هذا هو الإسلام حقوق أسرانا الأبطال وإضرابهم الأسطوري عن الطعام

By : د. تيسير التميمي

 
      إن قضية أسرانا هي من أهم ثوابتنا الفلسطينية ، ولإنهائها وطي صفحتها إلى الأبد لا تنفع بيانات الشجب والتنديد والاستنكار والإدانة لإجراءات القمع والممارسات اللاإنسانية ضدهم من قبل الاحتلال ، ولا تكفي في تفعيل قضية هؤلاء الأسرى المدافعين عن قضية شعبهم فبذلوا في سبيلها حياتهم وحريتهم ، بل لا بد لها من تحرك سياسي جماهيري ، وتحرك قانوني قضائي ، وتحرك دولي وعربي وإسلامي إضافة إلى التحرك الوطني المحلي ، لأن قضية أسرى الشعب الفلسطيني هي قضية الحق والعدالة في هذا العالم ، العالم الذي يهادن القوة الغاشمة ولا يتخذ ضدها الإجراءات الحاسمة ، بل يناصر الجلاد ويحميه ويدافع عنه ويتعاطف معه ويتفهم موقفه ، وفي الوقت ذاته يهاجم الضحية ويحاسبها ويعاقبها ويستهجن مقاومتها الاحتلال والظلم والإذلال ، ويرفض محاولتها التخلص من ليل السجن والعزل وزنازين التعذيب .
إن الإضراب المفتوح عن الطعام الذي يخوضه هؤلاء الصناديد في مواجهة الحرب التي تشنها سلطات الاحتلال الغاشمة ضدهم هو الوسيلة الفعالة والأكثر تأثيراً على السجان المحتل الظالم ؛ فهو الأسلوب الذي يسمع صوت الأسرى المظلومين والمهضومين والمنسيين إلى العالم ، ويحيي قضيتهم العادلة ويساعدهم في نيل حقوقهم ، فهو جهاد بالنفس لا يتوقف إلا بنيل إحدى الحسنيين ، بل لعله أهم نوع من أنواع الجهاد الذي شرعه الله سبحانه ، فقد قال تعالى { ذَلِكَ بِأَنَّهُمْ لا يُصِيبُهُمْ ظَمَأٌ وَلا نَصَبٌ وَلا مَخْمَصَةٌ فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلا يَطَئُونَ مَوْطِئًا يَغِيظُ الْكُفَّارَ وَلا يَنَالُونَ مِنْ عَدُوٍّ نَّيْلاً إِلاَّ كُتِبَ لَهُم بِهِ عَمَلٌ صَالِحٌ إِنَّ اللَّهَ لا يُضِيعُ أَجْرَ الْمُحْسِنِينَ } براءة 120 ، ولذلك فإن الحكم الشرعي لمن يرتقي إلى الله نتيجة هذا النوع من الجهاد فهو شهيد حقيقي فارق الحياة مقبلاً غير مدبر كمن سقط في الميدان .
إن هذا الإضراب الأسطوري عن الطعام الذي يخوضه البطل الأسير الصحفي محمد القيق أسير الكلمة الحرة ، والذي خاضه من قبله عدد من الأسرى الذين شارفوا على مفارقة الحياة ونيل الشهادة في سبيل الله إنما هو جهاد في سبيل الله وفي سبيل دينهم ووطنهم ، ولتحقيق مطالبهم المشروعة ولرفض الإجراءات القمعية والاعتقال الإداري الجائر ، فحق لشعبنا الفلسطيني الصابر المرابط أن يتضامن أبناؤه مع هذا الأسير البطل وسائر أسرانا الأبطال في سجون الاحتلال بكل صور التضامن ، فهم النخبة الطليعية الذين ضحوا بأنفسهم وحرياتهم ومعاناة ذويهم في الدفاع عن وطنهم وأرضهم ومقدساتهم ، وفي سبيل إنهاء الاحتلال ونيل الحرية والاستقلال .
فأكثر من ستة آلاف من أبنائه من كل الفئات العمرية والشرائح الاجتماعية والقوى الوطنية يقبعون خلف القضبان في أقبية الظلم وزنازين السجان ، أطفال ونساء ، نواب ووزراء ، مرضى ومعوقون ، ومن قبلهم ألوف وألوف لا يلبثون أن يخرجوا من سجونهم حتى يُعادوا إليها ، لدرجة أن الاعتقال طال الغالبية العظمى من الأسر الفلسطينية ، فمن الأسرى من تكرر اعتقالهم مرات ومرات ، حتى لقد أصبحت مفردات الاعتقال والسجن والتعذيب من عناصر القاموس الفلسطيني ومكوناته وكلماته اليومية ، بل وجزء من ثقافته ، فقد اعتقلت سلطات الاحتلال الإسرائيلية منذ احتلال عام 1967م وحتى الآن أكثر من مليون مواطن فلسطيني ؛ منهم أكثر من (13) ثلاثة عشر ألف أسيرة وأكثر من (25) خمسة وعشرين ألفاً من الأطفال ، ومنذ بدء انتفاضة الأقصى بتاريخ 28 /9/2000 اعتقل أكثر من (70000) سبعين ألف مواطن ، منهم أكثر من (850) ثمانمائة وخمسين أسيرة وأكثر من (8000) ثمانية آلاف طفل .
