ما الجديد في فقه الجهاد للقرضاوي؟ (راشد الغنوشي)

By :

تأتي أهمية  هذه الندوة من انصبابها على أخطر مسألة في الفكر الإسلامي الحديث مسألة "الجهاد" لما تحتله من مكانة  في بنية الإسلام باعتباره "ذروة سنام الإسلام " كما ورد في الحديث، ولما تصطرع فيها داخل الإسلام وخارجه من رؤى ومواقف شديدة التباين وذات الأثر الأعظم  على جملة العلاقات الدولية بسبب الدور المتنامي للإسلام في العلاقات الدولية.

 فضلا عن أثر هذه الرؤى على اتجاهات المسلمين في مستوى علاقاتهم فيما بينهم وفيما بينهم وبين حكوماتهم وفي علائقهم مع غير المسلمين، وذلك  بالنظر لما يشهده الإسلام من صحوة على امتداد الوجود الإسلامي سواء في المستوى العقدي أم في مستوى القيام بالشعائر في اتجاه الارتباط المتزايد بين الإسلام كدين (عقائد وشعائر وأخلاقيات) وبين كونه أيدولوجيا ذات التأثير الكبير على جملة أفكار ومسالك المسلم الاجتماعية والسياسية مما يسمى الإسلام السياسي حيث يحتل الجهاد القلب من هذا المفهوم على نحو أو آخر كما سنرى.

 كما تأتي أهمية هذه الورقة في هذه الندوة من مكانة الشخصية التي تتولى عرض مواقفها من هذه المسألة المحورية، أعني شخصية الشيخ يوسف القرضاوي بما يحتله من مكانة محورية في الإسلام المعاصر تشهد عليها  المواقع القيادية التي تبوأها على أكثر من مستوى...

ففي المستوى العلمي تجاوزت مؤلفاته المائة وخمسين غطت كل جوانب الفكر الإسلامي ، ولم يقف عند عضوية أهم مجامع الفقه والفكر الإسلاميين حتى تم اختياره دون منازع رئيسا لاتحاد علماء المسلمين.

 كما أنه رئيس للمركز الأروبي للبحوث والإفتاء ولعدة تجمعات خيرية  وعضو في أكثر من هيئة أكاديمية للدراسات الاسلامية منها مركز اكسفورد للدراسات الإسلامية.

 ومن جهة "الإسلام السياسي" قد نشأ في أكبر هيئة من هيئاته "جماعة الإخوان المسلمين" وشغل مواقع قيادية أولى فيها، ويعتبر نجما ساطعا في عالم الإعلام المعاصر سواء من خلال تأسيسه لأهم موقع إسلامي على شبكة الإنترنت "إسلام أون لاين" أو من خلال برنامجه الأسبوعي الشهير في قناة الجزيرة "الشريعة والحياة" الذي يتابعه أسبوعيا ما لا يقل عن ستين مليونا.

 

ولقد طور القرضاوي في الإسلام المعاصر نظرية محورية يصدر عنها في كل رؤاه ومواقفه وجدّ في الدعوة إليها والشهادة لها وتوسيع مجراها وتهميش ما يخالفها قد دعاها الوسطية الإسلامية، قد استلهمها من قوله تعالى: "وكذلك جعلناكم أمة وسطا" (البقرة: 143).

 


فهو يعرض الإسلام باعتباره موقفا وسطا بين أطراف متصالبة متناقضة فهو الوسط الجامع والمجرى الكبير: وسط بين المادية والروحية، وسط بين الفردية والجماعية وسط بين المثالية والواقعية.

 


 ومن هذا المنظور الوسطي يعرض جملة اجتهاداته في كل جوانب الفكر الإسلامي ومنها جملة اجتهاداته في موضوع الجهاد كما كشف عنها في آخر مؤلفاته "فقه الجهاد" دراسة مقارنة لأحكامه وفلسفته في ضوء القرآن والسنة". دراسة وصفها صاحبها " بأنه تعب فيها مباشرة لعدة سنوات وشغلته لعقود "صاغ ثمارها في سفر ضخم في مجلدين عرض فيهما من منظور الوسطية لجملة مواقفه من هذه القضية المحورية ، شاقا وسط الأشواك والصخور لنظريته في الجهاد مجرى واسعا يأمل أن يسهم به في تشكيل الإجماع حول هذه المسألة الخطرة ، فـ"من الخطر والخطل أيضا أن يفهم الجهاد على غير وجهه وتستباح باسمه دماء معصومة وتستحل به حرمات وأموال بغير حق ويتهم بسبب ذلك المسلمون والإسلام بالعنف والإرهاب والإسلام بريئ كل البراءة من هذا الاتهام. ولكن مشكلتنا في مثل هذه القضية الكبرى أن الحقيقة تضيع فيها بين طرفي الإفراط والتفريط".

 


 سيتجه عرضنا لهذا العمل الضخم الى إبراز الصورة العامة للجهاد في الإسلام كما تجلت للشيخ القرضاوي من خلال  نصوص الكتاب والسنة متفاعلة مع المنظومة التفسيرية والفقهية، كما تجلت في سياقاتها التاريخية التي برزت فيها ، ومن خلال أحوال الأمة الإسلامية الراهنة  وهي تخوض صراعات كبرى داخلها مع قوى الاستبداد ومع القوى الخارجية، يستدعى الجهاد، تخوضها في ظل موازين للقوة قائمة وفي ظل ثقافة معاصرة تمجد قيم الحرية وفي ظل قانون دولي يعترف بحدود للدول ويقصر مشروعية الحرب على ممارسة حق الدفاع.

 


 في هذه السياقات كلها تشكلت صورة الجهاد لدى القرضاوي. وما يهمنا ليس تفاصيلها وإنما المشهد العام وما هو جديد في هذه الصورة وخصوصا ما له علاقة بالقضايا الكبرى مثل علاقة الجهاد بقضايا الحرية، وبعلاقات المسلمين مع غيرهم داخل المجتمع الإسلامي وخارجه.

