذه محاولة قصدت بها بيان مقاصد الشريعة في التشريع الجنائي الإسلامي، وقد تمّ ذلك بتوضيح فلسفة العقوبة في التشريع الجنائي ومغزاها، وبيان مقصد الشريعة من العقوبات، فضلا عن بيان أثر التشريع الجنائي الإسلامي في حفظ مقاصد الشارع وحمايتها. ولعلّ هذه الدِّراسة المقاصديّة قد أبرزت بعض الحِكم والعِلل المنوطة بنظام العقوبات الشرعيّة التي استطاع الباحث الوقوف عليها لإثبات خلاف ما أثبته المرجفون في الغرب والشرق من كون الحدود منافية للقل، وكرامة الإنسان وإنسانيته، فضلا عن إزالة ما أثير حولها من شبهات وأباطيل. وبناء على ما سبق بيانه أخلص إلى توكيد ما قلته سابقا بأنّ الجزء المتعلق بالعقوبات في الشريعة الإسلاميّة صالح للتطبيق في عصرنا الحالي، وفي المستقبل كما كان صالحاً كلّ الصلاحيّة في الماضي، بل لعلنا اليوم في حاجة آكد من قبل لتطبيقه نظرا لعموم الجنايات وانتشارها في المجتمعات الإنسانيّة انتشار النار في الهشيم، حيث عمّ الفساد البر والبحر بما كسبت أيدي الناس.  
 
مراجع البحث
أبوزهرة، محمد: العقوبة (القاهرة: دار الفكر العربي، 1998).
ابن العربي، أبو بكر محمّد بن عبد الله: أحكام القرآن، راجعه محمّد عبد القادر عطا (بيروت: دار الكتب العلميّة، ط.3، 1424هـ/2003م).
ابن تيميّة: السّياسة الشرعيّة في إصلاح الراعي والرعيّة، تحقيق عصام فارس الحرستاني (بيروت: دار الجيل، 1413هـ/1993م). 
ابن تيميّة، أحمد بن عبد الحليم: الصّارم المسلول على شاتم الرسول (بيروت: دار ابن حزم، 1424هـ/2003م).
ابن رشد، أبو الوليد محمد بن أحمد: بداية المجتهد ونهاية المقتصد، تحقيق علي معوذ، وعادل عبد الموجود (بيروت: دار الكتب العلميّة، 2002م).                              
ابن عاشور، محمد الطاهر: مقاصد الشريعة الإسلاميّة، تحقيق ودراسة محمد الطاهر الميساوي (عمّان: دار النفائس، 1421هـ/2001م).
ابن عبد السلام، عزّ الدّين بن عبد العزيز: القواعد الكبرى (قواعد الأحكام في إصلاح الأنام)، تحقيق نزيه حماد وعثمان جمعة (دمشق: دار القلم، 1421هـ/2000م).  
ابن قيّم الجوزيّة، محمد بن أبي بكر: إعلام الموقّعين عن ربِّ العالمين، تحقيق عصام الصّبابطي (القاهرة: دارالحديث، 1425هـ/2004م).
الترمذي، أبو عيسى محمّد بن عيسى: الجامع الصحيح (بيروت: دار ابن حزم، 1422هـ/2002م).
التوحيدي، أبو حيّان: الصداقة والصديق، تحقيق إبراهيم الكيلاني (بيروت: دار الفكر المعاصر، ط 2، 1996).
الجويني، أبو المعالي عبد الملك: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق خليل المنصور (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1417هـ/1997م).
الجويني، أبو المعالي عبد الملك: غياث الأمم في التياث الظلم، تحقيق خليل المنصور (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1417هـ/1997م).
الحصري، أحمد: السّياسة الجزائيّة في فقه العقوبات الإسلامي المقارن (بيروت:دار الجيل، 1413هـ/1993م).
الدهلوي، أحمد شاه ولي الله بن عبد الرحيم: حُـجّة الله البالغة، ضبطه محمد سالم هاشم (بيروت: دار الكتب العلميّة، 2001).
السجستاني، أبو داود، سليمان بن الأشعث: السنن، مراجعة صالح بن عبد الله آل الشيخ (دمشق: دار الفيحاء / الرياض: دار السّلام، 1420هـ/1999م).
السّرخسي، أبو بكر محمّد بن أحمد: المبسوط (كراتشي: إدارة القرآن والعلوم الإسلاميّة، 1407هـ/1987م).
سلام، رشاد: تطبيق الشريعة بين القبول والرفض (القاهرة: سينا للنشر وبيروت: مؤسسة الانتشار العربي، 1997).
الشاطبي، أبو إسحاق إبراهيم بن موسى: الموافقات في أصول الشريعة، شرح عبد الله دراز (بيروت:دار الكتب العلميّة، 1422هـ/2001م).
الشافعي، محمّد بن إدريس: الأمّ، تحقيق رفعت فوزي عبد المطلّب (مصر: دار الوفاء، 1425هـ/2004م)، ج 7، ص 350.
شرف الدّين، عبد العظيم: العقوبة المقدّرة لمصلحة المجتمع الإسلامي (مصر: مكتبة الكليّات الأزهريّة، 1393هـ/1973م).  عامر، عبد العزيز: التّعزير في الشريعة الإسلاميّة (بيروت: دار الفكر العربي، 1969).
العـوّا، محمد سليم: في أصول النظام الجـنائي الإسلامي دراسة مقارنة (مصر: دار المعارف، ط 2، 1983). 
عوده، عبد القادر: التشريع الجنائي الإسلامي مقارناً بالقانون الوضعي (بيروت: مؤسسة الرسالة، ط14، 2000م).
غراب، محمود عبد الحميد: أحكام الإسلام إدانة للقوانين الوضعيّة (بيروت: دار الاعتصام، 1986)،  ص 220.
الغزالي، أبو حامد محمد: المستصفى من علم الأصول، تحقيق محمد عبد السلام عبد الشافي (بيروت: دار الكتب العلميّة، 1993).  
القرافي، أبو العباس أحمد بن إدريس الصنهاجي: الفروق، تحقيق خليل المنصور (بيرت:دار الكتب العلميّة، 1418هـ/1998م).
القرطبي، أبي عبد الله محمّد بن أحمد: الجامع لأحكام القرآن (القاهرة: دار الكتاب العربي، 1387هـ/1967).
القزويني، أبو عبد الله محمّد بن يزيد ابن ماجة: السنن، مراجعة صالح بن عبد العزيز آل الشيخ (الرياض: دار السّلام، 1420هـ/1999م).
الكاساني، علاء الدّين أبي بكر بن مسعود: بدائع الصنائع في ترتيب الشّرائع، تحقيق محمّد عدنان درويش (بيرون: دار إحياء التراث العربي، ط.3، 1421هـ/2000م).
اللكنوي، عبد الحيّ: التعليق الممجد على موطأ محمّد، تحقيق تقي الدّين الندوي (بيروت: مؤسسة فؤاد بعينو، ط. 3، 1419هـ/1999م).
الماوردي، أبو الحسن علي بن محمد: الأحكام السلطانيّة والولايات الدينيّة، تحقيق سمير زيات (بيروت: المكتبة العصريّة، 1421هـ/2000م).
النيسابوري، مسلم بن الحجاج: الصحيح، تحقيق محمّد فؤاد عبد الباقي (القاهر: دار الحديث، 1412هـ/1991م).


اترك تعليق