الإسراء والمعراج.. رسائل لا تنتهي

By : أ. د. يوسف القرضاوي

 هيئة علماء فلسطين في الخارج

 {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا  * يُصْلِحْ  لَكُمْ أَعْمَالَكُمْ وَيَغْفِرْ لَكُمْ ذُنُوبَكُمْ وَمَن يُطِعْ اللَّه وَرَسُولَهُ  فَقَدْ فَازَ فَوْزًا عَظِيمًا} سورة  الأحزاب :69-70

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُواْ اتَّقُواْ اللّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ وَلاَ تَمُوتُنَّ  إِلاَّ وَأَنتُم  مُّسْلِمُونَ   *   وَاعْتَصِمُواْ بِحَبْلِ اللّهِ جَمِيعًا وَلاَ تَفَرَّقُواْ} سورة آل عمران:102-103

      ها هو عبق الإسراء يهبُّ على القلوب من جديدٍ، فيحرّك لواعج الشوق فيها، وها هي نسائم ذكرى المعراج تخالط بشاشتها الأرواح فتعرج في فضاءات الإيمان، ويشدّها الحنين إلى صاحب الذكرى عليه أفضل الصلاة والسلام.

تأتي ذكرى الإسراء والمعراج حاملةً بين طيّاتها ألماً وأملاً.. نتفيّأ ظلالها لنقطف عِبرةً تنير لنا الدرب.. ونذرف عَبْرةً على ما آلت إليه أحوالنا، وقد نبذنا منهج التمكين خلف ظهورنا، فأصبحنا في ذيل القافلة، وقاع الوادي.

فهلمّوا أيها الأحباب إلى رحاب الإسراء والمعراج، نتوقف مع بعض دروسه ونستلهم شيئاً من عبره في هذه الوقفة المنبرية التي تضيق باستيعاب تفاصيل ودروس هذا الحدث العظيم، وإنما هي زهراتٌ نقطفها من حديقةٍ، وقطراتٌ نرْشفها من نبع هدىً تطيب بها الحياة، وتسعد بها الأرواح، ونستنير بها الدرب.. أجل إنه الإسراء والمعراج.. رسائل لا تنتهي.

 الرسالة الاولى: دفقةَ أملٍ في زمن اليأس.

فإنّ في قلب كلِّ محنةٍ منحة.. وبعد كل شدة فرج.. ومع كل عسرٍ يسر.. وما بعد الليل الحالك إلا فجرٌ صادق يمحو كل ظلمة.

فها هي قريش قد سدت الطريق في وجه الدعوة في مكة, وأحكمت الحصار ضدّ الدعوة ورجالاتها من كل جانب, وأصبح النبي صلى الله عليه وسلم في خطر بعد وفاة عمه أبي طالب, وزوجته أم المؤمنين خديجة رضي الله عنها, فيتوجه إلى الطائف فلا يجدُ من أهلها إلا الصدود والأذى, والرمي بالحجارة, وإغراء السفهاء والصبيان به لإيذائه صلى الله عليه وسلم, وأمام كل هذا الجو الباعث على اليأس والإحباط, وقد سدت الأبواب, وضاقت الأرض بما رحبت, ومع ذلك يعلنها رسول الله صلى الله عليه وسلم ثقة بربه لا تتزعزع, ويقيناً لا يلين,  فها هو زيدٌ رضيَ الله عنه يقول للنبي صلى الله عليه وسلم عندما رآه قد عزم على العودة إلى مكة بعدما أصابه في الطائف: كيف تدخل عليهم وقد أخرجوك؟

فيأتي الجواب من الصادق المصدوق عليه الصلاة والسلام: يا زيد إن الله جاعلٌ لما ترى فرجاً ومخرجاً, وإن الله ناصرٌ دينه, ومظهرٌ نبيه،

