الميكافيلية الجدد (ماهر أبو عامر)

By :

ألمنى كثيراً وأنا أتعامل مع بعض من يحسبون على التيار الإسلامي، وربما الكثير منهم من أصحاب اللحى، يقولون: الغاية تبرر الوسيلة.. وأن الحرب خدعة.

ودارى بيني وبين الكثير منهم أحاديث طويلة، ذلك لأن معظمهم كان من طلابي في صغرهم، ومنهم من ظل حتى المرحلة الثانوية من طلابي، والكثير منهم من جماهير مساجدي التي عملت بها مهنة ورسالة الدعوة... والبعض أبدى قناعته، وبعضهم برر ذلك: بأن السياسة لعبة تعتمد على نظرية: الغاية تبرر الوسيلة.. وهذه حرب والحرب خدعة.

ولكنى على يقين أنهم جميعاً، يجهلون حقيقة هذه النظرية.. ولذا فمن الواجب أن نبين حقيقة هذه النظرية وموقف الإسلام منها، وذلك فيما يلي:

•       أصل هذه النظرية:

   - ترجع أصل هذه النظرية لنيكولا ميكافيلي (1469 – 1527م).. ولد في فلورنسا في إيطاليا، وقد أتاح له وضعه الاجتماعي الحسن فرصة للتعليم العالي في مجالات مختلفة مثل: الأدب، والقانون، والتاريخ، والفلسفة.. 

 - بدأ ميكافيلي حياته كموظف بسيط في حكومة مدينة فلورنســا، وحين اجتاحت الجيوش الفرنسية مدينة فلورنسا، وأطاحت بالحكم فيها- حكم أسرة مديتشي- سارع ميكافيلي لتأييد النظام الجديد، وتنقل في وظائف حكومية كثيرة تحت ظل هذا النظام حتى وصل إلى منصب "السكرتير الأول لحكومة فلورنسا".. 

 - وقد أوفد في عدة بعثات مهمة نيابة عن الحكومة إلى المدن الإيطالية والدول الأجنبية، واستطاع ميكافيلي خلال هذه الفترة الإطلاع على خبايا الحياة السياسية وأسرارها عن قرب..

- في عام 1512م عادت أسرة مديتشي للحكم بمساعدة من البابا، وتم القبض على ميكافيلي ونفيه إلى مزرعته الواقعة على أطراف فلورنسـا، حيث عاش هناك حتى توفي سنة 1527م..

*الميكافيلية: أنت إنســان ميكافيلي، أو صاحب قرارات ميكافيلية..  يطلق هذا اللقب على كل من اتبع مبدأ ميكافيلي الأول "الغاية تبرر الوسيلة"، وهو أشهر مبدأ عُرف به ميكافيلي، فـهو يرى بأن الهدف النبيل السامي يضفي صفة المشروعية لجميع السبل والوسائل التي تؤهل الوصول لهذا الهدف مهما كانت قاسية أو ظالمة، فهو لا ينظر لمدى أخلاقية الوسيلة المتبعة لتحقيق الهدف، وإنما إلى مدى ملائمة هذه الوسيلة لتحقيق هذا الهدف.. فـ الغاية… تبرر الوسيلة.. وكان هذا المبدأ هو ما استند عليه في أغلب نصائحه في كتاب الأمير.

مقولات لميكافيلى:

- حبي لنفسي دون حبي لبلادي.

- من الأفضل أن يخشاك الناس على أن يحبوك.

- الغاية تُبرر الوسيلة.

- أثبتت الأيام أن الأنبياء المسلحين احتلوا وانتصروا، بينما فشل الأنبياء غير المسلحين عن ذلك.

- إن الدين ضروري للحكومة لا لخدمة الفضيلة ولكن لتمكين الحكومة من السيطرة على الناس.

- من واجب الأمير أحياناً أن يساند ديناً ما ولو كان يعتقد بفساده.

- ليس أفيد للمرء من ظهوره بمظهر الفضيلة.

- لا يجدى أن يكون المرء شريفاً دائماُ.

•       الإسلام وهذه النظرية:

       لا شك أن الإسلام يرفض هذه النظرية جملة وتفصيلاً، لأن المسلم صادق في حديثه، صادق في مشاعره، صادق فى اعتقاده، صادق فى حكايته ووعده، صادق في توجهه، صادق لا يعرف الكذب ولا الخداع ولا التلون، مصلحة دينه ووطنه مقدمة عنده على مصالحه الشخصية، ومصالح جماعته وحزبه، وذلك أمر من الله الحكيم الخبير سبحانه: {يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين}[التوبة: 119].

-         ووصف أهل الإيمان والثبات والإصلاح والجهاد بأنهم من الصادقين، فقال سبحانه: {مِنَ الْمُؤْمِنِينَ رِجَالٌ صَدَقُوا مَا عَاهَدُوا اللَّهَ عَلَيْهِ فَمِنْهُم مَّن قَضَى نَحْبَهُ وَمِنْهُم مَّن يَنتَظِرُ وَمَا بَدَّلُوا تَبْدِيلا} سورة الأحزاب: 23.