 


 فما هي أسس هذا المنهج؟ ما الجهاد؟ أنواعه؟ وما أهدافه؟ الجهاد بين الدفع والطلب؟ ما تعريف دار الإسلام ودار الكفر؟ حكم الأسير في الإسلام؟ الجهاد داخل الأمة؟ الجهاد وقضايا الأمة المعاصرة؟

أولا: مسائل تتعلق بالمنهج

حدد المؤلف في المقدمة الأسس التي اعتمد عليها في دراسته فهي:

أ- الاعتماد أساسا على القرآن الكريم باعتباره النص القطعي في ثبوته بالتواتر اليقيني، فهو الحجة على كل المصادر الأخرى بما فيها السنة النبوية ويفهم بحسب منطق لغته الأصلية العربية دون تعسف.

 


 وعلى اعتبار أن كل نصوصه نزلت ليهتدى ويعمل بها ففي كل ما في المصحف معمول به غير منسوخ. ولهذا توقفنا طويلا عند قول من قال إن هناك آية في القرآن سموها "آية السيف" نسخت مائة وأربعين آية أو أكثر. اختلفوا في تعيينها " ويكاد المؤلف يبطل مسألة النسخ في القرآن، بما يسحب من أيدي المتشددين سلاحا بتارا قطعوا به رؤوس مئات الآيات الداعية للرفق  والعفو واعتماد الحكمة والموعظة الحسنة في التعامل مع غير المسلم تمييزا  في صفوف غير المسلمين بين قلة معتدية ظالمة حقها الدفع بالجهاد وبين كثرة مسالمة حقها البر والقسط..

 


 ب- اعتماد السنة الصحيحة التي لا تعارض ما هو أقوى منها كالقرآن. فقد ضعّف مثلا حديث "بعثت بالسيف" وأحاديث أخرى معتمدا على منهج المحدثين في الجرح والتعديل، وأول حديثا صحيحا يأمر بقتال الناس حتى يقولوا لا إله إلا الله بحمله على أنه لفظ عام أريد به خصوص مشركي العرب المعتدين.

 ج- الاغتراف من بحر الفقه كله دون تحيز لفقه مذهب دون مذهب، ودون اقتصار على المذاهب المشهورة، معتمدا منهج المقارنة والتحليل والنقد والترجيح، مميزا بين الفقه والشريعة. الشريعة وضع إلهي، والفقه عمل العقل في استنباط أحكام الشريعة، والفقه الحق ليس النقل من الكتب، بل اجتهاد الفقيه لزمانه ومكانه، فليس ما صلح لعصر يصلح لغيره لا سيما وإن التغيير في زماننا صار كبيرا.

 


 د- اعتماد منهج المقارنة  بين الإسلام وغيره من الديانات والقوانين.

 هـ - الربط بالواقع المعاصر، فعلى الفقيه المسلم إذا تحدث عن الجهاد أن يدرك الثوابت في هذه القضية من مثل سنة التدافع وفرضية إعداد القوة المستطاعة لإرهاب أعداء الله ووجوب قتال من يقاتل المسلمين وتحريم الإعتداء . ولكن هناك متغيرات مثل استنكار الحروب والرغبة في السلام وظهور قوانين دولية ومواثيق حقوقية إنسانية ونظام الأمم المتحدة واحترام سيادة الدول.

 


 وفي هذا الصدد نؤكد أننا "نستطيع أن نعيش في ظل إسلامنا في عالم ينادي بالسلام لا الحرب، وبالأمان لا الخوف، وبالتسامح لا التعصب، وبالحب لا بالكراهية.. نستطيع أن نعيش مع الأمم المتحدة والقوانين الدولية ومواثيق حقوق الإنسان وجماعات حماية البيئة.

 


 والحق إن مشكلتنا الكبرى مع إخواننا المتشددين الذين أغلقوا على أنفسهم النوافذ وأصروا على وجهة نظر واحدة. آفتهم أنهم يحيون في الماضي لا في الحاضر في الكتب لا في الواقع.

 و- تبني منهج الوسطية وهو منهاجنا في الدعوة والتعليم والإفتاء والبحث والإصلاح والتجديد. ومن معالم هذا المنهج  في الفقه تجديد الدين من داخله فنجتهد لعصرنا كما اجتهد علماؤنا السابقون لعصرهم وأن نفهم النصوص الجزئية في إطار المقاصد الكلية وأن نشدد في الأصول ونيسر في الفروع وأن نتلمس الحكمة من أي وعاء خرجت ونلائم بين متغيرات العصر وثوابت الشرع.

 


 ي: ويمكن من خلال دراسة "فقه الجهاد" الاستنتاج بيسر حرص صاحبه على ألا يبرز في الساحة لوحده، منفردا بموقف دون بقية الفقهاء، بل هو شديد الحرص أن يوقف إلى جانبه باستمرار آخرين قدامى ومعاصرين، حتى وإن كانت آراؤهم متروكة أو مجهولة، فينفض عنها الغبار ويلقي عليها الضوء ويعيد عرضها في ثوب قشيب، باعثا فيها حياة جديدة.

 


 كما هو حريص على تعزيز مواقفه بما يتساوق معها من قيم وخبرات الثقافة المعاصرة، مستفيدا من تبحره  وغوصه في أعماق وأرجاء مصادر الثقافة الإسلامية واطلاعه على الثقافة المعاصرة، صانعا من كل ذلك صورة جديدة متماسكة، أصيلة ومعاصرة للجهاد الإسلامي تتمتع بمساحة اشتراك واسعة مع السائد من ثقافة معاصرة حول الحرب والسلم.