الحقُّ يعلو والأباطل تسفلُ     وإذا استحالت حالةٌ وتبدلت    

والحقُّ عن أحكامه لا يُسألُ     فالله عز وجلَّ لا يتبدلُ

فماذا كانت نتيجة هذا اليقين؟  وماذا كان بعد المحنة؟  وما الذي حدث بعد أن ضاقت الأرض بما رحبت على سيدنا محمد بن عبد الله صلى الله عليه وسلم وأصحابه رضيَ الله عنهم أجمعين؟

جاءت رحلةُ الإسراء والمعراج على قَدَرٍ من رب العالمين, رحلة تكريم واصطفاء, فإن جفاك أهل الأرض, فها هي السماء بك تحتفي, وإن قلاك الخلق فها هو رب الخلائق إياك يصطفي .. فهو السميع لدعائك ومناجاتك والبصيرُ بحالك وآلامك ..

{سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى الَّذِي بَارَكْنَا حَوْلَهُ لِنُرِيَهُ مِنْ آيَاتِنَا إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ البَصِيرُ} سورة  الإسراء: آية 1

فهي الرسالة إلى كل مسلم ومؤمن.. إذا تكالبت عليك المحن, وادلهمت الخطوب, وقلَّ الصديق, وكثر العدو, وجفاكَ القريب, وتخلى عنك الخلق, فاهتف في الأسحار: يا الله .. وكن على يقين بالفرج والنصر والتمكين.

 الرسالة الثانية: لكَ ريادة البشرية.. فلماذا عنها تتخلّى؟!

عندما أسري برسول الله صلى الله عليه وسلم من المسجد الحرام إلى المسجد الأقصى صلى رسول الله صلى الله عليه وسلم بالأنبياء إماماً، حيث جاء في حديث الإسراء: "فلمّا حانت الصلاة أممتهم"، وإن صلاة النبي صلى الله عليه وسلم إماماً بالأنبياء فيها رسالة مهمة، وهي أن الأنبياء جميعاً قد سلّموا قيادة البشرية وتدبير أمورها لرسول الله صلى الله عليه وسلم، فحقٌّ على أتباعه صلى الله عليه وسلم أن يحملوا هذه الراية من بعده، وأن يكونوا هم أهلَ الريادة والقيادة لزمام البشرية، وإن المنهج الذي تركه رسول الله صلى الله عليه وسلم فيهم هو منهج إسعاد البشرية ونقلها من الظلمات إلى النور، أمَا قال تعالى: { وَكَذَلِكَ جَعَلْنَاكُمْ أُمَّةً وَسَطًا لِّتَكُونُواْ شُهَدَاء عَلَى النَّاسِ وَيَكُونَ الرَّسُولُ عَلَيْكُمْ شَهِيدًا وَمَاجَعَلْنَا الْقِبْلَةَ الَّتِي كُنتَ عَلَيْهَا إِلاَّ لِنَعْلَمَ مَن يَتَّبِعُ الرَّسُولَ  مِمَّن يَنقَلِبُ عَلَى عَقِبَيْهِ وَإِن كَانَتْ لَكَبِيرَةً إِلاَّ عَلَى الَّذِينَ هَدَى اللّهُ وَمَا كَانَ اللّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ}  سورة البقرة  آية 143،   فلا والله ما شقيت البشرية إلاّ حين تخلّى المسلمون عن دورهم وأسلموا الزمام لمن لا يقيم للإنسانية وزناً، ولا يعرف إلاّ لغة الدمار والقتل.

إني تذكرت والذكرى مؤرّقةٌ     مجداً تليداً بأيدينا أضعناهُ

أنى اتجهت إلى الإسلام في بلدٍ     تجده كالطير مقصوصاً جناحاه

استرشد الغرب بالماضي فأرشده     ونحن كان لنا ماضٍ نسيناه

إنا مشينا وراء الغرب نقبس من     ضيائه فأصابتنا شظاياهُ

 

الرسالة الثالثة: المسجد الأقصى والمسجد الحرام أخَوَان.. من فرّط بأحدهما فرّط بالآخر.