-         والمسلم صادق لا يكذب لأن نبيه حثه على ذلك، ونفى عنه الإيمان بمخالفته لذلك،عَنْ عَبْدِ اللَّهِ بْنِ مَسْعُودٍ، عَنِ النَّبِيِّ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ، قَالَ: "إِنَّ الصِّدْقَ يَهْدِي إِلَى الْبِرِّ، وَإِنَّ الْبِرَّ يَهْدِي إِلَى الْجَنَّةِ, وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَحَرَّى الصِّدْقَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ عَزَّ وَجَلَّ صِدِّيقًا. وَإِنَّ الْكَذِبَ يَهْدِي إِلَى الْفُجُورِ، وَإِنَّ الْفُجُورَ يَهْدِي إِلَى النَّارِ، وَإِنَّ الرَّجُلَ لَيَتَحَرَّى الْكَذِبَ حَتَّى يُكْتَبَ عِنْدَ اللَّهِ كَذَّابًا" أخرجه البخاري.

-          ونفى صلى الله عليه وسلم عن المؤمن أن يتصف بالكذب، عَنْ صفْوَانَ بْنِ سُلَيْمٍ، أَنَّهُ قِيلَ لِرَسُولِ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ: "أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ جَبَانًا؟ قَالَ: نَعَمْ، قِيلَ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ بَخِيلا؟ قَالَ: نَعَمْ، فَقِيلَ لَهُ: أَيَكُونُ الْمُؤْمِنُ كَذَّابًا؟ قَالَ: لا "رواه الإمام مالك في الموطـّأ.

-         قالوا عن الصدق:

- قال عمر رضى الله عنه: عليك بالصدق وإن قتلك.
- وقال ابن عباس رضى الله عنهما:أربع من كن فيه ربح
الصدق - الحياء- وحسن الخلق- والشكر.
- وقال الجنيد: حقيقة الصدق هو ان تصدق في موطن لا ينجيك منه إلا الكذب.
- وقيل للقمان الحكيم: ما بلغ بك ما ترى؟
قال: صدق الحديث وأداء الأمانة وتركي ما لا يعنيني.

-         ويقول الإمام ابن القيم – رحمه الله -: بالصدق تميز أهل الإيمان عن أهل النفاق، وسكان الجنان من أهل النيران، وهو سيف الله في أرضه الذي ما وضع على شيء إلا قطعه ولا واجه باطلا إلا أرداه وصرعه، من صال به لم ترد صولته، ومن قال به علت على الخصوم كلمته، ودرجته تالية لدرجة النبوة التي هي أرفع درجات العالمين. (مدارج السالكين)

- وقال كذلك – رحمه الله تعالى -: وقسم الله الناس إلى صادق ومنافق فقال: "ليجزي الله الصادقين بصدقهم، ويعذب المنافقين إن شاء أو يتوب عليهم. (مدارج السالكين)

- وقال أيضا: والإيمان أساسه الصدق، والنفاق أساسه الكذب، فلا يجتمع كذب وإيمان إلا وأحدهما محارب للآخ.

- ويقول الإمام البنا: وأريد بالإخلاص: أن يقصد الأخ المسلم بقوله وعمله وجهاده كله وجه الله، وابتغاء مرضاته، وحسن مثوبته من غير نظر إلى مغنم أو مظهر أو جاه أو لقب أو تقدم أو تأخر، وبذلك يكون جندي "فكرة وعقيدة"، لا جندي غرض ومنفعة.

-                     وصدق الشاعر حين قال:

                    لا يكذب المرء إلا من مهانته ** أو عادة السوء أو من قلة الأدب 
                    لجيفة الكلب عندي خير رائحة** من كذبة المرء في جد وفي لعب

- هذه هى أخلاق الإسلام، وأخلاق من ينتسبون إلى هذا الدين العظيم، صادقين غير متلونين، هم فى مساجدهم صادقين، وفى مصانعهم صادقين، وفى معاملاتهم صادقين، وفى سياستهم صادقين، يرفضون التلون والكذب، لا يعرفون الخداع ولا المراوغة، الغاية عندهم سامية ونبيلة، ووسائلهم مضبوطة بضوابط الشريعة والعقيدة، قدوتهم النبي صلى الله عليه وسلم وإخوانه من الرسل السابقين، فجميعهم تجسدت مسيرتهم بالصدق والنبل، وعلى الدرب كان الأتباع، ونحن لهم خير سلف لا نعرف الكذب ولا الخداع.

-         وبهذا يتضح لنا:

  أن الإسلام يرفض النظرية الميكافيلية، يرفض ما تتبناه: من أن الغاية تبرر الوسيلة، فلابد من غاية نبيلة ووسائل مشروعة نبيلة.

{يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ وَكُونُوا مَعَ الصَّادِقِين} [التوبة: 119].

رزقنا الله وإياكم أن نكون منهم، وجنبنا وإياكم أن ننحرف عن نهجهم، وجمعنا وإياكم معهم.. اللهم آمي


اترك تعليق