 


 الجديد فيها ليس الأجزاء، فمعظمها موجود إلا أنه متناثر في بطون الكتب، وإنما الصورة بحد ذاتها، وهو ما يجعل هذا العمل ساحة لقاء ووفاق، تجد فيه كل الأطراف أو قل معظمها بعض ما هو مألوف لديها بما يسهّل عليها قبول ما هو غير مألوف، وتلك تقاليد عريقة لدى فطاحل علماء السنة أنهم صناع الإجماع في الأمة. ولذلك لم يكن المؤلف مبالغا في تقدير كتابه هذا أنه يمثل حاجة شديدة لفئات واسعة: الشرعيين والحقوقيين والإسلاميين والمؤرخين والمستشرقين والحواريين والسياسيين والعسكريين وجمهور المثقفين.

 


ثانيا: حقيقة الجهاد وأنواعه

لم يتعرض مفهوم من مفاهيم الإسلام لسيل عارم متتابع من الإساءات إليه وإلى الإسلام والمسلمين من خلاله، كما تعرض له مفهوم الجهاد، وقوعا بين " طرفي الإفراط والتفريط". فهناك فئة تريد أن تلغي الجهاد من حياة الأمة وأن تشيع فيها روح الاستكانة والاستسلام بدعاوى مختلفة كالدعوة إلى التسامح والسلام "يصفهم المؤلف بأنهم عملاء للإستعمار الذي بلغت عداوته للجهاد إلى حد اصطناع فرق اختلقت لها إسلاما بلا جهاد وجعلت همها الدعوة إليه مثل البهائيين والقاديانيين.

 


وفي مقابل هؤلاء فئة تجعل من فكرة الجهاد حربا ضروسا تشنها على العالم كله، فالأصل عندها في علاقة المسلمين بغيرهم الحرب، والأصل في الناس جميعا أنهم أعداء للمسلمين ما داموا غير مسلمين. وقد يلتقي هؤلاء الأخيرون مع بعض المستشرقين المتحاملين الذين عرفوا الجهاد كما هو في دائرة المعارف بأنه "نشر الإسلام بالسيف، فرض كفاية على المسلمين كافة وكاد الجهاد أن يكون ركنا سادسا".

 


ويتصدى المؤلف لهذا الغلو بطرفيه من خلال التحليل اللغوي لمادة الجهاد وتدور حول بذل الوسع، ومن خلال تتبع ورودها في القرآن والسنة ولدى فقهاء الإسلام لينتهي إلى تفريق واضح بين الجهاد والقتال، فلقد ورد الأمر بالجهاد في القرآن المكي حيث لم يكن قتال بل مجرد جهاد دعوي بالقرآن "وجاهدهم به جهادا كبيرا"، كما ورد في القرآن والسنة وفقههما بمعاني عدة تدور حول بذل الوسع في مجاهدة العدو ومجاهدة الشيطان ومجاهدة النفس، وهو ما يجعل الجهاد أاوسع من القتال.

 


 فالجهاد كما نقل المؤلف عن ابن تيمية يكون بالقلب والدعوة إلى الإسلام وإقامة الحجة على المبطل، والرأي والتدبير فيما فيه نفع للمسلمين، والجهاد بالبدن وهو القتال". ويستعين المؤلف بأحد علماء القرن الرابع عشر العلامة ابن القيم تلميذ ابن تيمية في تجلية مجالات الجهاد الواسعة التي تجعل من كل مسلم بالضرورة مجاهدا وليس مقاتلا ولا بد. ولقد توصل ابن القيم من خلال متابعته لمسار الدعوة الإسلامية إلى ضبط ثلاثة عشر مرتبة من مراتب الجهاد:

 


1- جهاد النفس وفيه أربع مراتب: جهادها على تعلم الهدى، وجهادها على العمل به، وجهادها على الدعوة إليه، وجهادها على الصبر على ذلك.

2- جهاد الشيطان، وهو مرتبتان: جهاد ما يلقيه من شبهات قادحة في الإيمان، وجهاد ما يدفع إليه من شهوات ومفاسد.

3- جهاد الكفار والمنافقين وهو أربع مراتب:  بالقلب وباللسان والمال والنفس.

4- جهاد الظلمة والفساق  وهو ثلاث مراتب:  باليد إذا قدر، فإذا عجز فباللسان، فإذا عجز فبالقلب. ويعتبر المؤلف أن الجهاد ضد الظلم والفساد في الداخل مقدّم على جهاد الكفر والعدوان الخارجي، إلا أنه يؤكد أن المواجهة السلمية هي الأصل في الوقوف في وجه الظالمين " مستفيدين مما طور الآخرون من صيغ معقولة في مواجهة سلاطين الجورمثل البرلمانات المنتخبة والأحزاب والفصل بين السلطات (198).

 


 كما يؤكد أهمية الجهاد الفكري والثقافي بإنشاء مراكز علمية اسلامية متخصصة  تضم نوابغ الشباب المتفوقين في عقولهم وإيمانهم وإعدادهم فكريا وعلميا إعدادا يجمع بين تراثنا وبين ثقافة العصر.لا ندعو الى عزلة عن العالم بل الى تفاعل ثقافي وحضاري، نأخذ منهم وندع وفق فلسفتنا ومعاييرنا كما أخذوا هم عنا قديما واقتبسوا  وطوروا وبنوا عليها حضارتهم، ولكن ما نأخذ نضفي عليه من روحنا ومن شخصيتنا ومواريثنا الأخلاقية ما يجعله جزء من منظومتنا الفكرية والقيمية الحضارية وتفقده جنسيته الأولى (192-190).

 


وبالعموم: توصل المؤلف من خلال استقرائه لفقه الجهاد في الإسلام إلى أن  الجهاد نوعان: جهاد مدني وجهاد عسكري بمعنى قتال الأعداء إذا اعتدوا على المسلمين بالقوة، ما يقتضي الاستعداد لذلك عندما تتوفر دواعيه  وهو نوع تعنى به الدول.

 


 وهناك الجهاد الروحي المدني  ويشمل المجال العلمي أو الثقافي والاجتماعي والاقتصادي والتعليمي التربوي والمجال الصحي والطبي والمجال البيئي والمجال الحضاري.