إن الانتهاكات الإسرائيلية المتواصلة لحقوق الأسرى ومخالفاتها المستمرة لتعاليم الشرائع السماوية والاتفاقيات والمواثيق الدولية والقيم الأخلاقية والإنسانية توجب علينا ألاَّ نملَّ ولا نيأس أبداً من تجديد دعوتنا المتكررة إلى القيادة الفلسطينية بتفعيل كافة الاتفاقيات والمواثيق والتشريعات الدولية التي وقعت عليها وفي مقدمتها اتفاقية روما الخاصة بمحكمة الجنايات الدولية على وجه السرعة والفورية ، واتفاقيات جنيف وملحقاتها وبالأخص الاتفاقية الثالثة المتعلقة بالأسرى ، ليتسنى لنا تدويل قضية أسرانا الأبطال باللجوء إلى المحاكم الدولية المختصة وتقديم الجناة من زعماء وقادة ومسؤولي الاحتلال الإسرائيلي السياسيين والعسكريين والإداريين إلى المحاكمة ، لأن الحقوق حسب النظام العام للمحكمة لا تسقط بالتقادم ؛ وبالأخص بعد اعتراف الجمعية العامة للأمم المتحدة بفلسطين دولة عضواً فيها تتمتع بصفة المراقب ، مما يقتضينا استثمار هذا الإنجاز والاستفادة منه في تحصيل كافة حقوق الشعب الفلسطيني واستردادها ، فهذه الخطوة هي من أهم الخطوات التي ستضع حداً لتجاوزات وانتهاكات سلطات الاحتلال الإسرائيلية ولجرائمها ضد الشعب الفلسطيني ولخروجها على الشرعية الدولية ، فالقرارات والأحكام القضائية لها صفة الإلزام لهذا الكيان الخارج على الشرعية الدولية ، وستكون أقوى حماية لأسرانا الأبطال من صفقات التبادل التي تعقد معه ، فتلك الصفقات مهما كانت قوية إلا أنها لا تمنح الحصانة الدائمة للأسرى ، فما أكثر المحررين نتيجة عمليات التبادل الذين أعادت سلطات الاحتلال اعتقالهم ثانية وزجت بهم في معتقلاتها من جديد .
فاتفاقية جنيف الثالثة بشأن معاملة الأسرى تتضمن إلزام الدول الأطراف بضمان الحقوق الأساسية للأسرى ، فعلى سبيل المثال لا الحصر نصت المادة الثالثة عشرة من هذه الاتفاقية على [ وجوب معاملة الأسرى معاملة إنسانیة وحمايتهم في جمیع الأوقات ضد جمیع أعمال العنف أو التهديد ، وحظرت اقتراف أي فعل أو إھمال غیر مشروع یسبب موت أي أسیر واعتبرت ذلك انتهاكاً جسیماً لهذه الاتفاقیة ] ، ونصت المادة الرابعة عشرة منها على [ حق الأسرى في احترام أشخاصهم وشرفهم في جمیع الأحوال ] ، وأكثر من ذلك ؛ فقد نصت مادتها السابعة على أنه [ لا يجوز للأسرى التنازل في أيّ حال من الأحوال جزئیاً أو كلیاً عن أي حق من الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه الاتفاقیة ] ، مما يعني أن التعهدات التي يجبر أسرانا على توقيعها بالإكراه باطلة من الناحية القانونية والقضائية .
وحتى اتفاقية جنيف بشأن المدنيين ؛ فأحكامها تنطبق على أسرانا في سجون الاحتلال ، فالسواد الأعظم منهم مدنيون اعتقلوا من بيوتهم أو أماكن عملهم أو أماكن تعليمهم ، فمن الظلم لهم أن يعتبروا أسرى حرب ، بل هم مدنيون اختطفتهم سلطات الاحتلال كرهائن ، فوجب عليها إطلاق سراحهم فوراً لأن هذا تصرف محظور كما نصت عليه المادتان الثالثة والخامسة والثلاثين من اتفاقية جنيف الرابعة بشأن حماية الأشخاص المدنيين في وقت الحرب ، يضاف إلى ذلك أن المادة الثالثة منها حظرت [ الاعتداء على الحياة والسلامة البدنية، وبخاصة القتل بجميع أشكاله والتشويه والمعاملة القاسية، والتعذيب والاعتداء على الكرامة الشخصية ، وعلى الأخص المعاملة المهينة والحاطة بالكرامة ] ، ونصت المادة الثانية على أن [ الاتفاقية هذه تنطبق أيضاً في جميع حالات الاحتلال الجزئي أو الكلي ] ، كما نصت المادة الثامنة منها على أنه [ لا يجوز للأشخاص المحميين التنازل في أي حال من الأحوال جزئيا أو كلية عن الحقوق الممنوحة لهم بمقتضى هذه الاتفاقية ] .
إن هذه النصوص وغيرها كثير من الاتفاقيات والمواثيق والتشريعات والقرارات الصادرة هن الهيئات الدولية المختصة تجرم إسرائيل وقادتها الذين ارتكبوا الانتهاكات والجرائم والفظائع ضد شعبنا وضد أسرانا ، وتمكن دولة فلسطين من ملاحقتها قضائياً لتعلم أن الحساب قادم وأن حقوق الشعوب المقهور لن تذهب أدراج الرياح .
ومن هنا فإننا ندعو كافة قادة فصائل العمل الوطني الفلسطيني إلى تصعيد إجراءات وفعاليات التضامن مع الأسير محمد القيق وإخوانه المضربين عن الطعام بالإعلان عن خوض الإضراب المفتوح عن الطعام حتى يتم الإفراج عنهم جميعاً ، وليقتدي بهم المنتسبون لتلك الفصائل ومن ورائهم أبناء شعبنا الفلسطيني لتتسع دائرة التضامن معهم .


الشيخ الدكتور تيسير التميمي قاضي قضاة فلسطين


اترك تعليق