صلاح شحادة.. مؤسس كتائب القسام

By : أ. د. يوسف القرضاوي

نقف وقفة إجلال وإكبار واحترام أمام هذا القائد الفذ الذي أحيا باستشهاده روح الجهاد والمقاومة في قلوب الشباب المجاهد المؤمن، والذي كان دمه وقودًا لقطار التطور على صعيد التصنيع العسكري، وكذلك على الصعيد العملياتي الميداني للقسام..

إنه المجاهد الشهيد صلاح شحادة مؤسس الجهاز العسكري الأول لحركة المقاومة الإسلامية حماس، والذي عُرف باسم "المجاهدون الفلسطينيون".

صلاح شحادة.. مولده وتعليمه
ولد صلاح الدين مصطفى محمد علي شحادة في 14 فبراير 1952م في بيت حانون شمال قطاع غزة، من عائلة نزحت إلى قطاع غزة من مدينة يافا بعد أن احتلتها العصابات الصهيونية عام 1948م، حيث أقامت في مخيم الشاطئ للاجئين الفلسطينيين.

وفي عام 1958م دخل صلاح شحادة المدرسة الابتدائية التابعة لوكالة الغوث وهو في سن الخامسة، ودرس في بيت حانون المرحلة الإعدادية، ونال شهادة الثانوية العامة بتفوق من مدرسة فلسطين في غزة.

التحق بالمعهد العالي للخدمة الاجتماعية في الإسكندرية، وفي السنة الثالثة بدأ التزامه بالإسلام يأخذ طابعًا أوضح. وأثناء دراسته في الإسكندرية حاز على الحزام البني في المصارعة اليابانية، ومارس رياضة رفع الأثقال في فترة ما قبل الجامعة. وفي الإسكندرية التحق بالإخوان المسلمين رسميًّا.

وحصل صلاح شحادة على المؤهل الجامعي بكالوريوس في الخدمة الاجتماعية من مصر، ولم تسمح له ظروفه المادية بالسفر إلى الخارج لإكمال دراسته العليا، وكان حصل على قبول لدراسة الطب والهندسة في جامعات تركيا وروسيا.

أعمال صلاح شحادة
بدأ الشهيد صلاح شحادة العمل في الدعوة إلى الإسلام فور عودته من مصر إلى قطاع غزة، وعمل باحثًا اجتماعيًّا في مدينة العريش في صحراء سيناء، وعيّن لاحقًا مفتشًا للشئون الاجتماعية في العريش، وتزوج -رحمه الله- في العام 1976م من زوجته التي استشهدت معه، وهو أب لست بنات ولدت الأخيرة في إحدى فترات اعتقاله.

بعد أن استعادت مصر مدينة العريش من العدو الصهيوني في العام 1979م انتقل الشهيد صلاح شحادة للإقامة في بيت حانون، واستلم في غزة منصب مفتش الشئون الاجتماعية لقطاع غزة. وفي بداية العام 1982م استقال من عمله في الشئون الاجتماعية، وانتقل للعمل في دائرة شئون الطلاب في الجامعة الإسلامية في مدينة غزة.

صلاح شحادة.. شخصيته القيادية
تميز الشيخ صلاح شحادة بشخصية فذة تمثل حقًّا شخصية القائد المسلم الذي لا يعرف النكوص ولا الملل ولا التراجع، يضم الجميع ويجمع المجاهدين بإصرار وعمل دءوب، كان شعلة من النشاط وعقلاً مدبرًا مخططًا يلجأ إليه الجميع عند الكروب والشدائد، ويلوذ به جنوده الأوفياء عند طلب النصح والمشورة والحكمة.

كما تميز بالشخصية العسكرية الحكيمة التي تستطيع التدبير والموازنة بين الخيارات واتخاذ القرارات المناسبة.

الجهاد في حياته
لقد عرف عن صلاح شحادة -رحمه الله- عدم استعداده للتنازل عن الجهاد منهجًا وطريقًا للخلاص من رجس الاحتلال الصهيوني، حتى حفظ عنه قوله: "الجهاد أمر رباني ولا نطلب إذن أحد لمواصلته".

ويعتبر الشيخ صلاح شحادة مؤسس الجهاز العسكري الأول لحركة المقاومة الإسلامية حماس والذي عُرف باسم "المجاهدون الفلسطينيون"؛ فبعد اعتقاله الأول 1984م وجهت له تُهم تشكيل خلايا عسكرية وتدريب أفرادها على استعمال السلاح، وإصدار أوامر بشن هجمات ضد أهداف عسكرية صهيونية. وبعد أن خرج من السجن الذي قضى فيه الأحكام الظالمة التي صدرت بحقه، والتي تعدت العشر سنوات, كان الشيخ أكثر صلابة وأكثر عزة, وخرج من المعتقل وهو يضع نصب عينيه أن يذيق الصهاينة ويلات المجاهدين, وأن يجعلهم يدفعون ثمن جرائمهم غاليًا.