هدف هذا الجهاد المدني بذل الجهد في سبيل الله من أجل تعليم الجاهل وتشغيل العاطل

وتدريب العامل وإشباع الجائع وإكساء العاري وإيواء المشرد ومداواة المريض وتوفير الكفاية لكل محتاج وبناء المدرسة التي تسع كل تلميذ والجامعة التي تسع كل طالب والمسجد لكل متعبد والنادي الذي يمارس فيه هوايته كل محب للرياضة (215).

 


ثالثا: أهداف الجهاد

الإسلام دعوة الى السلم ويكره الحرب، ولكنه لا يستطيع منعها ولهذا يستعد لها ولا يخوضها إلا إذا فرضت عليه، وذلك من واقعيته وإقراره بسنة التدافع، لكنه عمل على الحد من كوارثها وإحاطتها بأسوار من شرائع وأخلاقيات.

 


 ولم يكن الإسلام استثناء في إقراره بحرب الضرورة، من الديانات الأخرى ومنها الديانة المسيحية التي كان أتباعها أكثر أصحاب الديانات صراعا وحروبا فيما بينهم وبين غيرهم، ورد في إنجيل لوقا "جئت لألقي على الأرض نارا، أيظنون أني جئت لألقي السلام على الأرض؟"، وفي أسفار العهد القديم دعوات متكررة للإبادة ، إبادة لسبعة شعوب كانت تسكن فلسطين مطلوب تطهير الأرض منها تطهيرا كاملا ويعد "الترنسفار" والمذابح التي اقترفتها العصابات اليهودية  الحديثة صورا مخففة منها.

 


 للجهاد في الإسلام أهداف محددة لخصها القرضاي في رد العدوان ومنع الفتنة أي تأمين حرية الدعوة وحرية التدين للمسلمين ولغيرهم وإنقاذ المستضعفين في الأرض وتأديب الناكثين للعهود، وفرض السلام الداخلي في الأمة، وإذن فليس التوسع والاستيلاء من هدف الجهاد ولا محو الكفر من العالم فذلك مناف لسنة الله في التدافع والاختلاف، وليس من هدف الجهاد فرض الإسلام على من لا يؤمن به فذلك مناف أيضا لسنة الله في الإختلاف والتعدد.(ص: 423 وما بعدها).

 


رابعا: الجهاد بين الدفع والطلب

على غرار الفقهاء القدامى والمحدثين يعيد القرضاوي امتحان طبيعة الجهاد في عمقها ومكانتها في بنية الإسلام هل هي طبيعة دينية، أي أنه فرض على المسلمين أن يقاتلوا الكافرين حتى يدخلوا الإسلام أو يخضعوا لسلطانه صاغرين، وذلك ما يعنونه بجهاد الطلب؟ أم هو من طبيعة سياسية تقتضيها ضرورات الدفاع عن دار الإسلام بصد المعتدين عليها والدفاع عن المسلمين أن يفتنوا عن دينهم وعن المستضعفين عامة، وهو ما يسمونه بجهاد الدفع؟ ومطلوب من المسلمين إذا اضطروا إليه أن يفعلوه بنيات خالصة لوجه الله، ملتزمين بأخلاقيات ثابتة لا يحيدون عنها.

 


 قديما وحديثا انقسم الفقهاء الى فريق  الهجوميين كما سماهم القرضاوي والى فريق الدفاعيين، أعلن القرضاوي اعتزازه بانتمائه اليهم: هجوميون يرون فرضا على جماعة المسلمين أن تغزو ولو مرة  واحدة في السنة ديار الكافرين للدعوة للإسلام وتوسيع دياره، ويرون في الكفر بحد ذاته سببا كافيا لإعلان الحرب وشرعية القتل، حتى وإن لم يجترح أهله عدوانا على المسلمين.

 


 وأن جماعة المسلمين تكون آثمة إذا لم تفعل ذلك. ويسند أهل هذا الرأي وهم جمهور من الفقهاء  أبرزهم  من القدامى الإمام الشافعي ومن المحدثين سيد قطب والمودودي، يسندون موقفهم بأدلة من الكتاب والسنة ومن وقائع التاريخ. تتلخص في الآيات الداعية الى مقاتلة المشركين كافة "وقاتلوا المشركين كافة كما يقالونكم كافة" -التوبة: 36- و"قاتلوا الذين لا يومنون بالله واليوم الآخر حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون" -التوبة: 29- و"اقتلوا المشركين  حيث وجدتموهم" -التوبة: 5-، واختلفوا في أي منها الآية التي دعوها بآية السيف التي نسخت في رأيهم كل ما يخالفها من آيات ناهزت المائتين تدعو إلى الرحمة والعفو وحرية المعتقد والنهي عن الإكراه والقسوة، وتكل المحاسبة على العقائد إلى الله سبحانه.

 


 كما يستندون إلى نصوص حديثية مثل حديث "أمرت أن أقاتل الناس حتى يقولوا لا اله إلا الله" رواه البخاري. ويجدون في غزوات النبي عليه السلام وفي الفتوحات الإسلامية في صدر الإسلام ما يعززون به تصورا ينطلق من أن الحرب وليس السلم الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم.

 


 ولا يمنع القرضاوي مخالفته لهم أن يلتمس العذر لهم  وبالخصوص القدامى منهم بسبب ما كان سائدا من علاقات بين الأمم والدول تقوم على أساس القوة والحرب، والتهديد الوجودي الذي ظل الإسلام معرضا له منذ لحظة ظهوره داخل البيئة العربية أو من محيطها.