ففي قوله تعالى: {سُبْحَانَ الَّذِي أَسْرَى بِعَبْدِهِ لَيْلاً مِّنَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ  إِلَى الْمَسْجِدِ الأَقْصَى...} ربطٌ بين المسجد الحرام والمسجد الأقصى، وهنا لا بدّ من وقفات:

 الوقفة الأولى: إنّ الربط يُشعر بأنّ التهديد للمسجد الأقصى تهديدٌ للمسجد الحرام وأهله، وإنّ النيلَ من المسجد الأقصى توطئة ٌ للنيل من المسجد الحرام، وإنّ زوال المسجد الأقصى من أيدي المسلمين ووقوعه في أيدي اليهود يعني أنّ المسجد الحرام والحجاز قد تهدد الأمن فيهما، ولم يُخفِ اليهود يوماً أطماعهم في المسجد الحرام.

فها هو (ديفيد بن غوريون) يستعرض جنوداً وشباناً من اليهود بالقرب من المسجد الأقصى، ويلقي فيهم خطاباً ملؤه الحقد والبغضاء يختمه بقوله: (لقد استولينا على القدس ونحن في طريقنا إلى يثرب).

كما وقفت غولدا مائير رئيسة وزراء الكيان الصهيوني بعد احتلال القدس تلقي خطاباً على خليج إيلات تقول فيه: (إنني أشمُّ رائحة أجدادي في المدينة والحجاز، وهي بلادنا التي سوف نسترجعها).

ومن قبلهم سجّل التاريخ موقف القائد الصليبي أرناط عامل الصليبيين على الكرك، حيث قرر إرسال بعثة إلى

الحجاز للاعتداء على قبر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وما كان ذلك إلاّ إبّان احتلال الصليبيين للمسجد الأقصى المبارك.

فها هي الرسالة غدت واضحةً لكلّ مسلمٍ بأنّ من فرّط في المسجد الأقصى يسهل عليه التفريط في المسجد الحرام، فلا بدّ من الوقوف في وجه المفرطين والمتنازلين عن حقنا في أرضنا المقدسة، فها هو المسجد الأقصى يوجّه إليكم رسالةً يقول فيها:

قُطِعَ الطريقُ عليّ يا أحبابي     ووقفت بين مكابر ومحابي

أوَ ما قرأتم في ملامح صخرتي     ما سطّرته معاول الإرهاب

أوَ ما رأيتم خنجر البغي الذي     غرسته كفُّ الغدر بين قبابي

أخواي في البلد الحرام وطيبةٍ     يترقبان على الطريق إيابي

يتساءلان متى الرجوع إليهما     يا ليتني أسطيع ردَّ جواب

يا ليتني أسطيع أن ألقاهما      وأرى رحابهما تضمُّ رفاتي

     

الوقفة الثانية: إنّ الربط بين المسجد الأقصى والمسجد الحرام يشعر المسلمين بمسؤوليتهم تجاه المسجد الأقصى وأهميته بالنسبة لهم، فهو مسرى نبيّهم وقبلتهم الأولى، فمسؤوليتهم نحوه هي مسؤولية تحريره من أيدي الغاصبين، دعم ذلك بالوسائل الممكنة كافة وإحياء قضيته.

فها هي ميمونة رضيَ الله عنها تسأل النبي صلى الله عليه وسلم: يا رسول الله، أفتنا في بيت المقدس. قال: "أرض المحشر والمنشر، ائتوه فصلوا فيه، فإن صلاة فيه كألف صلاة فيما سواه". قالت: يا رسول اللّه، أرأيت إن لم نطق محملاً إليه؟ قال: "فليهد له زيتًا يسرج فيه، من أهدى إليه شيئًا كان كمن صلى فيه".

والمسجد الأقصى اليوم تُنيرُ شعلتَه وتُوقِدُ رحابَه دماءُ المجاهدين من أبناء الأمّة وأموالهم وكلماتهم وجهودهم بقدر ما يستطيعون وحيثما يستطيعون.

ولا بدّ في غمرة اهتمام المسلمين بالربيع العربي الذي سيصب في النهاية في صالح تحرير المسجد الأقصى بإذن الله تعالى أن لا ينشغلوا عن المسجد الأقصى وما ترتكبه قوات الاحتلال الصهيوني من جرائم بحقه وحقّ أهله المرابطين في ساحاته وفوق ثراه.