وهكذا لم يضع وقتًا طويلاً بعد الإفراج عنه حتى عاد الشيخ إلى قيادة كتائب القسام ليطور عملياته وإمكانياته، وليختفي عن الأنظار ويصبح المطلوب الأول لجيش الاحتلال الصهيوني خلال انتفاضة الأقصى 2000م، وليوجع الصهاينة بعمليات القسام الاستشهادية والعسكرية وصواريخ القسام التي تم تصنيعها وتطويرها بجهود ذاتية وإمكانيات متواضعة، والتي أوقعت في جنود العدو وقطعان مستوطنيه المئات من القتلى والآلاف من الجرحى، وتلاحقه استخبارات العدو لتصفيته بعد أن أقضّ مضاجعهم ونكّل بهم، والله ينجيه في مرات كثيرة من شرورهم ومكرهم، إلى درجة أن الإرهابي الصهيوني شارون كان يخطط لاجتياح قطاع غزة كما اجتاح الضفة الغربية؛ لعله يعتقل أو يغتال الشيخ صلاح شحادة كأحد أهم أهداف الاجتياح، كما صرح الصهاينة بذلك.

وتمكن القائد صلاح شحادة من إعادة بناء الجهاز العسكري لحركة حماس مع مطلع سنة 2000م، والذي دمرته السلطة الفلسطينية في عام 1996م وما بعدها وفق اتفاقية "أوسلو" الهدّامة.

تجربته في سجون الاحتلال
اعتقلت سلطات الاحتلال الصهيوني المجاهد صلاح شحادة في العام 1984م للاشتباه بنشاطه المعادي للاحتلال، غير أنه لم يعترف بشيء، ولم يستطع الاحتلال الصهيوني إثبات أي تهمة ضده، وقضى في المعتقل عامين.

وبعد خروجه من المعتقل في العام 1986م شغل منصب مدير شئون الطلبة في الجامعة الإسلامية، إلى أن قررت سلطات الاحتلال إغلاق الجامعة في محاولة لوقف الانتفاضة الفلسطينية التي اندلعت في 1987م، غير أن الشيخ صلاح شحادة واصل العمل في الجامعة حتى اعتقل في أغسطس 1988م.

وفي 18 أغسطس 1988م، استمر التحقيق حتى 26 يونيو 1989م في سجن السرايا، ثم انتقل من زنازين التحقيق إلى غرف الأسرى، ثم أعيد إلى زنازين التحقيق بعد أن تم الاعتراف عليه بمسئولية الجهاز العسكري لحركة حماس، واستمر التحقيق لمدة 200 يوم، وبذلك بلغ مجمل التحقيق معه حوالي عام كامل، وكانت التُّهم الموجهة إليه المسئولية عن الجهاز العسكري لحماس، وإصدار أوامر باختطاف الجنديين (سبورتس، وسعدون)، ومسئولية حماس، والجهاز الإعلامي في شمال قطاع غزة، وحكم عليه بالسجن لمدة عشر سنوات على تهمة مسئولية حماس والجهاز الإعلامي في المنطقة الشمالية، أضيفت إليها ستة أشهر بدل غرامة رفض الشيخ المجاهد أن يدفعها للاحتلال.

ظل محتجزًا في العزل الانفرادي والتحقيق منذ بداية اعتقاله وحتى مايو 1989م، بعد أن فشل محققو جهاز الاستخبارات الصهيونية في انتزاع أي معلومات منه قرروا إنهاء التحقيق معه، غير أنه أعيد بعد فترة قصيرة إلى زنازين التحقيق بعد حملة اعتقالات واسعة في صفوف حركة المقاومة الإسلامية "حماس" جرت في مايو 1989م، استمرت جولة التحقيق الجديدة حتى نوفمبر 1989م؛ أي بعد ستة أشهر، ومنع من استقبال الزيارات العائلية. وبعد انتهاء المدة حوّل إلى الاعتقال الإداري لمدة 20 شهرًا، ليتم الإفراج عنه في 14 مايو 2000م وهو يحمل تهديدًا من ضباط المخابرات الصهيونية بضرورة اغتياله في حال قيامه بأية نشاطات ضد الاحتلال.