 


 ورغم تأكيد القرضاوي مع آخرين قدامى ومحدثين مما هو إجماع بين المسلمين أن الجهاد يكون واجبا على كل مسلم إذا تعرضت دار الإسلام للعدوان أو تعرض المسلمون للفتنة في دينهم، وأن لكل مسلم حظه من الجهاد مجاهدة لنفسه وللشيطان وللمنكرات وبسطا للمعروف ونصرة للدين بحسب وسعه، فإن القرضاوي قد أفضت دراساته وتمحيصاته لمختلف النصوص المتعلقة بالجهاد ومقاربات العلماء والقدامى والمحدثين لها الى النتائج التالية:

 


1- أن ما ورد من في القرآن الكريم وبخاصة في سورة التوبة من نصوص تأمر بقتال المشركين كافة، كانت من قبيل المعاملة بالمثل"كما يقاتلونكم كافة" ولم تكن توجيها عاما وقاعدة للتعامل مع غير المسلمين كافة بل كانت حديثا عن فئة مخصوصة من مشركي العرب بدأت بحرب الإسلام منذ ظهوره وطاردته حتى في مهجره ونكثت العهود وألبت عليه الجميع لاستئصال شأفته " ألا تقاتلون قوما نكثوا أيمانهم وهموا بإخراج الرسول وهم بدؤوكم أول مرة"(9/12)، وفي السورة نفسها وفي غيرها ما يخصصها من مثل"وإن جنحوا للسلم فاجنح لها"(8/60) ولا مجال لضرب القرآن بعضه ببعض  بل الأصل إعمال كل الآيات والأحاديث وهي تجتمع على إقرار قاعدة: الإسلام يسالم من يسالمه ويحارب من يحاربه.

 


2- إن الجهاد القتالي ليس فريضة على كل مسلم في كل حال، مثل فريضة الشهادتين والصلاة والصيام والزكاة والحج؛ لأنه على أهميته في بنية الإسلام لم يرد في الأوصاف الثابتة للمتقين التي وردت في سورة البقرة وفي أوصاف المومنين كما وردت في سورة الأنفال وسورة المومنون، وصفات أولي الألباب في الرعد وصفات عباد الرحمن في الفرقان وصفات المحسنين في الذاريات وصفات الأبرار في سورة الإنسان، بما يجعل ممارسة  الجهاد القتالي فريضة تجب على المسلمين فقط عندما تتوفر موجباتها من مثل العدوان على  المسلمين وعلى بلادهم وعلى دينهم . أما الإعداد له فواجب عليهم في كل حال بحسب الوسع سبيلا للردع وتحقيقا للسلم.

 


3- ليس على المسلمين غزو ديار الكافرين إذا كانوا آمنين على أنفسهم منهم . وحسبهم أن يكون لهم جيش مرهوب الجانب مسلحا بأحدث الأسلحة وعلى أعلى مستوى من التدريب ينشر قواته في كل الثغور حتى يرتدع الأعداء ولا يفكروا في الهجوم على المسلمين فيكون فرض الكفاية قد أدي، (ص: 91)، مع ملاحظة أن القرضاوي يؤثر استخدام مصطلح غير المسلمين بديلا عن مصطلح الكافرين فذلك عرف القرآن في الاستعمال "يا أهل الكتاب" "ياأيها الناس" "ياأيها الإنسان" "يابني إسرائيل" "ياقومي" "يابني آدم"، ولم يخاطب غير المسلمين بالكافرين إلا في حالات خاصة كانت فيها مساومات على العقيدة.

 


4-  لقد اعترف الإسلام بحرية المعتقد ومسؤولية الإنسان على معتقده أمام الله، وعلى أساس ذلك لم تعرف مجتمعاته الحروب الدينية، فقد تعايشت في ظله ولا تزال كل الديانات السماوية والوضعية، وفق نظام الذمة الذي خوّل المواطنة حتى لغير المسلمين مهما اختلفت دياناتهم، حسبهم ليتمتعوا بحقوق حماية الدولة المسلمة على غرار المسلمين أن يؤدي القادرون منهم ضريبة "الجزية"، وهي تقابل في العصر ضريبة الخدمة العسكرية. وحسب القرضاوي يمكن على أساس توحيد الوعاء الضريبي وتعميم الخدمة العسكرية الاستغناء عن مثل هذه الأنظمة التي تعرضت للتشويه.

 


5- إن الظروف التاريخية وليست نصوص الإسلام هي ما دعا كثير من الفقهاء الى القول بفرضية جهاد الطلب لغزو ديار الكافرين، إذ كانت الأمة مهددة باستمرار من جيرانها الأقوياء دولة الفرس ودولة الروم (ص: 82)، حيث لم تكن قوانين دولية تقوم على تبادل الاعتراف بين الدول ومنع العدوان كما هو اليوم رغم تجاوز الأقوياء لها.

 


6- الأصل في علاقة المسلمين بغيرهم هو السلم والتعاون على الخير، فالإسلام يبغض الحرب ولا يقدم عليها إلا وهو كاره مضطر"كتب عليكم القتال وهو كره لكم" /2/215. والسلم هو عنوان الإسلام وهو تحية المسلمين وتحية أهل الجنة وهو اسم من أسماء الله. وأبغض الأسماء عند الله "حرب". وكانت العرب محاربة وتتسمى بهذا الاسم ، لكن النبي عليه السلام عندما أخبره زوج ابنته بأن فاطمة رزقت ولدا وأنه سماه حربا فأمره ان يسميه "حسن".

 


7- الإسلام يرحب بالمواثيق الدولية التي تحظر العدوان وتنادي إلى السلم في علاقات الدول كما يرحب بالهيئات الدولية التي تقوم على رعايتها مثل الأمم المتحدة واليونيسكو. إلا إن الغرب لا يزال يؤمن بمبدأ القوة في علاقاته بالدول والأمم الاخرى. ومن ذلك احتكار دوله الكبرى لحق الاعتراض في تحد صارخ لمبدأ المساواة وضمانا لحماية مصالحها وضروب عدوانها من كل إدانة كما فعلت الولايات المتحدة وبريطانيا في غزوهما للعراق دون تفويض، آمنتين من كل إدانة، وكما تفعلان في حمايتهما لكل ما يقوم به الصهاينة من ضروب عدوان على فلسطين وأهلها.