 الرسالة الرابعة: العبودية لله تعالى.. طريق تحرير المسجد الأقصى المبارك.

فإنّ الله وصف النبي صلى الله عليه وسلم بالعبودية في آية الإسراء التي تتحدّث عن دخوله المسجد الأقصى للمرة الأولى، وفي مطلع سورة الإسراء في الحديث عن معركة دخول بيت المقدس يقول تعالى: { فَإِذَا جَاء وَعْدُ أُولاهُمَا بَعَثْنَا عَلَيْكُمْ عِبَادًا لَّنَا أُوْلِي بَأْسٍ شَدِيدٍ فَجَاسُواْ خِلاَلَ الدِّيَارِ وَكَانَ وَعْدًا مَّفْعُولاً } سورة  الإسراء:5،  فقد وصف الذين دخلوا المسجد في المرة الأولى بأنهم عباد له سبحانه وتعالى.

وكذلك عندما تحدث النبي صلى الله عليه وسلم عن معركة تحرير المسجد الأقصى من أيدي اليهود بيّن أن شعار المعركة هو العبودية لله تعالى، حيث جاء في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "لا تقوم الساعة حتى يقاتل المسلمون اليهود فيقتلهم المسلمون حتى يختبئ اليهودي وراء الحجر أو الشجر فيقول الحجر أو الشجر يا مسلم يا عبد الله هذا يهودي خلفي فتعال فاقتله الاّ الغرقد فإنه من شجر اليهود"، فهذا يبيّن بجلاء أنّ طريق تحرير المسجد الأقصى يبدأ بتحقيق العبودية لله تعالى على حقيقتها من الخضوع له وحده دون سواه، والامتثال لأوامره، والمبادرة والمسارعة لتطبيق تعاليمه واجتناب نواهيه، ورفض الخضوع لأحدٍ غيره.

وها هو المسجد الأقصى عندما وقع في براثن الصليبيين الحاقدين ما خلّصه من أيدهم وحرّره من احتلالهم إلاّ وها هو صلاح الدين الأيوبي يتفقد جنده في خيامهم فيجدُ خيمةً يقوم أفرادها الليل فيقول: من هنا يأتي النصر، ويمر على خيمةٍ وقد نام أفرادها فيقول: من هنا تأتي الهزيمة.

أجل أيها الإخوة، نيامٌ فقط .. ويقول: من هنا تأتي الهزيمة، فما بالك بالجيوش التي تمنع فيها الصلاة ويُسَبُّ فيها الرب؟! تعالى الله عمّا يقولون علوّاً كبيراً .. هل يرتجى منها نصرٌ أو تحرير؟!!

إن الحقيقة ساطعة كالشمس في رابعة النهار بأنّ اليهود لا تخيفهم المفاوضات ولا ترعبهم الحوارات، وإنما ترتعد فرائصهم رعباً من شباب تربّوا على مبادئ الإيمان وتعاليم القرآن الكريم .. وفي شباب فلسطين المجاهدين خيرُ

دليلٍ على ذلك، حيث إنهم أذاقوا اليهود الرعب وزلزلوا كيانهم بعملياتهم البطولية الجهادية، وقد حملوا البندقية بيد و المصحف بيد بعد أن حملوه عقيدةً في قلوبهم وسلوكاً في حياتهم.

هم الرجال بأفياء الجهاد نموا     وتحت سقف الندى والعلا ولدوا

جباههم ما انحنت إلاّ لخالقها      وغيرَ من أبدع الأكوان ما عبدوا

الخاطبون من الغايات أكرمها     والسابقون وغيرَ الله ما قصدوا

فلا والله لا يحرر المسجد الأقصى إلاّ الأكفُّ المتوضئة والجباه الساجدة والألسنة الذاكرة والأعين الدامعة في خلواتها، وإنه لقريب ويومئذٍ يفرح المؤمنون بنصر الله.


اترك تعليق