عاد صلاح شحادة بسرعة إلى النشاط في إطار كتائب القسام، كما أصبح من القادة النافذين في حركة حماس، كما كان قريبًا جدًّا من قائدها الشيخ ياسين. ونظرًا للدور الجهادي الذي اضطلع به؛ وضع اسمه بسرعة على رأس قائمة المطاردين المطلوبين من جيش الاحتلال منذ عام 2001م بعد أن أخذت انتفاضة الأقصى منحى المقاومة المسلحة.

مواقف من حياته
تحكي زوجته فتقول: "كنت دائمًا معه وأعيش معه دون خوف، ولم أشعر يومًا أن الخوف تسلل إلى نفسه أو أنني زوجة مطارَد، فكان يفسحني دائمًا، ويأخذني إلى شاطئ البحر ويتمشى معي في الشارع، وكان دائمًا يحيط به حرَّاسه ولم أشعر بهم يومًا، ولم يكن أحد يشعر في الشارع أن رجلاً مهمًّا يمر، أو أن هناك شيئًا غير عادي، فقد عاد يومًا يضحك إلى البيت وكان أيامها يكثر الحديث عن نية اجتياح غزة واعتقاله أو اغتياله، فسألته عمّا يضحكه في مثل هذه الأوقات، فقال: ذهبت أشتري "جاتوه"، والبائع وبعض زبائنه يتحدثون عن نية الاحتلال الاجتياح واعتقال الشيخ صلاح شحادة، وبعضهم يقول إنه في غزة، وثانٍ يقول إنه في بدروم تحت الأرض، وثالث يقول في بيارة بين الأشجار، ورابع يقول إنه كذا وكذا، وأنا واقف بينهم لم يعرفني واحد منهم".

وتقول زوجته: "كان أكثر شخص يحبه صلاح شحادة الإمام الشهيد حسن البنا مؤسس جماعة الإخوان المسلمين، رغم أنه لم يره في حياته قط، ولكن كان يحتفظ بصورة كبيرة له ويعيد قراءة كتبه ويقول عنه القائد العظيم، وأخبرني أنه دائمًا ما يحلم به في حلم واحد يقول له فيه حسن البنا: عندما تصل القمة ستلحق بي. وصدق حلمه، فقد لحق به صلاح شحادة عندما وصل قمة مجده، ووصلت كتائب القسام إلى قمة مجدها في عملياتها البطولية، وكم كان يتمنى أن تسمح الظروف السياسية بتكثيف العمليات بشكل كبير".

اغتيال صلاح شحادة
لقد حاول القادة العسكريون في الكيان الصهيوني اغتيال قائد كتائب عز الدين القسام صلاح شحادة عدة مرات خلال الأشهر الأخيرة، لكن محاولاتهم باءت بالفشل، فقد كان يغيِّر مكان اختبائه في كل مرة، ويحسن التمويه على تحركاته؛ الأمر الذي أربك استخبارات العدو، وحملها على المخاطرة بارتكاب مجزرة على أن تفوِّت فرصة اغتياله حين علمت بمكانه.

تفاصيل الاغتيال
كشفت الصحافة الصهيونية أنه في الأشهر الأخيرة، كثف جيش الاحتلال من مراقبة تحركات القائد العام لكتائب القسام، مستخدمين بذلك أحدث الوسائل والتقنيات التكنولوجية إلى جانب العملاء، وأضافت الصحيفة: كانت الفوهة الصهيونية تتعقب شحادة، هذه حقيقة كانت تعرفها حماس ويعرفها كل من تتبع قرارات الطاقم الوزاري. بعد عملية حزيران التي استهدفت حافلة ركاب عند مفترق "بات" في القدس، عززت إسرائيل من جهودها لضرب قادة حماس في غزة.

وبعد محاولات عدة لتعقب صلاح شحادة، وحسب المعلومات المتوفرة لدى الجيش الصهيوني، كان شحادة يتواجد في البيت مع زوجته وابنته (ابنة الـ14 عامًا)، ومساعده زاهر نصار. وأفاد رئيس الشاباك آفي ديختر، أن شحادة ورجلين آخرين يتواجدون في المنزل، ووصف ضباط المخابرات المنزل بتفاصيله، وأشاروا إلى أنه محاط بساحة.

وقد ارتكب جيش الاحتلال الصهيوني في غزة ليلة الاثنين 22-7-2002م مجزرة بشعة، أدت إلى استشهاد القائد العام لكتائب القسام صلاح شحادة ومساعده زاهر نصار وأكثر من خمسة عشر آخرين، وإصابة ما يزيد عن 150 فلسطينيًّا.

 

موقع قصة الإسلام


اترك تعليق