 


8- في ظل الاعتراف الدولي بحقوق الإنسان ومنها حقه في حرية الاعتقاد والدعوة إليه وإقامة مؤسساته وحماية الأقليات ينتفي مسوغ أساسي من مسوغات جهاد الطلب أي الغزو من أجل الدعوة إلى الإسلام وما يقتضيه ذلك من إزاحة عقبة الأنظمة الطاغوتية التي كانت تمنع الشعوب من أن تفكر أو تؤمن بخلاف الفرعون الذي لم يتردد في الاستنكار على بني إسرائيل أن يومنوا به قبل أن يأذن لهم "ءامنتم به قبل أن آذن لكم"(الشعراء: 20) بينما اليوم قد انداحت في الأرض كما لم يحصل في أي فترة ماضية من تاريخ الإسلام مساجده وأقلياته، بما يجعل حاجتنا أكثر إلى "جيوش جرارة من الدعاة والمعلمين والإعلاميين المدربين المقتدرين على مخاطبة العالم بلغاته المختلفة وبأساليب عصره، وللاسف الشديد لا نملك  ولو واحد من الألف من المطلوب"(16) ويتحسر القرضاوي على أنك قد تجد الكثير ممن هو مستعد لأن يموت في سبيل الله ولكن القليل القليل من يملك الاستعداد ليعيش في سبيل الله.

 


9- كشف مصادر الإسلام أن العالم ينقسم من وجهة نظر الإسلام الى عوالم ثلاثة: دار إسلام حيث تسود شريعته وفي الأقل تظهر شعائره ويأمن القائمون بها والداعون لها، ودار عهد أي دول بينها وبين دولة المسلمين تبادل اعتراف ومنع اعتداء، ودار حرب. ويعتبر القرضاوي أن المسلمين بمقتضى كونهم جزء من  نظام الأمم المتحدة هم في حالة تعاهد مع كل دول العالم باستثناء دولة الكيان الصهيوني، بسبب اغتصاب الصهاينة لأرض فلسطين وتشريدهم لشعبها، والمؤسف أن ذلك قد تم بمساعدة الدول الكبرى ولذلك يعتبر القرضاوي أن المشكلة الأكبر في علاقتنا بالغرب هذه المشكلة دعمه الثابت غير المحدود لإسرائيل وعدوانها المستمر على فلسطين وأهلها.

 


10- يميز القرضاوي بين الجهاد والإرهاب أو قل بين الإرهاب المشروع أي إرهاب العدو لمنعه من العدوان، وبين الإرهاب غير المشروع، وهو ترويع الآمنين بمثل ما تفعل بعض الجماعات المنتسبة للإسلام من إعلانها الحرب على العالم في استخدام غير مشروع للجهاد في غير موضعه، إذ تروع الآمنين مسلمين وغير مسلمين من أجل تحقيق أهداف سياسية تزعمها سواء داخل دار الإسلام أو خارجها، في مخالفات صريحة لمبادئ وأخلاقيات الجهاد في الإسلام. ولذلك استنكر القرضاوي أحداث العنف المعروفة التي اقترفتها هذه الجماعات المتشددة  في بلاد إسلامية وغير إسلامية في حق نفوس آمنة سواء أكانوا سواحا مستأمنين أو غيرهم. وفند مشروعية ما تقترفه هذه الجماعات من قتل عشوائي واستباحة لأرواح ودماء معصومة.

 


11- القرضاوي حريص أيما حرص على التمييز بين جماعات التشدد المعلنة حربها على العالم في قتل عشوائي أساء للإسلام أيما إساءة ومكن لأعدائه أسلحة ماضية في حربه، وبين جماعات المقاومة للاحتلال، فبقدر ما شجب الأولى وفند أسانيدها بقدر دفاعه عن الثانية وتحريضه الأمة للوقوف معها وبخاصة في فلسطين، على أن  تستهدف أعمالها العسكريين. ولم يتردد في تسويغ العمليات الاستشهادية معتبرا إياها سلاح المضطر الذي حرم من سلاح مكافئ لما في يد عدوه لدفعه عن داره وأرضه إلا أن عدالة الله سبحانه تأبى أن يحرم الضعيف من أي سلاح، فكان استخدامه لجسمه ذاته سلاحا رادعا. وفي كل الأحوال يجب الالتزام بأخلاقيات الجهاد في الإسلام فلا يستهدف إلا مقاتلا.

 


12- ولا يفوت القرضاوي وهو يؤكد أن أول أنواع الجهاد الواجب على الأمة في العصر تحريرها من بقايا الاستعمار وخصوصا في فلسطين، أن ينبه ويؤكد خطأ البعض ممن يتوهم أن الحرب القائمة بيننا وبين اليهود حرب من أجل أنهم ساميون مع أننا ساميون مثلهم ننحدر جميعا من سلالة إبراهيم ، أو أنها حرب من أجل العقيدة، كلا، فاليهود يعتبرهم الإسلام اهل كتاب يبيح مؤاكلتهم ومصاهرتهم وعاشوا بين ظهراني المسلمين آمنين وآويناهم لما نبذتهم أروبا من أسبانيا وغيرها ولم يجدوا صدرا حنونا إلا في دار الإسلام. الواقع أن المعركة بيننا وبين اليهود بدأت بسبب واحد لا شريك له، أنهم اغتصبوا أرض فلسطين وشردوا أهلنا وفرضوا وجودهم الدخيل بالحديد والنار وستظل المعركة قائمة ما دامت الأسباب قائمة. لا يملك أحد أن يتنازل عن أرض إسلامية، إنما يمكن إقامة هدنة بيننا وبين اسرائيل لفترة من الزمن. أما مبدأ الأرض مقابل السلام فهو مبدأ غريب حقا فرضه منطق القوة الغاشمة للعدو لا غير، لأن الأرض أرضنا لا أرضه حتى يتفضل بتنازله عنها مقابل سلامه. هو(ص: 1090).

 


13- وكما كان له ولشيخه محمد الغزالي دور ريادي في التصدي لتلك الجماعات ومنعها من اختطاف الإسلام ودفعها عن المجرى الرئيس للإسلام نحو الهامش بتعرية أعمالها عن كل مشروعية جهادية إسلامية داخل دار الإسلام وخارجها فقد نوه بالمراجعات المهمة التي قامت بها أهم تلك الجماعات واجدة في أعماله بعد أن كانت تطعن فيها سندا قويا للإقدام على تلك المراجعات التي  وصفها بالشجاعة والمستنيرة (ص: 1168).

 


خامسا: أخلاقيات الجهاد

الحرب في الإسلام أخلاقية مثل السياسة والاقتصاد والعلم والعمل فكلها لا تنفصل عن الأخلاق، خلافا للحرب في حضارة الغرب ليس من اللازم أن تنضبط بالأخلاق . يحكم الحرب عند المسلمين دستور أخلاقي، لأن الأخلاق هنا ليست نافلة بل جزء من الدين. ومن ذلك:

 


أ-  تحريم الإسلام استخدام الأساليب غير الأخلاقية لاختراق الأعداء والاطلاع على أسرارهم عبر المحرمات كالجنس والخمر لاستدراج القائمين على تلك الأسرار.

 ب- منع العدوان (,قاتلوا في سبيل الله الذين يقاتلونكم ولا تعتدوا إن الله لا يحب المعتدين) –البقرة:190-، وفسر الاعتداء بقتل غير المقاتل أو قتل النساء والأطفال والشيوخ وأمثالهم ممن لا يباشر القتال كالفلاحين .(ص728). ومن أخلاقيات الجهاد تحريم المثلة بالعدو.

 ج- الوفاء بالعهود وتحريم الغدر والخيانة.

 د - تحريم قطع الشجر وهدم الأبنية.

 هـ -لا  مشروعية إسلامية لاستخدام ما يسمى بأسلحة الدمار الشامل كالأسلحة الكيمياوية والجرثومية والنووية التي تقتل الألوف والملايين دفعة واحدة وتأخذ المسيء بالبريئ وتدمر الحياة والأحياء هذه الأسلحة يحرم الإسلام استخدامها لأن الأصل في القانون الإسلامي لا يجوز قتل من لا يقاتل، وقد أنكر النبي عليه السلام قتل امراة في إحدى المعارك. لكن ذلك لا يمنع الأمة بل يوجب عليها السعي لامتلاك هذه الأسلحة الرادعة ما دام غيرها يمتلكها ويمكن أن يهددها بها ولا سيما أن العدو الصهيوني الذي اغتصب أرضها أمسى يمتلكها لا سيما وأنه يجد في سفر التثنية ما يجيز لهم في البلاد القريبة أن لا يبقوا فيها نسمة. وأعجب ما في الأمر أن تمتلك أمريكا والدول الكبرى هذه الأسلحة ثم تحظر عن الآخرين امتلاكها. تمنعها عن البلاد العربية والإسلامية بينما إسرائيل تمتك أكثر من مائتي قنبلة نووية. ولقد أسهم الردع المتبادل بين المعسكرين الغربي والشرقي في تحقيق السلام العالمي وكذا حصل بين الهند وباكستان. لا يجوز استخدام هذه الأسلحة إلا في حالة الضرورة القصوى، حيث تتعرض الأمة لخطر وجودي. (ص592)

 ي- ومن أخلاقية الإسلام دعوته المجاهدين الى إحسان معاملة الأسرى. وبعد مناقشة مستفيضة للنصوص الواردة ولمختلف الاجتهادات حول الحكم في الأسير وخصوصا هل يحل قتله؟ انتهى الى اعتبار أن الحكم النهائي هو الذي ورد في سورة القتال"فإما منّا بعد وإما فداء"، وقد يستثنى من ذلك مجرموا الحرب.

 وعموما يقر القرضاوي ما ورد في مواثيق جنيف في شأن التعامل مع الأسرى.

 

لقد أكد القرضاوي أن للحرب في الإسلام دستورا تنضبط له، استخلص من نصوص الكتاب والسنة وديوان تجربة الجهاد مواده فكانت كالتالي:

 المادة الأولى: لا يجوز قتل النساء والأطفال والشيوخ.

 المادة الثانية: لا يقتل العميان ولا الرهبان ولا الفلاحون ولا الصناع ولا التجار.

 المادة الثالثة: يحرم قتل المدنيين الذين ليسوا من أهل المقاتلة والممانعة.

 المادة الرابعة: لا يجوز التمثيل بجثث القتلى من الأعداء.  

المادة الخامسة:  لا تهدم منازل المحاربين ولا تحرق محاصيلهم وزروعهم ولا تقتل دوابهم لغير مصلحة.

 المادة السادسة: الرحمة بالأطفال والصبيان فلا يجندون للحرب إلا بعد بلوغهم وقدرتهم على القتال.(ص: 1167).

 


 وكل ذلك يشهد على أن الجهاد هو من طبيعة سياسية اقتضتها ضرورات الدفاع عن دار الإسلام، بصدّ المعتدين عليها والدفاع عن المسلمين أن يفتنوا عن دينهم وعن المستضعفين عامة، إلا أن هذه الأداة السياسية يوجب الإسلام التزامها بدستوره الأخلاقي العقدي.

 


 وفي الخلاصة: إنه مهما بلغ هذا العمل في هذه القضية الكبرى من العمق والإحاطة  تبقى جوانب منها تحتاج للمزيد من التعمق والبيان من مثل وضعية العلاقة بين الدولة/الدول الإسلامية، وبين دول تضطهد أقليات إسلامية اضطهادا قد يبلغ حد فتنتها عن دينها واستهدافها بالاستئصال، كما حصل للأقليات الإسلامية في ظل الاتحاد السوفياتي سابقا وفي الصين حاليا وبورما والفلبين ..الخ؛ كانت قبل ضم أراضيها أغلبية وسيدة في أرضها. هل يسري عليها اعتبار المؤلف أن العالم كله دار عهد وسلم  حسب قانون الأمم المتحدة وانحصرت علاقات الحرب في إسرائيل، بينما آيتا الممتحنة "لا ينهاكم الله عن الذين لم يقاتلوكم في الدين ولم يخرجوكم من دياركم أن تبروهم وتقسطوا اليهم.."اللذان اعتبرهما المؤلف تمثلان الدستور الذي يحكم علاقة الدولة الاسلامية بغيرها يستثني مثل تلك الدول التي تفتن مسلميها، من علاقات السلم معها.

 

أما إذا أردنا أن يشملها السلم على أساس أنها مستثناة بآية الأنفال "إلا على قوم بينكم وبينهم ميثاق"، فهل يجوز عقد ذلك الميثاق أصلا مع دولة تضطهد المسلمين وتغتصب أرضهم؟ والشبه كبير بين ما تعرضت وتتعرض له أقليات اسلامية من تقتيل وترحيل وتطهير وبين ما حصل ويحصل في إسرائيل بل أشد منه؟ وبالنسبة للكيان الصهيوني الذي حرّم الشيخ مع جمهور الفقهاء إقامة علاقة سلم معه، ما أثر مواثيق السلم التي عقدتها "دول اسلامية"معه، على واجب المسلمين في دعم حركات المقاومة؟ هل يجب أن ينضبط بمواثيق تلك الدول؟ وعلى ذلك تأسس التزام النظام المصري بالحصار المفروض على غزة و إدانته لخلية حزب الله في مصر وحوكم إسلاميون؟ أم يجب اعتبار تلك المواثيق باطلة أصلا وما بني عليها مثلها؟ وفي هذه الحالة كيف تكون العلاقة مع مثل تلك الدول التي تعقد متحدية إرادة شعوبها ، علاقات سلم مع أعداء الأمة؟ هل يجوز الخروج عليها بنوع من أنواع الخروج إذا توفرت أسبابه باعتبارها متحدية لمصالح الأمة العليا وما هو معلوم من الدين من واجب موالاة المسلمين، على غرار الدول العلمانية المتطرفة التي تجاهر بمحاربة التدين وتتبنى خطط تجفيف منابع  التدين حتى جرّمت المسلمة التي تأتمر بأوامر ربها وحرمتها من التعلم والتوظف والعلاج ولم يعد مرجعية تلك الدول الإسلام بقيمه وموازينه ومفاهيمه وشرائعه، تلك الدول  التي تحدث عنها المؤلف وأجاز الخروج عنها إذا توفرت أسبابه، لولا أن  المؤلف يعتبر أن الجماهير لم تعد تملك من القوة لمواجهة مثل تلك الحكومات، فالواجب اتخاذ الوسائل السلمية في التغيير التي تطورت في عصرنا وغدت ميسورة وأطاحت بدول عديدة عبر الحملات الإعلامية والإضرابات والمسيرات بقيادة جبهات شعبية منظمة ؟ (ص: 1187 وما بعدها).

 

غير أنه ليس من المبالغة في شيء  اعتبار عمل القرضاوي في فقه الجهاد اجتهادا إسلاميا أصيلا ينتصر لمبدأ الجهاد باعتباره آلية إسلامية دائمة للدفاع  بمعناه الشامل، تعرضت من داخل الإسلام وخارجه لضروب شتى من التشويه والإساءة للإسلام من خلاله .القرضاوي يستعيد لهذه الآلية فعاليتها ووسطيتها واعتدالها ساحبا لها من أيدي المتطرفين. ولم تكن جرأته في التصدي لحملات أعداء الإسلام على الجهاد  أقل من جرأته على دحض حجج جماعات التشدد وإعلان الحرب الشاملة على العالم، ولم يتردد في التصدي لجمهور الفقهاء المنادين بالحرب الهجومية (جهاد الطلب)، ولا استخذى من اعتزازه بالانتماء للدفاعيين . ولا يزال يوالي سيل حججه المتدفق على أسانيد الطالبين وتأويلاتهم للنصوص غير هياب ولا وجل ولا مفتات ولا محقر لعالم مخالف بل هو يلتمس العذر لمخالفيه، لا يزال يفعل ذلك حتى أسقط أو كاد وقوض ما عرف بجهاد الطلب، وكان المرجو وقد أتى على أساسياته الشرعية والتاريخية أن يخرجه جملة من الاستعمال الفقهي ليرتبط بمحض ظروف تارخية، إلا أنه لم يفعل وظل على استعماله، بينما هو قد أسس لجهاد دفاعي بمعناه الشامل، جهاد بريئ من  شبهة الإرهاب، راسما حدا فاصلا بينه وبين المقاومة المشروعة للاحتلال، جهاد تلتقي أخلاقياته مع ما استقر في المواثيق الدولية من مبادئ وقيم وقوانين تحظر العدوان والاحتلال واستخدام أسلحة الدمار الشامل وتعذيب الأسرى لدرجة القتل والاسترقاق. جهاد يرحب بعالم مفتوح تجول فيه  بحرية الأفكار والأشخاص وتتدافع بسلاح الحجة والبرهان بدل التعانف والسنان ، فما يظهر إلا أصلحها .

 


 لقد أفسح  القرضاوي من خلال طرحه هذا للجهاد أرضا رحبة  للحوار والسماحة والتلاقي والتعايش بين الإسلام وسائر الديانات الأخرى والقيم الإنسانية والمواثيق الدولية بما يفسح مجالا للاستجابة لنداء القرآن الخالد: {يا أيها الناس إنا خلقناكم من ذكر وأنثى وجعلناكم شعوبا وقبائل لتعارفوا. إن أكرمكم عند الله اتقاكم} -الحجرات:12- .

__________________

هذه الورقة قدمها فضيلة الشيخ راشد الغنوشي في ندوة الجهاد في جامعة ادنبره بتاريخ 9 سبتمبر 2009 وفيها يتناول العالم الجليل راشد الغنوشي دراسة الإمام يوسف القرضاوي عن فقه الجهاد بالنقد والتحليل.


اترك تعليق